الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العلم والتعليم والنهضة

تم نشره في الجمعة 5 آب / أغسطس 2016. 08:00 صباحاً



د. عصر محمد النصر



العلم والتعليم طبيعيان في البشر, حيث تميز الإنسان بالفكر الذي يهتدي به في تحصيل معاشه والتعاون مع أبناء جنسه, في جملة حقائق يقررها ابن خلدون –رحمه الله- في “مقدمته “, وهو يتكلم عن جنس البشر وتميزهم عن سائر الحيوانات, وفي ثنايا كلامه تتوارى حقيقة أخرى لا تقل عما تقدم أهمية وهي أن الفكر والعلم خصيصة بشرية لا تختص بجنس دون غيره ولا بعرق دون غيره ولا بأمة دون غيرها من الأمم, فالأمم أرحام للعلم, تستفيد كل واحدة من سابقتها, وفي تقرير هذه الحقيقة تذوب ادعاءات المركزية الغربية وتفوق العرق الآري وعبقرية الحكماء, حتى تجاوز الإمام الشاطبي –رحمه الله- ذلك كله وهو يتكلم عن نتاج العقول وأن أنفعه ما جاءت به الأنبياء؛ فهم صفوة الخلق, وأحسنهم عقلا وأصدقهم لهجة وأوفرهم عزما, ومن هنا ارتبط العلم بالرسالة السماوية, وأصبحت القيم هي المقياس الذي تعرف به الحضارة, وبعيدا عن تعريف الحضارة والاختلاف حولها إلا أنها مظهر من مظاهر الحركة الإنسانية  التي تجمع بين العلم والصناعة وترتبط بالبيئة ويغذيها الاستقرار والدعة, ولا تجتمع لأمة إلا إذا توفرت أسبابها, ولا تغيب شمسها عن أمة إلا إذا غابت أسبابها, ونحن اليوم نشهد حراكا فكريا يأتي سياقه في حالة من ضعف تمر به الأمة في ظل تفوق أمم أخرى وتقدمها, حتى بات سؤال النهضة أكثر سؤال تطرقه الألسنة  وتكتبه الأقلام بحثا عن جواب له, على أن هذا الإدراك والوقوف على الفجوة الحضارية التي تمر بها الأمة أمر حسن وهو خطوة في طريق صعودها من جديد, فالنجاح يبدأ من إدراك الضعف الذي تمر به, وهذا القدر من الواقعية تترتب عليه جملة أحكام في التعاطي مع مجريات الواقع بعيدا عن الحلول المبتورة أو الأهداف غير الواقعية التي لا تفرق بين الأمل والحلم وبين الممكن والمستطاع, وليس المراد مجرد إدراك حقيقة الفجوة الحضارية, فهذا القدر لوحده لا يكفي بل قد يدخل النفس في حالة من الانبهار تفقد معه توازنها ويجعلها ظلا لحضارة الغالب, وهذا حال كثير من أبناء المسلمين اليوم حيث ألقوا بحملهم على عاتق غيرهم, وعن مثل هذا العجز والكسل وفي حين غفلة صدرت دعوات متعددة تنتقص من قيمة العلم الشرعي ويدعي أصحابها بعده عن الحضارة ومخالفته للنهضة والتقدم, وما كان هذا منهم إلا لنقص في إدراك حقيقة العلم والغفلة عن تأريخ الأمة وقيمها الحضارية, فهو نقص في التقييم أوجب نقصا في الحكم, وقد تقرر أن الشرع هو أول مصدر للقيم وأعظم مؤثر في توجيه حركة المجتمعات وازدهارها, والأصل ألا تعارض بين المنجز الحضاري وبين الماضي القيمي إلا ما كان في أذهان أصحاب تلك الدعوات, وقد غفلوا عن مسألة مهمة وهي أن مفهوم النهضة تحدده القيم, فلا يخلو منها وهي ركيزته, ومن تلك الدعوات أيضا تلك التي تعظم علما على حساب غيره, وتجعل منه شرطا للنهضة والتقدم من غير اعتبار لغيره, والأصل المعتبر في هذا الباب هو التكامل بين أنواع العلوم و إلا اختلت الحضارة وانعكس الأمر سلبا.

مثل العلم والتعليم ركيزة مهمة من ركائز وجود هذه الأمة, ومظهر من مظاهر حضارتها, وقد ارتبط أمره بالوحي منذ بعثت النبي صلى الله عليه وسلم, فكانت البداية بالأمر بالقراءة حتى أصبح هذا جزء من وجود الأمة, فهي أمة ارتبط علمها بكتابها المنزل, “ وثمة إجماع  على أن القرآن هو مفجر الحركة العلمية في الحياة العربية, فهو بما احتواه من نصوص جامعة وقاطعة معا يرقى بمنزلة التدوين العلمي إلى أعلى المنازل بدرجة غير مسبوقة في التاريخ. ولقد كان مدهشا أن يفتتح التنزيل بأمر جامع ظاهر الدلالة في قوله تعالى :” اقْرَأْ “( العلق, الآية 1), بما ينضوي تحته من علامات واضحة حول الكتابة والتدوين “( مدخل إلى التراث العربي والإسلامي ص29), وقد تميز العلم في هذه الأمة بالشمول, فلم يقتصر على علم دون آخر, ولما كان العلم الشرعي هو أولى العلوم وأنفعها رفده بسائر العلوم التي تعين على فهمه وتطبيقه, وقد شمل هذا علوم الآلات وعلوم الحكمة, وهذا القدر من الشمول وما نتج عنه من تنوع دليل على استقامة البعد الحضاري, مما جعل الأمة في مقدمة الأمم في زمن مضى, فكانت محط أنظار العالم ومصدرا للمعرفة, وكان العلم يسير فيها في مسارات متعددة متساوية : وهي الحاجة, والقصد, والنوع, فكانت علومها ناشئة عن حاجة وهو أدعى للانتفاع بها, وكانت تراعي المقصد الشرعي, فهي علوم يراد منها القرب من الله تعالى, كما تراعي النوع, فتثري أكثرها أهمية وأثرا مما يحتاجه الناس, وإنما يحصل الخلل في هذه المسارات إذا اختل البعد الحضاري ووردت عليه عوامل سلبية مؤثرة على النحو الذي تراه اليوم في حالة من التنكر للذات.

وفي الختام؛ فإن أول لبنة في بناء النهضة الإنسان؛ بعقله وقلبه وقيمه, و أي تجربة تتجاوز هذه الحقيقة فإنما تبنى في سراب وتضرب في عماية, و تتجاوز حقيقة النهضة والتقدم, ومما يوصى به في هذا المقام استنهاض الحس العلمي والقيمة التربوية وإشاعة ذلك في أوساط المجتمع, وتوسيع دائرة الاستثمار في العلم النوعي الذي يرفد المجتمع ويعزز مكانته.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش