الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سِنُّ اليَأْسِ

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2016. 08:00 صباحاً

أرقني تعريف «سِنُّ اليأسِ» عندما كنتُ طفلاً وزادني حيرةً عندما أصبحتُ يافعاً، حيثُ كانت العبارةُ ملازمةً للمرأةِ، في حين كان الرجالُ أكثر يأساً. ومع الوقت علمت أن سنَّ اليأسِ عند المرأة يبدأ في منتصف عمرها، كونها قد فقدت دورتها الشهرية ولن تستطعَ الحملَ والولادة. لكنني لم أتقبلَ هذا التعريف المُجحف، إذ لماذا تريدُ المرأةُ أن تحمل في سن الخمسين؟ بل لماذا اليأس من الحياة إذا انقطعت الدورة الشهرية؟

هل لدورة الحياةِ صلةٌ بالدورةِ الشهرية؟

لكن الحقيقة التي صدمتني أكثر، هي عدم تطرُّق اللغة العربية إلى سنِّ اليأسِ عند الرجل. ففي الواقع كثير من الرجال يئسوا من وجودهم، وهم في مقتبلِ العمرِ ولم يوصموا بدمغة اليأس التي يرفض الرجل الاعتراف بها. وربما يعود ذلك إلى حقبة تجلي الذكورية التي بدأت بتضخم عضلات العربان وضمور ما في جماجمهم، مما حدا بهم إلى تغييب المرأة عن حقيقة وجودها كندٍ للرجل تارة بالقهر وتارة بالاستعباد المبرمج، الذي اتخذها سلعة يقايضها كما يقايض البعير. وأصر المجتمع بطاقاته الذكورية والاجتماعية والدينية على حد سواء على أن وظيفة المرأة في الحياة ما هي إلا آلة للإنجاب، وخدمة الذكر المقَّدس، كما جاء في قاموس العربان. فبَارَكوا الذكرَ وتجهمتْ وجوه بُشِّرت بالأنثى.

وُعدت الأنثى باليأس فتشبع به كيانها حتى أضحى جيناً تتوارثه الأجيال، فنضحت به درتها شرابأً يرضعه مولودها حتى الإدمان. رضع الوليد حليباً مشبعاً بالهوان، فشبَّ يائساً في أمة تعشق اليأس حتى بنت له صرحاً من أساطير تلعن الفرح وتنبذ الأمل. يئس الرضيع من ملاقاة طفولته في عصر القتل والتشرد، ويئس الرجل من إثبات رجولته بعيداً عن فحولته. ويوم أدركت المرأة انقطاع الحيض بشَّرها الأقربون بنهاية وجودها ككيان فعَّال، فجلست على باب دارها تنتظر عزرائيل كما ينتظره الرجال المتقاعدون، الذين طردهم المجتمع من دورة الحياة، ووصمهم بعالة على المجتمع فصدقوه وجلسوا خانعين. أقنعوا أنفسهم، رجالاً ونساءَ، كذباً وبهتاناً بأنهم قد أنهوا مهمتهم على أتم وجه، فانتظروا الموت لدخول الجنة بالاستغفار عن عمر بائس لم يحققوا فيه شيئاً غير استهلاك موارد الأرض، وتلويث ما حولهم من إله لا يعرفون عنه سوى منحه الحور العين في جنة تنعم بالكسل أو شواء في نار لا تشبع، ناسين بأن الكون قائمٌ على الحركة الدائمة، وأن الجنة تنعم بروحانية عرش عظيم ينعم بالعطاء والرحمة الأزليين في كون لا يتوقف عن الحركة. عطاء وحركة غائبين عن قاموس هذه الأمة، تعابير استبدلها الواقع بيأس جماعي لا يقتصر على المرأة التي فازت وحدها باللقب المزري في عصر ذكوري، تجلى في تضخم العضلات وضمور ما في الجمجمة.

أمة رفضت العلم والعمل بعد عصر من الإبداع أكله النسيان. وقف أحد علمائها خطيباً في يوم جمعة وقال «الحمد لله الذي سخر لنا الكفار ليصنعوا لنا ما نريد حتى نتفرغ للعبادة». لم يتفرغ أحد للعبادة ولم تمتد يد للعمل والعطاء الفكري والإنساني فسقط العطاء في هوة اليأس واندحر من آمن بالعلم والعمل القهقرى إلى بلاد الفرنجة «الكافرة» يقدِّمون عطاءً رفضته بلدانهم بأمر من إله الأمة المصطنع الذي يكره المعرفة كونها تزلزل عرشه.

وباء اليأس أصاب الأمة من شيخها إلى رضيعها، يأس طغى على رجالها ونسائها، لا يرتبط بعمرٍ أو جنس، إنه يأسٌ جامح يقض مضاجع الأمة. إنه زمن اليأس الذي حاكه حكامنا بإطفاء شموع الأمل كلما ضاء منها فتيل. أجاد الحاكم في جعل دارته محجة للمواطنين يتسوَّلون منها لقمة عيش من رزقهم المنهوب باسم الله تارةً وتحت وطأة التهديد بالمذلة تارة أخرى حتى أصبح اليأس من الواقع المرير شيئاً مقدساً لا يقربه إلا كافر بنعمة السيد اللص الذي أصبح نبع الوباء المقدس.

سنُّ اليأسِ الذي وصلت إليه هذه الأمة جعلها تنتظر «عزرائيل» الأمم الأخرى، فتتوسل لقمة البقاء بهبات الاستعباد والتساهل بسيادتها، فسُرقت أراض ونُهبت مياه وبيع شبابنا باسم التهجير حتى خلت أمة العرب من شباب يبني وحكيم ينصح وطفل يرضع العزة والكرامة.

لكن، كيف سيرضع الطفل حليب الحرية من أم مُستعبَدة، وصلت سنّ اليأسِ من الحياة، قبل سنِّ اليأسِ من الضنى؟ بل كيف سينام الطفل في حضن أم أذلَّها رجل يائس في وطن بائس يئس منه أبناؤه فهاجروا يتسوَّلون وطناً لا يطفئ شموع الأمل.

ويحَ أمةٍ تفخرُ بتراث سنِّ اليأسِ وتجعله من صميم اللغة، ولا تفخر بمن كنَّ رائدات لم يعرفن سنَّ اليأسِ، فبنين مجداً. إن الأمة التي تيأس من زراعة طعامها، وحياكة ملابسها وصناعة أسلحتها تحت ألف ذريعة من كتاب «حكمة اليأس» لا بد أن تكون أمةٌ واهية مُقبلة على موت قريب لا ينقذها منه إلا العلم النابع من عصر تحياه وعمل دؤوب لا يعرف مداراة وفساداً.

يوم يصبح سن اليأس عاراً تخشاه الأمة برجالها ونسائها، نستطيع أن نبارك لولادة وطن لا يتوقف عن العطاء كما كان ذات يوم بعيد.



* روائي وقاص وشاعر من لبنان



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش