الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مقاربة وملاحظات حول رواية “أصل وفصل” للروائية “سحر خليفه”

تم نشره في الجمعة 25 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 مـساءً

* عبدالله رضوان

كثيرة هي الروايات التي اتخذت من الثورة الفلسطينية عبر تاريخها موضوعا أو ثيمة مركزية لها، ولعل من التجارب الجميلة التي لا تنسى في هذا المجال روايتي المبدع الكبير “غسان كنفاني” وهما: ما تبقى لكم، وأم سعد، وكذلك وبنفس الانحياز الإيجابي الموضوعي تتقدم رواية المبدع الكبير” جبرا ابراهيم جبرا” والموسومة بعنوان “البحث عن وليد سعود”، وطبعا لا ننسى الروايات المتعددة التي قدّمها الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور والمتعلقة بالثورة الفلسطينية على تعدد ثيمها ومواقفها،وتجيء رواية “أصل وفصل” للروائية الفلسطينية “سحر خليفه” في موضوعها العام ضمن هذا التوجه مع اختلاف الوعي والموقف وزاوية الرؤية.

فإذا كان جوهر الخطاب في روايات كنفاني وجبرا وأبو شاور جاء منحازا للثورة الفلسطينية وتاريخها مع وجود انتقادات هنا وهناك وبخاصة في روايات أبو شاور،فإننا نتعامل هنا في “أصل وفصل” مع موقف مختلف ومع نظرة مغايرة وهو ما ستقوم هذه المقاربة بتوضيحه خلال السياق.
تقدم الرواية صورة بانورامية للوضع الفلسطيني في أواخر العهد العثماني مرورا بمرحلة الانتداب البريطاني حتى بدايات أحداث النكبة، وتتوزع أحداثها في ثلاث مدن رئيسية هي نابلس، حيفا، القدس، إضافة الى لقطات موجزة في أماكن فلسطينية أخرى مثل قرية “جريشه” وأحراش يعبد.
تتموضع أحداث الرواية في ثلثها الأول حول عائلة “قحطان” الحجازية التي اختار منها العثمانيون ابنهم “سعد” وعيّنوه جابيا لهم في مدينة نابلس ليصبح ممثلهم فيها،ولتعرف سلالة قحطان بالقسوة والقهر، بحيث أطلق الناس على سعد لقب “الشيخ قاحط”.
لكن عائلة قحطان ما لبثت أن استقرت في نابلس، وبنت لها قصرا على جبل جرزيم، الى أن جاء الزلزال الكبير الذي دمّر القصر وقتل من فيه سوى امرأة تزوجت من صاحب مطحنة وأخيها الغبي “رشيد” الذي هاجر الى الحجاز وتزوج من امرأة حجازية غنية أنجبت له ولدا وعددا من البنات، لتموت بعد ذلك، وتترك له ثروة ضخمة، فيعود وأولاده الى نابلس ويعاود الاتصال بأخته، ويعمل مع شريك يهودي هو “اسحق شالوم” في تجارة الحمضيات الدولية، وتهريب اليهود المستوطنين الى فلسطين.
يزوّج “رشيد” احدى بناته ل”وحيد” ابن أخته، ويزوج ابنة اخته لابنه المتمرد على كل شيء في زيجة أقرب الى نمط زواج البدل، ويأخذ “وحيد” للعمل عنده في حيفا،ليكتشف وحيد أن السفن التي تعمل لخاله وشريكه اليهودي تنقل الأسلحة سرا الى اليهود، مما يدفعه الى التمرد والالتحاق بشيخ الجليل “إشارة الى الشيخ عز الدين القسام” ثائرا مع عدد من الرجال الذين اقنعهم الشيخ بترك السرقة وقطع الطريق، هم وزعيمهم “الزيبق” فيوافقون ويلتحقون ثائرين مع الشيخ، ولقلة خبرتهم وعدم انضباطهم، وكذلك لعدم دراية وخبرة قائدهم الشيخ _كما تشير الرواية_، تتم محاصرتهم من الشرطة العرب وجيش الانتداب البريطاني، فيقتل الشيخ برصاص الشرطة العرب، كل ذلك في الوقت الذي تتعامل فيه العائلات الكبرى ذات القرار في مدينة القدس بعبثية ولا اهتمام لا بالثورة ولا بالانتداب ولا بالاستيطان اليهودي،فهم لاهون بمصالحهم، بل ان رئيس البلدية خريج أوكسفورد يحب الغرب وحضارته وطرائق عيشه، ويتعرف على فتاة يهودية فرنسية، فيترك زوجته المقدسية ويتزوج اليهودية، أما نساء القدس المتعلمات وبخاصة المربية “أم أحمد”، والمتحررة المسيحية “ليزا” فهن اللواتي يقدن النضال في القدس، ويواجهن الحاكم العسكري الذي يعجب بليزا ويهيم بها، وفي ليلة رأس السنة وخلال الاحتفال الكبير وبحضور الحاكم العسكري ورجالات القدس وبعض الضيوف من رجالات السلك الدبلوماسي وبحضور اليهودية المحسنة-كما تقدمها الرواية- “روزا ماير”، يهجم الثوار على المنطقة ويطلقون النار على الحاكم العسكري، لينتهي الجزء الأول كما تشير الرواية بالحاكم مصابا ومتألما ومعاتبا صديقته ليزا.
هذا هو المسار الحكائي العام للرواية، عبر محاولة فنية لتأريخ جزء مهم وحساس من مفاصل التاريخ الفلسطيني وبخاصة في فترة ثورة الشيخ القسام والإضراب الفلسطيني الكبير الذي اعتبر أطول إضراب شعبي في التاريخ.
وقد لجأت الروائية خلال المتن الروائي الى وضع إحالات مرجعية لعدد من الكتب ،ومعظمها من المكتبة الغربية –الإنجليزية بخاصة-مع إحالات لكتب عربية ، مع تأكيد بعض المقولات بمقاطع شعرية من الشاعر الفلسطيني الكبير إبراهيم طوقان ،وبخاصة تلك الأبيات التي ينتقد فيها أداء الزعماء الفلسطينيين منهم بخاصة.

استراتيجية السرد:

اعتمدت الروائية أسلوب الراوي العليم في معظم أجزاء الرواية عبر ضمير الغائب الذي يساعد على توالي السرد لتقديم الحدث/الأحداث المتتالية ، باستثناء صفحات قليلة برز فيها استخدام استراتيجية وجهات النظر ،حيث تحدثت ابنة وداد الصغيرة عن ذاتها وعلاقتها مع أمها وما حدث معها ،لكن ذلك لم يشغل سوى صفحات قليلة ،علما بأنها جاءت هي الأرقى والأكثر تميزا لغة وبنية معا في مجمل الرواية ،لكن الروائية لم تعر هذه الاستراتيجية أهمية ،بل وربما لم تنتبه الى دورها في خلق التنوع وفتح آفاق الشخصيات ومواقفها ،لذا تجاوزتها بسرعة وعادت الى الأسلوب التقليدي عبر استخدام استراتيجية الراوي العليم في معظم أجزاء الرواية.
أما على المستوى البنائي العام فقد استخدمت الروائية أسلوب الفصول المتعددة ، فبعد أن أسمت هذا الجزء باسم”أصل”، قامت بتقديمه عبر سبعة عشر فصلا، لكل فصل منها عنوانه الفرعي الخاص، وهو اسم دال على ما سيتم تقديمه فيه، فالأسماء في الرواية ابتداء من العنوان الكبير مرورا بالعنوان الجزئي ثم عنوانات الفصول هي أسماء دالة باعتبارها عتبات واضحة الدلالة والإيحاء لما سيتم تقديمه فيها.
كما قامت المؤلفة داخل الفصول ذات الامتداد الكبير بتقديمها على شكل أجزاء متجاورة دون عناوين، عبر الانتقال من مكان لآخر، ومن زمان لآخر، ومن شخصية لأخرى داخل نفس الفصل.
نحن إذن أمام بنية سردية بسيطة ومباشرة تعتمد تقديم الحدث/ الشخصيات بشكل مباشر وواضح وبلغة سردية واصفة ومباشرة تحمل هم تقديم الحدث بعيدا عن شعرنة اللغة، وهي بهذا تحقق الشرط الروائي المطلوب.
بين التاريخ الموضوعي ووجهات النظر
توظيف التاريخ فنيا:

حرية المبدع في الاختيار ،أقصد اختيار موضوعاته وتحويلها الى ثيمات فنية،هو حق لا يناقشه أحد ،فحريته في هذا المجال مفتوحة على مداها،إلا في معالجة القضايا التاريخية ، صحيح  ان من حقه اختيار موضوعه التاريخي ،لكن ليس من حق المبدع التلاعب بهذه اللحظة التاريخية التي اختار بحريته أن يعالجها فنيا ، بالطبع الاجتهاد والإضافة واستخدام الخيال وتوظيف الفانتازيا والغرائبية وتعدد البنى الفنية و”شعرنة” اللغة ،كل هذا مقبول ومبرر شريطة عدم تغيير الأحداث التاريخية، صحيح ان بعض الأحداث قد تحتاج الى تضخيم وإبراز على حساب أحداث ومواقف أخرى،لكن على ان لا يؤثر ذلك على مجمل الموقف التاريخي.ولا على مصداقيتة الموضوعية.
ضمن هذه الرؤية الواسعة والشمولية يمكن للمبدع معالجة التاريخ والتعبير عنه جماليا/ فنيا، وضمن الشكل الفني الذي يختاره.
وهنا نتساءل: هل كانت الروائية سحر خليفه” في روايتها هذه “أصل وفصل” أمينة على الفترة التاريخية، وعلى الأحداث التي اختارت أن تقدمها روائيا؟
يستوقفنا في هذا المجال عدد من القضايا التي تمس تاريخ فلسطين بعامة، وتاريخ النضال الفلسطيني بخاصة، وذلك خلال الفترة التاريخية التي تحاول الروائية تغطيتها في روايتها، وهي  الفترة التي تمتد من مطلع القرن العشرين حتى مطلع أربعينيات نفس القرن، وذلك وفق الآتي:
*تغييب العائلات النابلسية التقليدية المعروفة عن مجمل الأحداث داخل الرواية، والاستعاضة عنهم بعائلة واحدة تعود أصولها الى الشيخ “قحطان” الذي استحضره العثمانيون من الحجاز ليكون جابيا وحاكما تنفيذيا لهم في نابلس، تتزوج ابنة الشيخ “طحانا” نابلسيا، يموت شابا تاركا لها ثلاثة أولاد وابنة وحيدة، ولتظل هذه الأسرة، الأم وأبناؤها، وأخوها وابنه وبناته، محورا لمجمل الحدث الروائي، مع استبعاد أهل نابلس وعائلاتها عن جوهر الحدث، وبقائهم متفرجين على أحسن الأحوال، والسؤال الذي لا أجد له جوابا هو: لماذا؟
*تشويه متكرر للعائلات المقدسية ورموزها خلال فترة الانتداب، وذلك عبر التأكيد بأنهم مجرد أصحاب مصالح، يتعاملون سرا مع المندوب السامي حسب مصالحهم، ولا يبالون بالثورة، وذلك  دون استثناء، اللهم الفتاة المسيحية “ليزا” ذات الفكر الماركسي، والسيدة التربوية “أم أحمد” التي تقود و”ليزا “مسيرة ضد الانتداب ورغما عن أعيان ورجالات المدينة.
بل ان رئيس بلدية القدس خلال تلك الفترة، وهو خريج “أكسفورد” كما تقول الرواية، لا يحب أبناء بلدته، وهومتعلق ومخلص للحياة الأوروبية، لا يلبث أن يحب يهودية فرنسية، فيطلّق زوجته المقدسية ويتزوج اليهودية، هذا هو سلوك وموقف رئيس بلدية القدس كما تصوّره الرواية، أما لماذا ذلك كله؟ فلا جواب.
*تشويه لصورة الفلسطيني في علاقته مع اليهود، وكأنهما ليسا في حالة حرب ومقاومة استيطان، فالسيد رشيد، ينشيء شركة استيراد وتصدير عبر البحار مع شريك يهودي “اسحق شالوم” ويقومان معا وعبر سفنهما بتهريب السلاح والمستوطنين الى فلسطين، وتعمل الروائية جاهدة في روايتها على إعلاء هذا النموذج وتركيز الأضواء عليه، وإعطائه وأسرته وعلاقاته داخل الرواية المساحة الأكثر امتدادا كما وكيفا، ليكون أنموذجا للفلسطيني التاجر في الثلث الأول من القرن العشرين، أما لماذا هذا التشويه، فلا جواب.
كما أن الشخصيات النسوية الفلسطينية -باستثناء التربوية أم أحمد، وليزا، وعليا صديقة وداد في المدرسة –هي شخصيات سلبية متخلفة، رجعية في مواقفها الاجتماعية ومحافظة الى درجة الانغلاق الكامل، بل إن زوجة “وحيد” تخلع اسوارتها الذهبية وتهديها لليهودية تقربا وتحببا اليها. بينما الشخصيات النسوية اليهودية حديثة ومتعلمة  ومرتبة ومدربة على العمل والقتال، إنها شخصيات إيجابية محببة، صحيح ان أية شخصية تظل محكومة في الغالب بتاريخ الفترة التي تعيشها، وتظل أسيرة وعيها وثقافتها وتعلّمها بالتالي بيئتها الخاصة والعامة، لكن هذا التمييز الإيجابي، وهذا الإعلاء المبالغ فيه للشخصيات النسوية اليهودية هو موقف غير مبرر لا فنيا ولا عقديا ولا حتى وقائعيا، وهنا يبرز السؤال ضاجا: لماذا؟
-إلغاء شبه كامل للفلاح الفلسطيني، وكأن فلسطين مجتمع مديني فقط، لقد نسيت الروائية، ابنة مدينة نابلس، أن عدد سكان الريف في فلسطين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين كانوا يشكّلون ما يزيد عن  70 في المئة من مجمل عدد السكان ، ومع ذلك فهم  شبه مغيّبين عن المشهد الفلسطيني في الرواية، إلا عبر إطلالات نادرة هنا وهناك ، والسؤال هو لماذا هذا التغييب المقصود للفلاح الفلسطيني  الذي كان عماد وعصب الثورات الفلسطينية منذ انسحاب الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.
إعلاء مفتعل وغير مبرر لليهودي الطيّب
*وذلك وفق الآتي:
-التركيز على صورة اليهودي الطيب “اليهودي العراقي المليونير” خضوري “الذي تبرع بإقامة معهد زراعي لليهود وللفلسطينيين معا، وعندما رقضت الوكالة اليهودية ذلك، تم إنشاء معهدين زراعيين، واحد للفلسطينيين في طولكرم، وآخر لليهود في مستعمرة “كفار طابور”.
-اليهودية المليونيرة الطيبة ابنة رجل السينما المعروف “ماير”، إذ تتقدم ابنته “روزا” وهي اليسارية تفكيرا والمتحررة سلوكا، تتقدم برغبتها في إنشاء كلية للتمريض لليهود وللفلسطينيين معا، وتحضر الى فلسطين لهذه الغاية، ولكن الوكالة اليهودية تماطل، بل وترفض الموافقة على ذلك.
-اليهودي الطيب المتعاطف مع الفلاحين الفلسطينيين وهو”السيد كالفارسكي”، الذي يعمل في “رابطة المستعمرات اليهودية” والذي يتولى بنفسه شراء أرض فلسطين وتسجيلها باسم اليهود ،ومع ذلك فهو “يا حرام” يعطف على الفلاح الفلسطيني المسكين؟
وهنا لا يستوقفنا إبراز الوجه اليهودي الطيب فقط، بل هذه المساحة الكبيرة التي تأخذها هذه  الشخصيات والأحداث التابعة لها وكأنها أساس التاريخ الفلسطيني في تلك الفترة على حساب الشخصيات والأحداث الفلسطينية، مع إعلاء  لهؤلاء الأشخاص “الطيبين” جدا؟؟؟ أما لماذا كل هذا؟ فلا إجابات.
-الصورة الحضارية الإنسانية المحترمة والمتميزة والمتمثلة بصورة الرجل “الجنتلمان” التي تقدمها الرواية للمندوب السامي البريطاني، فهو شخص حضاري، يحافظ على بعده الإنساني العالي باعتباره ابن المؤسسة البريطانية، وهو متعاطف مع العرب، ويعمل سرا ضد اليهود، وهو يحب جلسات العرب واحتفالاتهم، وأماكن شرب الخمره في الجلسات الخاصة المقدسية، وهو يحب ويحاول صداقة الفتاة المقدسية المتحررة “ليزا”، وهو يقف مع مساعي اليهود “الطيبين”.
هذه هي الصورة التي تقدّمها رواية “أصل وفصل” للمندوب السامي البريطاني، وبالطبع هذه هي الصورة النقيضة تماما لهذا المندوب وقائعيا، وكأن الروائية “ابنة نابلس” قد نسيت أوامره بنسف بيت “آل عرفات النابلسي” لأن جنوده وجدوا فيه عددا من الطلقات “الفشك”،كما كان جنوده وبأمر منه يجمعون الرجال من أهل القرى الفلسطينية، ويختاروا رجلا أو اثنين من بينهم ويعدمونهم في القرية نفسها، لأنهم وجدوا عددا من طلقات البنادق الفارغة في أراضي القرية المجاورة...هذا هوالمندوب السامي البريطاني “الطيّب” الذي تقدمه الروائية، ويظل السؤال: لماذا ذلك؟.
-تقديم المستوطنات اليهودية التي أقيمت على أراضي فلسطين بصورة إيجابية ممثلة بالترتيب المتميز، والنظافة غير المسبوقة، والتنظيم غير المسبوق، والعمل الجاد،فالأطفال اليهود في مدرسة الكيبوتس كأنهم أطفال الجنة، والكيبوتس مرتب ومتكامل، فقط هناك خلل في مسألة واحدة هي عمر أشجار الزيتون في الكيبوتس؟ فلصالح من يتم هذا الإعلاء المقصود  للمستوطنات في رواية يفترض أن تؤرّخ/ توثّق للتاريخ الفلسطيني؟ مرة أخرى نتساءل: لماذا ولمصلحة من؟
- تشويه واضح لأهم ثورتين أو لأهم حدثين فلسطينيين كبيرين في التاريخ الفلسطيني في الفترة التي تعمل الروائية/ الرواية على توثيقها ،والثورتان هما:
*ثورة الشيخ عزالدين القسام :-وقبل الإشارة الى ما صنعته الروائية بهذا الرمز النضالي العربي الشامي، أحب أن أنقل ما ورد عنه من مصدر محايد، من الموسوعة العربية العالمية، والتي ورد فيها الآتي:
“1300-----1354 ه / 1882 ------1935 م  محمد عزالدين عبدالقادر القسام، مجاهد عربي سوري، ولد في أسرة كريمة بجبلة بمحافظة اللاذقية، نشأ في بيئة اسلامية عربية، وحصل على تعليمه العالي في الأزهر، واشتغل في بلده في التعليم والوعظ، الى أن احتل الفرنسيون ساحل سوريا في ختام الحرب العالمية الأولى سنة 1918 م، ساهم بدور بارز في ثورة جبل صهيون ضد الاحتلال الفرنسي، وطارده الفرنسيون فقصد دمشق إبّان الحكم الفيصلي، ثم  غادرها بعد استيلاء الفرنسيين عليها وإصدارهم حكما عليه بالإعدام سنة 1920م، فأقام في حيفا وتولّى فيها إمامة جامع الاستقلال وخطابته ورئاسة جمعية الشبان المسلمين.
بدأ منذ عام 1922 يفكر بالثورة وأخذ يعدّ العدة لها بتدريب المجاهدين وتقسيمهم الى وحدات عسكرية منظّمة، واستمر على ذلك عشر سنوات من 1925 الى 1935 حيث أعلن الثورة العامة، وغادر معه أكثر من خمسة وعشرين من إخوانه مدينة حيفا الى قرى قضاء جنين لدعوة الشعب على نطاق واسع للمشاركة في الثورة، وانطلقت الرصاصة الأولى في 14/11/1935 في اشتباك قرب البروة أسفر عن استشهاد الشيخ البطل محمد الحلموني، واستمرت الدعوة العلنية للجهاد حتى 19/11/1935 حيث جرت معركة في أحراش يعبد، قضاء جنين، استشهد فيها القسام رحمه الله”
هذه هي الرواية الدقيقة لثورة القسام التي امتازت بالتنظيم  والدقة ومحاولة الارتباط بالريف باعتباره أساس الثورة ووقودها ،بل تكاد تكون ثورة القسام أكثر الثورات في فلسطين تخطيطا ووعيا وتأسيسا للكفاح المسلح، لكن المؤلفة/ الروائية حين عالجت ثورة “شيخ الجليل” كما أسمته في الرواية، اختصرت هذه الثورة حد الإلغاء الكمي –في عدد الكلمات المستخدمة في الرواية حول القسام وثورته-، والالغاء النوعي بحيث جاء القسام بصورة الشيخ البسيط الى درجة “الهبل”، والذي يثق بكل من يأتيه، بل ويعطي القيادة العسكرية ل “وحيد” ليكون خلفا له، وذلك في أول زيارة ل”وحيد” لشيخ الجليل، أما رفاق الشيخ من المناضلين فقد صوّرتهم الروائية باعتبارهم لصوصا وقطّاع طرق، فهم جماعة “الزيبق” الذين انضمّوا لثورة الشيخ تباهيا وادعاء وليس قناعة ووطنية، بل ان الروائية ظلت حريصة على التأكيد ولأكثر من مرة ان الشيخ القسام قد استشهد برصاص البوليس العربي وليس برصاص جنود الانتداب، بمعنى انها تصر على تبرئة الانجليز من دم القسام.
ومرة أخرى ينهض السؤال جارحا وقاسيا: لماذا هذا التشويه والتزوير للنضال الفلسطيني ولأحد رموزه المتميزين؟ ولا إجابة؟
*الإضراب الفلسطيني الكبير في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين والذي استمر ستة أشهر وكاد أن يقضي على الانتداب البريطاني بمجمله لولا طلب بريطانيا من أصدقائها من الزعماء العرب حينئذ سرعة التدخل لوقف الإضراب، هذا الاضراب- الذي يعد أطول إضراب في التاريخ، وبمشاركة مجمل قطاعات وطبقات المجتمع الفلسطيني في ذلك الوقت - تشير اليه الروائية إشارات مبتسرة قليلة كما ومتواضعة كيفا لتؤكد انه إضراب فاشل تسبب في تجويع الشعب الفلسطيني.
مرة أخرى ينهض السؤال جارحا ومباشرا: لماذا هذا التهميش وهذا التشويه للنضال الفلسطيني؟ ولمصلحة من؟؟
هذه هي الصورة الاجمالية لما قدمته “سحر خليفة” في روايتها “أصل وفصل” من تقزيم وتهميش وتشويه لنقاط  ولرموز ثورية فلسطينية، يقابلها إعلاء لليهودي الطيب،وللإنجليزي “الجنتلمان”، والسؤال هنا ما العمل؟ ألا يجب أن تسحب هذه الرواية من السوق على الأقل؟ لكن من يقوم بذلك؟ ومن يمتلك السلطة لفعل ذلك؟؟؟؟؟؟؟؟؟

اسم الرواية: أصل وفصل
المؤلف: سحر خليفه
الناشر: دار الآداب/2009م
عدد الصفحات: 456 من القطع الوسط

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش