الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يوميّاتُ جوادٍ طاعنٍ في العشق

تم نشره في الجمعة 5 آب / أغسطس 2016. 08:00 صباحاً

محمّد صابر عبيد *



لعلّ الرّحيلَ إلى شاطئٍ مُفترى،

وغربةٍ ندّعيها..

مصيرٌ مؤجلٌ للعواطفِ الشائكةِ،

لعلّنا لا نُحسنُ اختراعَ غرامٍ خاطفٍ..

بين الأماني النرجسيّةِ والمصائدِ،

لعلّنا اختتمنا أخطاءَنا مُبكّراً..

فلم يعدْ لنا متّسعٌ للغرورِ،

لعلّنا.

غيرَ أنّ التمنّيَ لسانٌ،

وباحةُ القلبِ سوقٌ واسعةٌ للمزادِ العَلَنيِّ،

الحكايةُ فيما أرى أبسطُ من ذلكَ بكثيرٍ..

قبّلْ أطرافَ المرآةِ برفقٍ...

وحَدِّقْ....

طفلٌ مُسنٌّ دهستْهُ ذُبابةٌ،

مظلّةٌ ملوّنةٌ لا تقي عاشقاً يُشبهُ الأنبياءَ،

قطارٌ ظريفٌ داهمتْهُ الظلالُ..

فاستراحَ على هامشِ التّجربةِ،

عيالٌ تأمّلوا أسماءَهم فاستهجنوها..

وفرّوا خِلسةً إلى أجسادهم الخاويةِ،

دميةٌ جنَّدَها الرّعبُ لمجاراةِ الرّصاصِ..

فاحترقتْ في فراغِ الأبدْ.

بضعُ رسائلِ أخرى ماتتْ غرقاً..

من شدّةِ السّوادِ،

أو شدّةِ الجهلِ،

أو شدّةِ الرّيحِ،

نكتةٌ رماديّةٌ ظلّتْ حائرةً..

تبحثُ عن علبةِ وقتٍ،

فاستدرجتْها أفواهٌ فاغرةٌ،

وقضمتْ رأسَها الموحلَ بالفضائحِ،

دمعةٌ نقشتْها رسّامةٌ ماهرةٌ على جدرانِ نذورنا..

فغنّتْ.

معبدٌ تمرّدتْ عليه التماثيلُ..

فاستقالَ الإلهُ،

واتّحدَ الكهنةُ في آخرِ صلاةٍ..

تسافرُ نحو السماءِ،

هبطتِ المسرّاتُ،

وانسلَّ طيفُ امرأةٍ فاتنةٍ..

من شرفةِ آشور بانيبال.

فلتكنْ الطعناتُ الملمّعةُ أيّها الأعداءُ النبلاءُ،

والأصدقاءُ الألدّاءُ...

واجهاتٍ أنيقةً للمحلّاتِ،

ولتكنِ الشوارعُ أكثرَ رشاقةٍ من مرورِ الأقاويلِ،

وأكثرَ استلطافاً للندى،

وهو يتمطّى بغنجٍ ومكرٍ..

على سطوحِ الشجيراتِ،

ولتكنِ الّلغةُ خبزاً وتيناً،

وليكنِ الشعرُ جاراً أميناً،

وشقّةً نظيفةً يقطنّها الجميعُ،

ولتكنْ كلُّ العصافيرِ البدائيّةِ التي غزتْكَ،

منذُ أنْ عرفَتْكَ البيادرُ لغزاً ووجهاً غامضاً..

تركتْ على رصيفِ قُبلتِكَ الأخيرةِ.

ـ وهي تمزّقُ مناديلَها الناعساتِ ـ

أزرّةَ حزنٍ لا تفرّقُ بين الدّمِ والدّمعِ،

ولتكنْ كلُّ الأرجلِ المشحونةِ بالديناميتِ،

وهي تدوسُ على مزاجِكَ الرّائقِ..

قد نَشَرَتْ على صدرِكَ المُصفّحِ بالعُريِ..

لقاءٍ ليليّاً بارداً بين شجرةٍ ونارٍ،

ولتكنْ كلّ الأممِ التي قاتلتْكَ على جاهليّةٍ..

ورقاً يتساقطُ في خريفِ الظهيرة.

إنّهم.. عابرونَ،

وأنتَ صهيلُ الملائكةِ الذي يقبضُ الرّوحَ..

مأخوذاً بلحظةِ عشقٍ..

يتبادلُها رجلٌ يائسٌ وصبيّةٌ من أملٍ،

إنّهم خللٌ طارئٌ سرعانَ ما يمضي،

وأنتَ دهشةُ الفجرِ الذي يسرقُ الحلمَ من النافذةِ،

إنّهم قبضُ ريحٍ،

وأنتَ الشّهوةُ التي يلدُها الصّمتُ ليشربَها الضجيجْ.

امنحْهم صوتَكَ مكترثاً بالحشرجاتِ الأثيرةِ،

ليطبعَ فوقَ خطبِهِم الكاذبةِ العصماءِ..

موّالاً فضّاً، وأسئلةً محرجةً، وفرارا.

لا تقايضْ غُبارَكَ السحريَّ.. بحقولِهم الخضرِ..

المليئةِ بالقنافذِ والخناجرِ والأشباحِ البليدةِ،

بحقائبِهم المحشوّةِ بالفرحِ المُعلّبِ والضحكاتِ الصفيقةِ،

لا تقايضْ دمعتَكَ المختبئةَ في قُبلةٍ طريّةٍ..

بكلّ مهرجاناتهم السّنويّةِ التي تفصلُ الّلفظَ عن المعنى،

والجسدَ عن الرّغبةِ،

والنارَ عن القصيدةِ،

أنتَ مع الطّبيعةِ ضدَّ الحضارةِ،

ومعَ الحضارةِ ضدَّ الطّبيعةِ،

ومعّ نفسِكّ ضدّهما،

ومعهما ضدّ نفسِكَ...

وهمْ ضدَّ الجّميعِ على أيّةِ حالْ.

إنّها مسألةٌ في الرّياضيّاتِ..

يفهمُها جيّداً سليم الكتبيّ،

من غيرِ أن يستعينَ بنظريّاتِ التأويلِ وحماقاتِها المستعصيةِ،

فكيفَ تفرّقُ بينَ الّلمسةِ والّلسعةِ،

وبينَ تلعثمٍ في الحبِّ وتورّطٍ في الصّداقةِ،

كيفَ تفرّقُ بينَ حفلةِ رقصٍ ومكيدةٍ،

بين زهرةٍ طليقةٍ وسرٍّ كامنٍ في حَجَرٍ،

كيفَ تفرّقُ بينَ ما تريدُ وما لا تريدُ،

بينَ خلوةٍ تسيّجُها الأمنياتُ وسواها.

إألفْ نفسَكَ يا هذا... أو لا تألفْها..

أو افعلْ ما شئتَ.. أو..

فشمسُ النصائحِ غابتْ في سماءِ الندمِ،

وخلّتِ المكانَ كومةً من زجاجٍ مُحطّمٍ..

تضربُها غيمةٌ غادرةٌ في الصميمِ،

نَضَتِ المياهُ أثوابَها..

فكشفتْ عن ذئبٍ أعمى...

يفتّشُ في بياضِ الجّروحِ عن صرخةٍ ضائعةٍ،

تُشتّتُ ما تبقّى من طرائدَ وفراشاتٍ مقمرةٍ..

أنقذَها خطأٌ في العَدِّ التّصاعديِّ.

الحكايةُ كانتْ مُملّةً، متعبةً، ممتعةٌ، مثيرةً..

وما زالتْ...

إذ إنّ الشجرةَ العاريةَ ألقتْ إلى النارِ عباءتَها،

فاحتمى الشاعرُ بالوهمِ،

وبفيضٍ من الاحتمالاتِ،

واختفى وراءَ تفاصيلِهِ المسرعةِ نحو فرج ياسين،

وهو ينفضُ الغبارَ عن زجاجِ الحكايةِ..

ويستعرضُها باستمتاعٍ عجيبٍ،

مكتفياً باستعارتِهِ الملساءِ،

وخياناتِهِ العجيبةِ،

وخيالِ فتاةٍ سكرى بطفولةٍ شقيّةٍ أحبَّها ذاتَ يومٍ،

ودعوةٍ قائمةٍ للثرثرةِ..

لا مجالَ لتفاديها، أو قمعها، أو المروقِ من أمامها.

على أهدابِ البلاغةِ المتقاعسةِ..

التي تديرُ ظهرَها لشقاوةِ الأسلوبيّةِ،

وتبصقُ في وجهِ الّلسانياتِ،

وترميها بتهمةِ المغامرةِ العظمى..

يُصغي زكي الآلوسي لاعترافاتِكَ،

وهي تمضي بانسيابٍ وتدفّقٍ وريبةٍ،

يمسحُ عنها خجلَها،

يقلّمُ أظافرَها، يغلّفها بالسيلوفين..

ويدسُّها في أقربِ دُرجٍ،

وقد تسلّلتْ رؤاكَ إلى دخانِ سيجارتِهِ المستحمّةِ..

في بحرٍ من الّلذةِ،

تمضي مزداناً بخساراتِكَ، وعذاباتِكَ، وخيباتِكَ الموجعاتِ،

وقد غلَبَكَ فرحٌ غامضٌ يتململُ من بَرَمٍ،

يوقظُ فيكَ الكلماتِ،

الكلماتِ،

الكلماتِ،

هي كلُّ ما تبقّى لكَ أيّها الولدُ المشاكسُ،

الذي لا تضبطُهُ التقاليدُ،

ولا تُزعجُهُ الشائعاتُ المُبيّتَةُ، المُملّحةُ، المُبهّرةُ،

أيّها الولدُ الذي يرسمُ بالجّمرِ قلباً طريّاً..

تتقاسمُهُ الأفلاكُ،

ويستعينُ به عشّاقُ العالمِ على جحيمِ أحزانهم،

ويلوذُ به الغرباءُ حين تتعقبُهم رياحُ الشّكوكِ،

وتخذلهم بشاشةُ التضرّعات.

الكلماتُ..

هي كلّ ما تبقّى لكَ من بضاعةٍ..

تقبعُ فيكَ، وتنزوي فيها،

تطلقُها غبَّ عزاءِ المحيطاتِ،

ومتاريسِ الحُسّادِ الحمقى،

تمضي نافرةً،

وقد تكسّرتْ إيقاعاتُها، وتحطّمتْ مراياها،

وسُحِقتْ أدواتُ ماكياجِها،

تتقيّاُ في آخرِ حرفٍ منتحرٍ فيها أسماءً،

وغباراً،

ووصايا قيدَ الإنجازِ،

تمضي ساخطةً تجرجرُ أذيالَ الحكايةِ،

وكلابَها المتعباتِ..

من نارِ النساءِ...

...............

إلى رمادِ القصيدة.



* شاعر وأكاديمي من العراق

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش