الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إنه عصر الكثرة: الإنسان العاري (3)

تم نشره في الأحد 8 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 مـساءً

فخري صالح

قلت في المقالة السابقة إن إنسان هذا العصر، الذي تجري مراقبته والتلصص على أفعاله، والإصغاء لحواره الداخليّ مع نفسه أو لتجاذبه أطراف الحديث مع أصدقائه وأحبّائه، يبدو عارياً تماماً من الداخل والخارج. إنه لا يمتلك أيّة خصوصيّة، ولا ينطوي على أيّ سرّ. يتعرّض الإنسان، في الانفجار والتمدد المعلوماتيّين في هذا الزمان، إلى انتهاك لأشدّ خصوصياته وشؤونه الداخليّة وأسراره، وكلّ ما هو حميم لديه، بحيث تحوّلت التكنولوجيا إلى نقمة بدلاً من أن تكون نعمة. لقد تطوّر نظام المراقبة إلى الحدّ الذي يكشف فيه عمّا يجري في الأماكن القصيّة البعيدة في اللحظة نفسها. هكذا تنكشف الدول والجماعات والأسر والأفراد أمام نظام المراقبة العملاق الذي تمتلكه الدول والأنظمة والمؤسسات التي تقوم بتشغيل أنظمة المعلومات ومخزنّاتها وبرامجها، بما في ذلك البرامج التي تستطيع فكّ شفرات تلك البرامج فتمكّن أجهزة الاستخبارات من الدخول على حسابات الدول والمؤسسات والأفراد.
لقد كُشف قبل أيام عن تورّط وكالة الأمن القومي الأميركية ومكتب الاتصالات الحكومية البريطانية في التجسس على الحسابات الشخصيّة للأفراد في كبريات الشركات المزوّدة للمعلومات؛ كلُّ خصوصيات المشتركين أصبحت مفضوحة ومتاحة لهذه المؤسسات الاستخبارية: ملفاتُ المرض، والحسابات البنكيّة، والصفقات التجارية، والمراسلات الشخصيّة. كلّ ما نهمس به تسمعه هذه المؤسسات الاستخبارية وتسجّله.  المرعبُ أن هذه الفضيحة التي نشرتها صحيفتا الغارديان البريطانية ونيويورك تايمز الأميركية تشير إلى شبهة تورّط الشركات الأربع الكبرى التي تزودنا بخدمات الإنترنت والمعلومات: غوغل، وياهو، وهوتميل، وفيسبوك، مع المؤسسات الاستخبارية في أمريكا وبريطانيا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على نحوٍ مقصود أو غير مقصود. وقد سرّب إدوارد سنودن، العميلُ المتعاقد السابق مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية، والمنشق الهارب واللاجئ إلى روسيا الآن، هذه المعلومات للغارديان ونيويورك تايمز، ووسائل إعلاميّة أخرى، كاشفاً عن الطرق والوسائل التي تتجسس فيها الوكالات الاستخبارية على كلّ شيء في هذا العالم. إن شركات صناعة البرامج تتيح بعض عناصر الضعف في ما تصنعه لتسمح لتلك الوكالات إمكانات فكّ الشفرة والدخول على حسابات المشتركين والتعرّف على كلّ المعلومات المتاحة في هذه الحسابات. كما أن هذه الوكالات الاستخبارية تعمل على فكّ شفرات هذه الحسابات بالقوّة، كذلك، للحصول على معلومات المشتركين، بحيث تتمكّن من استخدام هذه المعلومات في أزمنة السلم والحرب، وتَتّبع الأنشطة الإرهابيّة للأفراد والجماعات، والخطط الاقتصاديّة للدول والشركات، والبرامج العلميّة والتقنيّة، ما يسمح لأمريكا وحلفائها بالحفاظ على تفوقها العلميّ والاقتصادي والعسكري. 
المشكلةُ الأساسية التي يولّدها هذا الشكل من أشكال التجسس المعلوماتي هو الحصول على كمٍّ هائل من المعلومات التي يستعصي على الأفراد أن يحللوها بأنفسهم، فيضطرون، من ثمّ، إلى الآلات (إلى الحواسيب مرةً أخرى) التي مكّنتهم من الحصول على تلك البيانات والمعلومات. وهنا الطامّةُ الكبرى، فالحواسيب تشتغل حسب أنظمة تشفير وفك للشفرات وآليات تأويل محددة، ما يجعلها ترتكب أخطاء قاتلة لا تحمد عقباها، ما قد يؤدي إلى كوارث كبرى. وأهونُ الأمور أن هذه الآلات، والبشر العاملين على توجيهها، الفرحين بما تجمّع لديهم من معلومات لا تحصى، قد يصمون الناس بما ليس فيهم فيفسرون بيانات حصلوا عليها من حسابات هؤلاء الناس بأنها تدلّ على ضلوعهم في الإرهاب، وهم في الحقيقة أبرياء مما وُصموا به.
في هذا السياق من التلصص المعاصر؛ من وضع الكوكب الأرضي تحت عدسة مكبّرة قادرة على تبيّن كل تفاصيله، يصبح العالم مكشوفاً تماماً، ويتجلّى في كامل عريه وضعفه.    
وللحديث صلة    

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش