الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سيخ كباب

حلمي الأسمر

الأحد 7 آب / أغسطس 2016.
عدد المقالات: 2514



تحفل شبكات التواصل الاجتماعي بالعديد من القضايا التي تشغل بال الناس، وهي أشبه ما تكون بمنجم من الصور المعبرة، من هذه القضايا، صورة قلمية رسمها أحد الاصدقاء، ودعاني لإثارتها هنا، حيث كتب تحت عنوان «معقول يا ناس؟» يقول: يحدث في عمان .. متسولات على الإشارات فهمناها، أما ان يحملن رضعا أعمارهم عدة أشهر من الصباح وحتى المساء مرورا بوقت الظهيرة، وتحت الشمس الهاجرة في هذه الأيام الحارة جدا، ليبدو الرضيع وكأنه «سيخ كباب»، فهذا غير مفهوم في دولة تتغنى بحقوق الطفل !!! واللي حابب يشوف ع الطبيعة هذه الإشارات القريبة المقابلة لمقبرة ام الحيران وعلى التقاطع الرئيسي .. اين التنمية الاجتماعية، ومكافحة التسول وشرطة الأسرة، وأين المسؤولون وجمعيات حقوق الانسان وحقوق الطفل من هذا الاجرام والذي يبدو كأنه منظم؟

انتهت الصورة/الصرخة، وهي مدوية، وتضرب الأسماع وتصل إلى ابعد عرق في قلوبنا، قبل أن نقرأها بعينينا، ذلك أنها صورة متكررة، ولا نراها فقط على ذلك الموقع المشار إليه، بل يمكن أن تُرى في غير مكان، بل إنني أشاهد كل يوم مشهدا أكثر إيلاما من تلك الصورة، حيث تفترش سيدة الأرض، ومعها طفلة صغيرة عمرها سنتان إلى خمس سنوات، قرب إحدى الحاويات، تنتظر ما يُلقى فيها، وبالطبع تكون الحرارة في ذروتها، والطفلة في حالة مريعة، تشبه ذلك التشبيه المخيف، الذي ابتدعه صديقنا أعلاه، وجعلناه عنوانا لهذا المقال!

نحن على اطلاع أن هناك جهودا كبيرة تبذلها الجهات ذات العلاقة للسيطرة على مهنة التسول، ولكن يبدو ان كل ما بذل لم يستطع أن يلغي هذه الظاهرة أو حتى يقلصها، وللانصاف، ثمة جهد معتبر يقع على عاتق المواطن العادي، الذي يشجع نمو هذه الظاهرة، عبر مدها بسبل الحياة، حيث لا يتوانى كثيرون منا، ومنهم أنا أحيانا، عن إعطاء هؤلاء المتسولين بعض النقود، بدافع الشفقة أحيانا، وأحيانا بدافع آخر، وهو مساعدة المتسول على القناعة بما تجمع له من «غلة» ذلك اليوم والانصراف من «الدوام»!

ويحضرني هنا قصة وقعت معي، حيث شاهدت في ساعة متأخرة من إحدى ليالي عمان الباردة طفلا يبيع العلكة، وهو أسلوب تنكري للتسول، وقد اشفقت كثيرا على الطفل الصغير، فعرضت عليه شراء جميع ما لديه من العلكة، شريطة العودة إلى البيت، فوافق، وهكذا تم، وتركته لشأنه، وأنا كلي اعتقاد أنه سيعود إلى البيت، ومرت ساعة أو بعض ساعة، وعدت إلى المكان نفسه الذي كان فيه الطفل، فوجدته على الحال التي رايته فيها أول مرة، فقلت له، ألم نتفق أن تعود إلى البيت؟ فقال لي: لو عدت كما قلت لي، لضربني أبي، لأنه هو الذي يرسلني إلى هنا، وهو الذي يأتي لأخذي، وبصراحة ما جمعت المبلغ الذي اعتدت عليه، أو المطلوب مني جمعه!

هذا أحد جوانب قصص التسول في بلادنا، ولهذه القصص جوانب أخرى، فيها من الطرافة ما يبكي، إذ حدث أن طلبت متسولة من أحد «المثقفين!» حسنة لله، وكان هده التعب وجلس مستظلا في ظل حائط في قاع المدينة، فأقسم المثقف، (الذي يروي لي القصة) للمتسولة، أنه مقطوع من السجائر، وليس لديه ما يكفي من قروش للعودة إلى البيت عبر السرفيس، فأشفقت المتسولة على «المثقف» المتأبط جرائده وكتبه، وأخرجت علبة سجائر مستوردة، وبضع قروش، وتبرعت بها لمثقفنا، فاكتفى منها بسيجارة، وسامحها بالقروش، وعاد لبيته ماشيا!

وعودة لسيخ الكباب، لن أتمنى هنا بذل المزيد من الجهد لمحاربة ظاهرة التسول، فهي كما يبدو جزء لا يتجزأ من صورة كثير من مدننا العربية، ما لم يكن هناك قرار صارم باجتثاثها، لماذا مثلا لا نرى متسولين في كثير من دول الخليج العربية؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش