الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إلا أعطيتهم إياها

تم نشره في الخميس 5 كانون الثاني / يناير 2017. 03:23 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 5 كانون الثاني / يناير 2017. 10:23 مـساءً
د. عصر محمد النصر

لا زالت عجلة التاريخ تمضي إلى حيث شاء الله سبحانه لها أن تمضي, تقف على تعدد أحوال الناس, في الخير والشر, وفي الصعود والهبوط, وقد سجل لنا التاريخ ظهور دول وارتفاع شعوب, وفي المقابل سقوط دول وتفرق شعوب, ومن ذلك ما حدّث به التاريخ عن أمتنا حيث كانت يوما ملء سمع التاريخ وبصره حتى هبت عليها رياح التغيير, فأصبح جمعها تفرقا وقوتها ضعفا وأعمل بها سيف المغول عمل الأيام والليالي, فضعفت حضارتها وذهبت عناصر قوتها, ولم يسعفها توارد الدول عليها, كدولة الخلافة العثمانية حيث غلب البعد العسكري دون المنجز الحضاري, ولعل ذلك حفاظا على الوجود في واقع كثر فيه الخلاف وتعددت جهات العداء, وكيف ما كان من أمر, فقد مثلت الخلافة العثمانية وحدة جامعة للأمة, وفي المقابل مثل سقوط دولة الخلافة مرحلة جديدة كان من نتائجها بروز مكونات جديدة, كان للواقع بما فيه من محددات فكرية أثر كبير في تشكيل هويتها, فظهرت التيارات الإسلامية, والقومية, والوطنية, هذا وإن كانت هذه المكونات متزاحمة في الواقع إلا أن ظهور بعضها على حساب الآخر يجري وفق معطيات واقعية, مثال ذلك مثلت مناجزة الاستعمار سببا في تشكل محددات فكرية لدى التيارات الإسلامية والقومية في بداية القرن الماضي, وقد امتزجت بأفكار القوى الصاعدة في ذلك الوقت حيث مثلت الأفكار والمبادئ الشيوعية والاشتراكية جزءا من أفكار التيارات الموجودة في الساحة, ثم بدأت تلك المكونات تضعف لصالح المكون الوطني مع تبلور الدولة القطرية الحديثة, وفي ذات السياق مثل التصادم بين الإسلاميين والرئيس عبد الناصر بداية انزواء للمكون الإسلامي والذي كان من نتائجه دخول التيار الإسلامي في حالة من البعد عن مجريات الواقع وضعف العمل السياسي ما أورثها قدرا من المثالية في الـتأسيس للمشروع الإسلامي يأتي بيانه في موضع آخر, إلا أن تعدد المتغيرات وما اكتنفها من عوامل مع ظهور الدولة القطرية الحديثة أدخل تلك المكونات في نوع اختلاف اتخذ صورا وأنماطا متعددة, وقد مثل هذا الاختلاف عنصرا مهما في تزاحم المصالح في البلد الواحد وتعدد المشاريع في الساحة, ما لبث أن اتخذ بعدا معرفيا انعكس على طوائف من الناس, ولو تجاوزنا القراءة التاريخية للأحداث لنصل إلى نتائجها؛ فإننا نرى اليوم افتراقا لا يكاد يجتمع واختلافا لا يعقبه اتفاق, حتى أصبح المشروع مشاريع والمصلحة مصالح, وقد تقرر أن الاختلاف في ظل الأحداث التي تعيشها المنطقة عامة وبلدنا خاصة ذريعة للضعف, ما يستدعي إعادة تقييم العلاقة القائمة بين مكونات المجتمع وتقديم المصلحة الكبرى على غيرها والبعد عن المثالية في الطرح وتطلب المشاريع الخاصة, وعليه فإن اجتماع الكلمة في ظل الظرف الراهن مطلب مهم تحتف به دوافع كثيرة كبيرة.
يعد الاجتماع مطلبا شرعيا وعقليا واقعيا, يمثل الوقوف على المشتركات أساسا له, قال الله تعالى :” وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ “( الأنفال, الآية 46), فنهى الله سبحانه عن المنازعة التي تذهب باجتماع القلوب, وجعل ذلك سببا للتفرق وتشتت الكلمة وذهاب القوة والعزم, وأمر بالصبر الذي هو مفتاح الخير والرضا, وقد أسس لنا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة عظيمة قويمة من شأنها تمهيد العمل بالمشتركات وتعزيزها, من ذلك قوله :” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا”( البخاري), وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن القيم –رحمه الله- :” أَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ وَالْبُغَاةِ وَالظَّلَمَةِ إِذَا طَلَبُوا أَمْرًا يُعَظِّمُونَ فِيهِ حُرْمَةً مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، أُجِيبُوا إِلَيْهِ وَأُعْطُوهُ وَأُعِينُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ مَنَعُوا غَيْرَهُ فَيُعَاوَنُونَ عَلَى مَا فِيهِ تَعْظِيمُ حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا عَلَى كُفْرِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، وَيُمْنَعُونَ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، فَكُلُّ مَنِ الْتَمَسَ الْمُعَاوَنَةَ عَلَى مَحْبُوبٍ لِلَّهِ تَعَالَى مُرْضٍ لَهُ، أُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ، مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى إِعَانَتِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَحْبُوبِ مَبْغُوضٌ لِلَّهِ أَعْظَمُ مِنْهُ “, وهذا تقرير عظيم يعد ركيزة يتكئ عليها كل من أراد الخير لنفسه ومجتمعه, وفي المقابل هو سد منيع أمام كل متربص ومبغض, وقد اشتمل هذا التقرير على أمور مهمة كحفظ الحرمات وهو باب لكثير من المصالح كحفظ الدين والعرض والمال والنفس والعقل وغيرها من الضروريات, وباب ذلك كله هو تحصيل خير الخيرين ودفع شر الشرين, والوقوف على حقيقة الواقع ومتطلباته, وهذا هو الفقه الذي تحيى به الشعوب حيث يراعى فيه القدر والشرع, فيعتبر بالواقع الذي تعيشه الناس ويبحث في موارد الشرع عما يعين على حسن تدبيره بعيدا عن المثالية وطلب ما لا يستطاع.
وفي الختام؛ فإن الواقع الذي نعيشه اليوم يتعالى عن كثير من الخصوصيات, فقد بلغ من الصعوبة ما يجعل أعظم الأهداف هو حفظ الوجود والثبات في واقع كثير التغيير, وإدراك هذا القدر من حقيقة الواقع باب عظيم للاجتماع وحفظ المكتسبات وتفويت الفرصة على كل متربص.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش