الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إنه عصر الكثرة: إنسان العصر العاري (2)

تم نشره في الخميس 5 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 مـساءً

فخري صالح

تهدف فكرة الشبكة العنكبوتية، في الأساس، إلى تعميم المعرفة وإيصالها إلى قطاعات واسعة من الراغبين فيها ممن لا يستطيعون الحصول على هذه المعرفة التي كانت فيما مضى باهظة الثمن لا يمتلكها إلا من يقدر على دفع ثمنها. فقد كانت المعرفة الحديثة مركّزة في الغرب، في أوروبا، ومن ثمّ في أمريكا، أي في البلدان التي تتركّز فيها الثروة والتجارب والمختبرات العلميّة، والمصانع المتطوّرة، والقدرة على الصرف غير المحدود على التجارب العلميّة واختبار صحّة النتائج التي تتوصّل إليها تلك التجارب. ولا شكّ أن التجربة الاستعمارية، والاستكشافات الجغرافية، والامتداد الكولونيالي لأوروبا، والغرب عامّة، ساعدت المركزيّة الغربية في ترسيخ جذورها، وكذلك في الاستحواذ على المعرفة وإنتاجها والتحكّم في توزيعها في ضربةٍ واحدة. حدث ذلك بسبب الثورات الصناعيّة والعلميّة التي اجتاحت الغرب بدءاً من القرن السابع عشر، وشيوع روح الاستكشاف والبحث عن مصادر جديدة للطاقة، وكذلك البحث عن أسواق جديدة للمنتجات الجديدة التي فاضت عن حاجات البلدان المنتجة.
لكن التطورات العلميّة والتقنيّة الهائلة التي ميّزت القرن العشرين، وخصوصاً تطوّر قطاع الاتصالات وبزوغ فكرة التشبيك والتواصل، ومن ثمّ إنشاء الشبكات الداخلية الخاصّة، وتعميم هذه الشبكات لتضم أعداداً أكبر من المتواصلين والمستفيدين من المواد المتاحة على شبكة الإنترنت، أدّت، من ضمن ما ادت إليه، إلى توسّع فكرة عموميّة المعرفة، وأحقيّة الجميع في الحصول عليها، وكذلك حقّ المشاركة فيها. تصطدم هذه الفكرة الطوباويّة، في الحقيقة، بصخرة البحث العلمي وإنتاج المعرفة، ومركزيّة العلم والمعرفة التي ترتبط باحتكار الغرب للإنتاج العلمي، وكون هذا الغرب منتجاً للأفكار، لا للسلع والمنتجات الصناعيّة فقط. صحيحٌ أن الانفجار المعلوماتيّ غير المسبوق، والتطور المذهل في شبكات التواصل الاجتماعيّ، وكذلك التنامي المذهل لقدرة مخزنّات المعلومات، وتمدد شبكة الإنترنت، على الصعيدن الفيزيائي والافتراضي (فهي تكاد تبلغ كلّ بيت يمتلك حاسوباً، كما أنها قادرة على تغطية الكرة الأرضية من خلال برنامج غوغل إيرث، على سبيل المثال)، أدّى في مجموعه إلى تعميم المعرفة ونشرها في كلّ بقاع الأرض. لكن المشكلة تتمثل في كون مراكز إنتاج المعرفة موجودة في الغرب، بصورة أساسية، وما يوجد منها خارج أوروبا وأمريكا يدور في الحقيقة في فلك تلك المراكز الغربية. الأهم من ذلك أن المخزنّات الضخمة للمعلومات، وكذلك شبكات التواصل الاجتماعي الكبيرة، وقبل ذلك كلّه شركات تطوير البرامج الحاسوبيّة، موجودة في الغرب بالأساس. ثمّة عولمةٌ للمعرفة لكن هذه المعرفة غربية. إنها موجهّة ومسيطرٌ عليها ومتحكّمٌ في توزيعها. ويمكن لنا أن نفهم، انطلاقاً من واقع سيطرة الغرب على إنتاج المعرفة والتحكّم في توزيعها وإتاحة ما يراد إتاحته من هذه المعرفة، الجنونَ الذي أصاب أمريكا بعد إقدام جوليان أسانج على نشر كمّ هائل من الوثائق على شبكة الإنترنت فيما يدعى بفضيحة الويكليكس، وكذلك في السعار الذي انتاب القوة العظمى الوحيدة في العالم (!) بعد أن أفشى إدوارد سنودن سرّ تجسس أجهزة المخابرات الأمريكية على الدول والجماعات والأفراد؛ على اتصالات الناس وما يكتبونه في إيميلاتهم الشخصية وعلى حساباتهم على الفيسبوك وغيره من شبكات التواصل الاجتماعي. ففي هذا الفضاء العولميّ الممتد الواسع، ولكن الكئيب في الوقت نفسه، يبدو الإنسان عارياً تماماً، بلا أية خصوصيّة. إنه يبدو خارجاً كلّه، بلا داخل، ودون أعماق.
إن أمريكا تراقب، عن بعد، سكنات البشر وحركاتهم؛ بل هي تحصي عليهم أنفاسهم. ولهذا فإن فضح ما يدور خلف الأبواب المغلقة، وفي الأحاديث السريّة، وفيما يحاك من مؤامرات، يهدد مركزيّة المعرفة وحصريّة المعلومة، واحتكار السيطرة والهيمنة. إنه يكسر طوق الإمبريالية الجديدة التي ترتكز إلى قدرة غير مسبوقة في المراقبة، لا من خلال الأقمار الصناعية، بل من خلال الآلات التي نجلس أمامها ساعات طويلة كلّ يوم، أو أننا نحملها معنا في روحاتنا وغدواتنا.  
وللحديث صلة

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش