الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مذكرات سياسية أم حكايات صيفية

عمر كلاب

الجمعة 4 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
عدد المقالات: 1583

فجأة اكتشفت شخصيات سياسية وعسكرية ان المكتبة العربية تخلو من كتابة المذكرات وفجأة انهمرت المذكرات على السوق وعلى المواقع الإلكترونية العربية , وكأن العرب عادت لهم الذاكرة من جديد بعد مرحلة زهايمر سياسي , والغريب ان معظم المُتذكرين ماتت اجيالهم ولا نقول انهم شباب قادتهم ارجلهم الى الغربة .
كتابة المذكرات ليست طقسا عربيا ولا يوجد في ذاكرة المكتبة العربية مثل هذه المؤلفات الا ما ندر , على افتراض ان كتب الرحلات او سيرة الرحّالة جزء من الذكريات , فالكثير من القادة العرب والسياسيين مضوا دون مذكرات , ومعظم القادة العرب رحلوا عن الدنيا إما بالبيولجيا أو بالاغتيال , ولا تحتفظ الذاكرة السياسية برئيس سابق واحد الى ما قبل الربيع العربي الذي انتج رئيسا مخلوعا او هاربا او اسيرا , ولمن سيقول عن سوار الذهب وتجربته نقول انه رئيس مؤقت قاد انقلابا وخرج ولكن يسجل له انه صادق الوعد بترك الرئاسة .
معظم المؤلفات العربية في هذا المضمار هي رواية لسيرة حياتية , لكن المذكرات بالمعنى الذي نراه في الغرب مفقودة , وحتى الجديد منها مشكوك في صحته للسبب السابق اي وفاة المشاركين او شهود العيان , فمثلا ما  زالت اسرار حرب اكتوبر التي نحن بصدد ذكراها الأربعين غائبة وتُروى كسيرة ابي زيد الهلالي دون تحليل مضمونها بوصفها حرب تحريكية للوصول الى كامب ديفد او بطولات خارقة كما ترويها كتب السيرة المتأخرة رغم انها لم تثمر عن تحرير شبر واحد من الاراضي المحتلة .
ثمة محاولة في هذا المجال تقارب العقل العربي الذي يميل الى المُشافهة  قادتها قناة الجزيرة عبر برنامج شاهد على العصر حيث يروي الشاهد تجربته ويحاكمها هو هو ويحكم عليها بنفسه , دون استماع لاقوال باقي الشهود اما للوفاة او لسبب لا نعلمه وتعلمه القناة , وربما كان البرنامج اكثر انتاجية لو تمت محاكمة الشهادة على العصر من مراقبين كانوا في تلك الفترة او من مؤرخين لتلك الفترة فثمة روايات تفتقر الى المعقولية يرويها الشهود دون محاكمة او تمحيص , مثل ما يرويه احد الشهود عن امساكه بكتف الاستاذ ميشيل عفلق وزجره بقسوة , ولو تم هذا الفعل لما كان الشاهد على قيد الحياة .
وهذا اخرج البرنامج عن سياقه بدل ان يكون شهادة على العصر الى سياق حديث الرواة وهو فن اتقنه العرب لاحقا , حيث يقوم الراوي بتأليف قصائد وينسبها الى شعراء مشهورين,  ووصل الامر الى حد وضع الاحاديث على لسان النبي -عليه افضل الصلوات- , بل ويتحول بعض الشهود على العصر والمُتذكرين الى حكائين اكثر منهم شهودا , فيرفعون هذا ويغفلون عن ذاك او ينسبون لأنفسهم ادوارا لم يلعبوها او تمنوا لعبها .
في العالم الغربي يكتب الساسة مذكراتهم عقب خروجهم من المنصب مباشرة , فيكون الزمان حاضرا بشخوصه وشهوده , اما الاسهال الذي اصاب بعض العسكر والساسة في دول الربيع العربي لإحياء المذكرات بعد رحيل كل الشهود فهو مؤشر سلبي اكثر منه مؤشر ايجابي , لأن من يكتب يأمن من الرواية البديلة او النقيضة فيكتب براحته , بحيث اصبحت المذكرات تزويرا للتاريخ بدل ان تكون محاكمة عادلة لمرحلة تاريخية .
لا ينقص الحالة العربية مزيدا من التشويه والاحاديث الموضوعة بقدر ما ينقصهم معرفة التاريخ بتفاصيله للوصول الى مستقبل اكثر امنا , وحاجتنا الى مذكرات محكمة بدل حاجتنا الى روايات يتناقلها الحكاؤون في ليالي السمر الصيفية .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش