الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«صدام الحضارات» في ذكراها العشرين (3)

تم نشره في الثلاثاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 مـساءً

فخري صالح

تبدو ملاحظات كيشور محبواني، التي يوردها في نقده لنظرية هنتنغتون حول صراع الحضارات، موجّهةً إلى جذر الرؤية الغربيّة، الفلسفيّة والثقافيّة والأيديولوجية والحضاريّة، كما على صعيد القوّة والعلاقات الجيوـ استراتيجيّة، لموضع الغرب من العالم، أكثر من كونها مجرّد تعليق جانبيّ على مقالة هنتنغتون الشهيرة. على الغرب أن يعيد قراءة رؤيته لنفسه وللعالم، وأن يتبيّن مواطن الخلل في ممارسته، لكي يعرف أن الحضارة الغربية هي جزءٌ من فسيفساء الحضارات العالميّة وليست الحضارة المنتصرة، التي انتهى بها وإليها التاريخ (!)، ومن ثمّ ينبغي أن تفرض على الآخرين سيطرتها وقيمها ومعاييرها ورؤيتها للعالم.  ومن الواضح أن هنتنغتون، مثله مثل فرانسيس فوكوياما (صاحب نظرية نهاية التاريخ)، فشل في تقديم نموذج تفسيري لعلاقة الغرب ببقيّة العالم، وكذلك طبيعة الصراعات التي ستنشب بين البشر في القرن الحادي والعشرين.    
في سياق متصّل تنتقد جيم كيركباتريك تقسيم هنتنغتون الغامض، وغير المقنع، للحضارات في العالم. إن قائمة الحضارات التي يسردها هنتنغنتون (الغربية، والكونفوشيوسيّة، واليابانيّة، والإسلاميّة، والهنديّة، والأميركيّة اللاتينيّة، والسلافية الأرثوذكسيّة، والإفريقية) تفتقر إلى الدقّة.  فما يعدّه هنتنغتون غير غربيّ، مثل الحضارتين السلافيّة والأميريكة اللاتينية، هو جزءٌ من الحضارة الغربيّة. إننّا لا نعرف الأسس التي صنّف على أساسها هنتنغتون قائمة حضاراته، وما هي العناصر التي يعتقد المفكّر الأمريكيّ أنها تمكننا من وضع الحدود الفاصلة بين الحضارات: هل هي اللغة، أم التاريخ، أم الدين، أم العادات، أم المؤسسات، أم المشاعر العامّة التي تمكّن الناس من تعريف أنفسهم؟ بغضّ النظر عن العناصر التي تمكننا من تعيين حدود الحضارات، فإن الحضارات التي يصطنعها هنتنغتون تتشارك فيما بينها في أكثر من عنصر من هذه العناصر.
من النقاط الهامّة التي تثيرها كيركباتريك أيضاً: أن التاريخ يخبرنا أن أعتى الصراعات التي اندلعت في التاريخ كانت داخل حدود الحضارات نفسها، وليس فيما بينها. والحربان العالميتان الأولى والثانية مثالان بارزان على ذلك. فهدف الأصوليّة الإسلاميّة هو شنّ الحرب على حكومات الدول الإسلاميّة لا تدمير الحضارة الغربيّة.
إن جملة هنتنغتون، التي بنى عليها نظريته الكاملة في صدام الحضارات، أي قوله إن «الصراع في المستقبل سيكون بين الغرب وبقيّة العالم» The conflicts in the future will be between «the West and the rest» ، تثير الكثير من الجدل والنقاش والآراء المستنكرة. كما أن نموذجه، الذي يدّعي أن الصراع في القرن الحادي والعشرين، سيكون حول القيم الأساسيّة للشعوب والحضارات، لا على الموارد والمصالح السياسيّة والاقتصاديّة، وفرض الهيمنة، يثير الكثر من الاستغراب. لكن هنتنغتون، في ردّه على الانتقادات التي حاولت تفنيد نموذجه لتفسير العلاقات الدولية خلال القرن الحادي والعشرين، يرى في المقابل أن أيّ رد من الردود لم يقدّم نموذجا بديلاً، أو مقنعاً، قادراً على تفسير طبيعة الصراعات الدوليّة التي بدأت تظهر في أماكن عديدة في العالم. وهو يقول إن جاك ديلور رئيس الجماعة الأوربية، في التسعينيات، يرى أن «صراعات المستقبل سوف تتسبب في إشعالها عناصر ثقافية لا الاقتصاد أو الأيديولوجية. إن على الغرب أن يطوّر فهماً أكثر عمقاً للافتراضات الدينية والفلسفية التي تقيم في أساس الحضارات الأخرى، وللكيفيّة التي ترى بها الشعوب الأخرى مصالحها. ويضيف قائلا: «إن التاريخ لم يصل إلى نهايته. والحضارات توحّد البشر، كما أنها تقسّمهم. ويمكن لنا احتواء الصراعات بين الحضارات فقط عندما نعترف بوجود تلك الحضارات».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش