الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مهرجان جرش في طبعته الدينية!!

حسين الرواشدة

السبت 21 أيلول / سبتمبر 2013.
عدد المقالات: 2527

ازدحمت مدرجات المسرح الجنوبي في جرش “بالجماهير”، لم تكن المناسبة بالطبع تتعلق “بمهرجان” جرش السنوي الذي يستقطب نجوم “الغناء والطرب” وانما بمهرجان آخر اقامته وزارة الاوقاف بمشاركة المنتدى العالمي للوسطية، ونجومه هذه المرة عدد من “الدعاة” الذين يحظون بالحضور وسط جماهير تبحث – ايضا – عن “متعة” الحياة، لكن بطريقة مختلفة.
على مدى السنوات الثلاث الماضية “اختفت” نسبياً ظاهرة “نجوم” الدعوة الجدد الذين جذبوا الآلاف من “المستعمين” في محاضراتهم، لكنها عادت اليوم، وربما تكون “جرش” هي التي اطلقت “صفارة” البداية، لكن الاهم من ذلك ان “حزباً” جديداً قد ولد ووجد لديه ما يلزم من جماهير تصغي اليه وتحتفي به، وهو حزب “المتدينين” الذين يريدون ان يمارسوا “الحياة” على هدي من “الدين”، بعد ان كانت “الجماهيرية” في عالمنا العربي حكراً على حزبين فقط هما: حزب “اللعب” حيث تمتلىء مدرجات المباريات الرياضية بالمتفرجين، وحزب “الطرب” حيث ينتظر المتمايلون على انغام الموسيقى والغناء “نجومهم” المفضلين.
حزب “المتدينين” هذه المرة، ليس محسوباً على “الاسلام السياسي”، ولا علاقة له “بصراعات” التيارات الاسلامية، وهو مشغول “بخلاصه” الفردي، اما “نجوم” الدعوة الذين يقفون على “المنابر” لتوجيهه فقد خرجوا من “الاعلام” الذي اكتسح القلوب والعقول معاً، واستطاعوا ان يخترقوا الخطاب التقليدي الذي “نفّر” الجماهير، باتجاه خطاب اسلامي آخر، يوازن بين عمارة الدنيا وعمارة الآخرة، وبين حق الانسان في “المتعة” والزينة وحقه في “تأمين” النجاة بعد الموت.
وفق هذا التصور تحركت – على ما يبدو – وزارة الاوقاف لتنظيم هذه الندوات “الدينية”، اختارت – اولا – المسرح الجنوبي في جرش لتقدم لنا “نموذجاً” آخر “للجماهير” التي لا يحركها الطرب فقط، وانما يحركها “الدين” متى كان دعاته قادرين على “جذب” قلوب المستمعين، واختارت – ثانيا – عددا من “نجوم” الدعوة المعروفين بالقدرة على “تأمين” حضور الآلاف من المتشوقين للهداية والتقرب الى الله، واختارت – ثالثا – هذا التوقيت الذي يتعرض فيه “الاسلام” لهجمة عنيفة في الداخل والخارج، خاصة بعد ان “وصل” بعض المحسوبين عليه الى السلطة، لدرجة ان البعض اصبح مطمئناً بأنه تم “القبض” على روح الاسلام، ولم يبق له أية جماهير تتعاطف معه.
هذه – بالطبع – فكرة ذكية، لكنها – كما افهمها – ليست بعيدة عن السياسة، فرسائلها تتجاوز الايحاء “بمعنى” ازدحام المدرجات في المسرح الجنوبي بجرش “بالمتدينين” بعد ان كانت “حكراً” على “مستمعي الطرب”، تتجاوز الى تطمين من يريد ان يطمئن بأن “الاسلام” ليس طرفاً فاعلا في السياسة، وانما في “الحياة الحلوة” ايضا، وليس مشروعاً يمكن ان يسجل باسم اتجاه ما، ويمكن ان “يجهض” تحت عنوان ما، وانما هو “دين” للجميع، يتكيف في الزمان والمكان مع “الحياة” والناس، وينتزع من “الجماهير” حتى حين يظن البعض انها “انسحبت” من كل شيء افضل ما فيها.
ثمة رسائل اخرى مشفرة – بالطبع – يمكن فهمها في سياقات “المكان” و”التوقيت” ايضا، فبعد ان عادت “الروح” الى السياسة وانتعشت التيارات الاسلامية التي تعمل في المجال العام بفضل “الانفجارات” التي شهدها عالمنا العربي، جاءت مهمة “التدين” متزامنة مع “انتكاسة” التجربة في عنوانها الساسي لتعيدنا الى مربع “الشأن الخاص” حيث التدين تمرين شخصي لتحقيق الخلاص الفردي، وحيث “نجومه” اطباء رومانيون او قصاصون مستغرقون في الماضي، او “دعاة” لاخذ ما يلزم الانسان من “نصيب” في الدنيا بعيداً عن “لعبة” السياسة المكروهة.
عنوان “المهرجان” يحمل رسالة واضحة، فبينما أنفنا في الخطاب الاسلامي دعوات من قبيل “النفير” العسكري او السياسي، او ندوات “للنصرة” او اخرى “لندب الواقع” وثالثة حول موضوعات مألوفة ومكررة عن المرآة والدولة، وتداول السلطة.. وكلها تعكس خطاب “الحركية” الاسلامية المشغولة “بالسياسة”، جاءت وزارة الاوقاف بعنوان “تحلو الحياة” وكأنها ترد بالصوت والصورة على مثل هذه الانماط، وتذكر “الجمهور” بأن الدين الذي يجري توظيفه في الاطار السياسي ويتم تجريحه لهذا السبب، هو اصلاً دين الحياة “الحلوة” الخالية من الصراعات ومن الشقاء والتعاسة (اسبابها معروفة بالطبع).
قد تجد هذه الرسائل – بالتأكيد – من يتحفظ عليها، او من يعتبرها محاولة لتسويق نمط من أنماط “التدين” – وما اكثرها – او من يضعها في اطار “توظيفي” محض، لكن المهم ان تجربة وزارة الاوقاف هذه نجحت في تقديم صورة اخرى “للدين” المتفاعل دائما مع الحياة، صحيح ان “نجوم” الدعوة لم يكن فيهم داعية اردني، وصحيح ان “الحياة تحلو” – ربما – بأشياء اخرى، ومنها السياسة، لكن الصحيح ايضا أننا نبقى دائما بحاجة لمن يذكرنا بأن “المدرجات” تزدحم  وتهتز لاصوات “الدعاة” والقيم التي يحملونها اكثر مما تهتز لاصوات “نجوم” الطرب، لكن المشكلة ليست فيما يريده المستمعون وانما فيما يراد لهم ان يسمعوه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش