الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الحيلولة دون اختطاف الدين

د. رحيل محمد غرايبة

الخميس 11 آب / أغسطس 2016.
عدد المقالات: 524



من أهم واجبات المسلمين في هذه المرحلة التاريخية الحرجة من عمر الأمة، تلك المهمة التي تخص الأمة كلها بكل مكوناتها وشرائحها في كل أقطارها، وتخص العلماء والمفكرين وأجيال الشباب على وجه الخصوص، ويتمثل بالعمل الجمعي الهادف المنظم إلى استرجاع الدين من مجموعات قليلة تحاول احتكار تمثيل الدين واحتكار النطق باسم الدين، والعمل على فرض مفهومها الناقص والمنحرف لمضامين الدين وأهدافه وغاياته ومقاصده، بطريقة لا تخلو من الجهل ونقصان العلم وانحراف الفهم من جهة، ولا تخلو من استغلال دوائر الاستخبارات العالمية وأجهزة التخطيط الماكرة لدى بعض الدول الاستعمارية لهذه الظاهرة، ومحاولة الاستثمار بها بطريقة بشعة وفي غاية التوجيه الماكر الخبيث.

المهمة الكبرى والأولى في هذا السياق تتعلق بالأمة العربية والإسلامية بشكل ذاتي عميق، قبل عمليات البحث والتنقيب عن التدخلات الخارجية والمؤامرات العدائية، لأنهم يتحملون المسؤولية العظمى في ذلك، عن طريق تحصين الأجيال بالفهم الصحيح، والتنشئة السليمة على منظومة القيم النبيلة التي تحظى بالتوافق والاجماع لدى كل طوائف الأمة ومذاهبها بعيداً عن إثارة مكامن الخلاف والنزاع في الظنيات الكثيرة، والفروع والتفصيلات التي تحتمل الاختلاف الحتمي والمؤكد، وهذا يحتاج إلى جهد مشترك من جميع الزعماء والرؤساء، وأهل المسؤولية في كل مستوياتها وعلى جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والعلمية، عبر المؤسسات الدينية والتعليمية والتربوية بطريقة لا تحتمل التأخير أو التسويف، بعد أن وصلت تطورات هذه القضية إلى مستويات خطرة تجاوزت كل التوقعات.

مسألة تحصين الدين من الاختطاف تعود إلى جملة مسارات وليست منحصرةً في مسار التطرف والعنف المشهور فقط، وإنما هناك مسارات أخرى لا تقل خطورة عن هذا المسار، وربما تؤدي إليه وتتقاطع معه في المآلات، ومن أهمها:

- ينبغي الحذر من توظيف الدين في الحصول على مكاسب حزبية وفئوية في المجال السياسي أولاً وفي بقية المجالات الأخرى، وهنا يجب التنبيه إلى أن هذا التحذير لا يعني فصل الدين عن السياسة بالمعنى الذي يقوله العلمانيون أو أصحاب المواقف العدائية من الدين على الجملة، فهذا ليس موضوع المقال وإنما ما أود توضيحه على وجه الدقة هو إبعاد الدين عن التوظيف السياسي وتحصيل المكاسب الحزبية، وضرورة الاتفاق على أن الدين مصدر لمنظومة القيم العليا التي تنظم الحياة كلها بكل مجالاتها منها المجال السياسي، ولمزيد من التوضيح لهذه الجزئية لا بد من مثال واقعي، فمقاطعة الانتخابات أمر سياسي محض، والمشاركة في الانتخابات أمر سياسي أيضاً، فلا يجوز توظيف الدين للحض على المقاطعة، كما لا يجوز توظيف الدين للحض على المشاركة، وهذا يؤدي إلى القول لا يجوز توظيف الدين لتحصيل مكاسب سياسية لحزب سياسي محدد، أو توظيف الدين لمحاربة رأي سياسي مخالف، مما يؤدي إلى نتيجة صحيحة مفادها أن الأحزاب السياسية يجب أن تبتعد عن توظيف الدين بشكل مطلق، لأن هذا التوظيف سوف يكون مدخلاً لمشروعية توظيف الدين لنشر مفاهيم التطرف والعنف والآراء الشاذة.

- كما ينبغي الحذر من توظيف الدين بالدرجة نفسها من قبل الأنظمة الرسمية كذلك، لتبرير الديكتاتورية والقمع والاستفراد بالسلطة، لأن ذلك يشكل خطراً على الدين لا يقل عن ذلك الخطر الناشىء عن توظيف الأحزاب والمجموعات التي تسمي نفسها مجموعات دينية أو أحزاب دينية كذلك، ولذلك يمكن التوصل إلى مفهوم ينبغي أن يكون محلاً للتوافق، وهو ضرورة فصل الدين عن السلطة، وليس عن السياسة، بمعنى أن لا يتم المزج بين السلطة والدين، ولا يتم توظيف الدين للوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها، ولا يجوز أن يكون الدين سلاحاً يتم استخدامه في الاحتفالات الحزبية والسياسية، ولكن في الوقت نفسه لا سبيل لنفي الخضوع للقيم النبيلة والسامية في علوم السياسية، فإن العدل والمساواة، والحرية والكرامة الآدمية التي تعد جزءاً من تعاليم الدين، وهي من جملة القيم التي تتشارك فيها كل الأديان والفلسفات الإنسانية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش