الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

البساطة المدهشة في أعلى من ضحك الأشجار

تم نشره في الجمعة 5 آب / أغسطس 2016. 08:00 صباحاً

محمد ولد محمد سالم *

البساطة المدهشة هي أصلح صفة يمكن أن يوصف بها أسلوب الشاعر محمد أبوعرب في مجموعته الأولى «أعلى من ضحك الأشجار» الصادرة حديثا، فمنذ الوهلة الأولى لاشتباك العين بأسطره ينجرف القارئ وراء سلسلة من الأوصاف البسيطة والصور العادية التي يعرفها تمام المعرفة، والتي يوردها الكاتب مجزأة على شكل  لقطات سريعة كان يمكن أن تمر دون أن يلقي لها القارئ بالا، لولا أنها مصممة بإحكام لصناعة مشهد متكامل، تلعب كل لقطة فيه دورا بانيا في الجسم الكلي، وفي نهاية المشهد يكتشف القارئ أنه خضع لعملية إغواء أو تحايل جميل جرفته مع سلسلة الصور البسيطة التي يعرفها جيدا، والتي تشكل جزءا حميما من ماضيه أو حاضره، لتوصله إلى المفارقة المدهشة، وتقلب لديه بساطة الصور إلى توتر عالٍ جدا، أعلى من ضحك الأشجار، فتجعله يعيش التجربة كما عاشها الشاعر، تجربة الفقد أو الحزن أو الحب أو الوحدة أو الأمل، وهي تجارب تدور عليها نصوص الشاعر هنا، ورغم أنها تجارب ذاتية مليئة بالعاطفة والحزن وتغري الشعراء بالشكوى، فإننا لن نجد في نصوص المجموعة شكوى صريحة بضمير المتكلم، فقد عمد الشاعر أيضا إلى التحايل على تلك النبرة العاطفية بهذا البناء المشهدي الذي يؤلفه داخل نصه، بصيغة أقرب إلى الخبرية أو السردية، لكنها كما أسلفنا مشهدية دقيقة ومدروسة من أجل إحداث التأثير المطلوب.

في نصه الأول والذي اختار أن يكون عنوانه هو عنوان المجموعة «أعلى من ضحك الأشجار» يقول:

كنت أشتهي أن أتهجى الحروف بنظارة سميكة

وأتعثر في الكلام

وأنت تضحكين بشعرك الأشيب وعكازك الخشبي

كنت أشتهي أن أهمس في أذنك

وكؤوس الشاي ترتجف في يدينا

نحن هنا أمام صور عادية مبعثرة بشكل لا يوحي للوهلة الأولى بشي، لكننا عند فرزها سنجد أن «النظارة السميكة، الشعر الأشيب، العكاز العكاز الخشبي، اليد المرتجفة» هي أجزاء من صورة كاملة لعجوز طاعنة في السن، وحتى «تهجي الحروف والتعثر في الكلام» هي أيضا من صفاتها، وهذه الصورة الأولى تتخللها صورة أخرى في المشهد هي المعبر عنها بضمير المتكلم في «كنت»، وهذا المتكلم «يشتهي» أن «يتهجى الحروف بنظارة سميكة» و»يتعثر في الكلام» في محاكاة ساخرة تكشفها جملة «وأنت تضحكين»، ما يحيل على متفرج هو «العجوز» ينظر إلى «ممثل» المتكلم فهو لا يحتاج إلى النظارة السميكة لكي يتهجى الحروف، وهو يتعمد أن يتعثر في الكلام شهوة في التمثيل وإثارة ضحك العجوز، ونتقدم مشاهد النص مضيفة صور جديدة نستشف منها هذا المتكلم، يقول أبو عرب:

وأنت رغم العمر تخجلين

تخجلين كعادتك

وأنا أظل كما أنا، جسورا في اصطياد القبل

كنت أشتهي أن أقدم لك الدواء عند الوقت

وأنت تنظرين

وتوبخينني: أين كأس الماء؟!

فأقول: وهل يشرب النهر من كأس قصير.

فتضحكين من كذبي.

فتقولين: النهر كما البكاء يجف رويدا رويدا

فيعلو صوت ضحكنا.

من هذا «المتكلم» الذي يقبل العجوز في جبينها، ويرعى أوقات دوائها، ثم يخفي عنها الماء لكي توبخه، ويكذب عليها لكي تضحك منه، فيبتهج هو أيضا ويضحكان معا، لن يكون هذا سوى لعبة طفل طيب ومشاكس، يحب عجوزه - وهي بالطبع جدته لأن أبناء العجوز الهرمة لا يكونون صغارا بهذا الشكل - ويؤثر أن يذهب عمره في صحبتها، كما عبر عن ذلك في آخر مقطع من النص:

كنت أشتهي أن ننام وحيدين

وتنسين رأسي على ذراعك

هكذا أنسى أنني ولدت.

الصورة هنا عادية، صبي ينام ورأسه على ذراع جدته، لكن الشاعر صنع لنا المفارقة من حيث لا ندري، فبدأها بــ «ننام وحيدين» التي تحيل على العزلة، ثم أكدها بـ «تنسين رأسي على ذراعك» التي تحيل على البقاء على حالة واحدة من العزلة والنوم، ثم فجرها بقوله «هكذا أنسى أنني ولدت»، فهو لا يريد أن يخرج من هذه الحالة، لا يريد أن يرى الحياة خارج هذا المشهد، يتمنى لو أنه أوقف عربة الزمن عنده، وكأن الحياة خارجه لا تطاق، لدرجة أنه يريد أن ينسى أنه ولد أصلا، وحين نستعيد المقطع قبل الأخير من النص الذي يقول فيه:

كنت أشتهي أن أرفع شعرك عن وشاح القطن

وأقترب أكثر من وجهك

وأتحسس خدك

خدك الذي نسيت أن أقبله ذات مساء

خدك ذاته الذي حمل البكاء

وخجل القلب

وراحة يدي

حين نستعيد بالذات هذا الخبر البسيط الذي ألقاه عرضا في أثناء الكلام «خدك الذي نسيت أن أقبله ذات مساء» ونؤلف بينه وبين المشهد الأخير، مشهدِهما نائمين، سوف ندرك أن ذلك الإلقاء العرضي ليس على حقيقته، لكنه وبالتلاحم مع النهاية سيتحول إلى من مشهد يومي بسيط يحدث لأي شخص إلى مأساة عميقة، يصير معها النسيان إشارة ضمنية إلى الفقد، و»ذات مساء» نكرة تسغرق عموم الزمن، أي أنها الأبد ذاته، فالنسيان هنا ليس سوى «الموت» الذي ذهب بتلك العجوز الطيبة الوادعة، وأفقد شاعرنا القدرة على مواصلة الحياة، فأصبح يتمنى لو كان حبس الزمن في لحظة واحدة، هي لحظة عجوزه، فلا يغادر حضنها، فيكون كأنه لم يولد.

عند هذا المستوى من التأمل ينقلب الحضور الطاغي للعجوز في الأبيات، في حضرة لحظة الفقد التي تشكلت أخيرا إلى عنوان للمأساة، وتنقلب المشاهد الحميمة لطفل يرعى جدته ويلاعبها ويضاحكها إلى مشاهد مؤلمة لذكرى بهجة انصرمت وتقطعت أسبابها، ولا سبيل لعودتها، كما لا سبيل للتخلص منها، لأنها الفرحة الوحيدة في سياق حياة لا معنى لها، وبذلك يكون الشاعر قد أحكم بناء نصه، وأغوى قارئه في بلعبة المشاهد البسيطة ليقوده إلى اللحظة الفارقة التي تجعله متورطا بشكل كامل في التجربة المرة لحالة الفقد المؤلمة، إنه يصطاد قارئه من حيث لا يدري القارئ بذلك.

في نصوص المجموعة لن نجد كما أسلفت ذلك الحضور الطاغي لضمير المتكلم «أنا» على سبيل التشكي والتبرم بالحياة، والذي أصبح أحد أيقونات أغلب من يكتبون الشعر من الأجيال الصاعدة، فهو يستخدمه باقتصاد، وفي سياق سردية تعطي الأولوية للصورة، وما ستصنعه هذه الصورة بالتآلف مع مثيلاتها ومجاوراتِها، وكيفية بناء مشهدية كلية تصنع تجربة موحدة تصبح معها المعاني الظاهرة للجمل والصور وهي متفرقة لا معنى لها، ولا قيمة لها إلا في السياق الكلي، وهذا الطموح الأصيل في نصوص الكاتب هو ما ضمن له أيضا أن يصنع صوره الخاصة به، وقاموسه اللغوي الخاص به الذي لا يريد أن يحاكي أي قاموس لشاعر آخر، وينأى بعنفوان عن استخدام أية صور أو جمل أو عبارات شائعة الاستخدام في قاموس أغلب كتاب الشعر اليوم، وإذا كان كما قيل «الأسلوب هو الشاعر»، فإن أبوعرب شاعر من أجل خصوصية أسلوبه وتفرده.

يبقى أن نلاحظ أن هذه المجموعة على ما تتسم به من عمق وابتكار تصويري وغنى دلالي، فإنها تفتقد ركيزة مهمة من ركائز الشعر على ما أعتقد، وهي الإيقاع، ولا أقول الوزن، لأن الوزن يمكن أن يحيل لدى البعض إلى مرحلة ماضية، ومهما اختلفت الآراء في هذه المسألة فهناك أمر ثابت، وهو أن قصيدة الشعر لا بد أن تمتلك بنية إيقاعية معينة، سواء كانت على نسق تقليدي أو نسق ابتكاري، المهم أن يكون هناك ما يحرك مشاعر القارئ، ويرهف وجدانه، ليضعه في حالة من الاستسلام الطوعي الجميل، يستقبل معها بتلهف الصور والمشاهد المتلسلسة عبر مقاطع القصيدة، وترتفع بها حالة التوتر لديه، التي هي حالة مقصودة لذاتها، فالقارئ أو السامع أو المتلقي عموما لا يستجيب ما لم يتوتر، وما لم يندهش، والإيقاع قوة فاعلة في صناعة التوتر، وفي صناعة الدهشة والشعر، ومثل هذه الطريقة البسيطة والعادية التي يكتب بها أبوعرب تحتاج إلى الإيقاع، لأن ذلك التفكك الظاهري، والمظهر العادي للصور، قد لا يغري للوهلة الأولى بالقراءة، ولا يحفز على مواصلتها، فإذا آزره الإيقاع سيكون أكثر إمتاعا وجاذبية نحو الذرورة المضيئة، وأرجو من كاتبنا الموهوب أن ينتبه إلى هذه المسألة في المستقبل، ويعطي لإبداعه حقه من الإيقاع الذي يزيده سموا وألقا وتقبلا.



* كاتب من موريتانيا



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش