الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من معتكفي !

حلمي الأسمر

الجمعة 6 كانون الأول / ديسمبر 2013.
عدد المقالات: 2514

.. والعزلة عند الفتنة سنة الأنبياء وعصمة الأولياء وسيرة الحكماء الألباء والأولياء فلا أعلم لمن عابها عذرا لاسيما في هذا الزمان القليل خيره البكيء دره (أي القليل خيره أيضا) وبالله نستعيذ من شره وريبه، هكذا تحدث الشيخ  أبو سليمان الخطابي، في كتابه: «كتاب العزلة» وهو مؤلف فريد في بابه، وإن لم يكن وحيدا، فقد ألف ابن أبي الدنيا كتابا أسماه «العزلة والانفراد» وربما فعل غيره ما فعل، أما كتاب الخطابي فقد جمع ما قيل عن آداب العزلة على لسان خلفاء ومتكلمين ورواة وشعراء، وأطرف ما نقله عن مُجاور قبور سُئل عن سبب مجاورته لها فقال: «أجاور قوماً لا يغدرون» قاصدا الموتى، أما أقساها وأكثرها سخطا فقد جاءت على طريقة الشاعر الفرنسي بودلير حين قال «ساخطٌ على الجميع وساخطٌ على نفسي» وهو ما نقله عن أبي الدرداء إذ يقول: «إنك لن تتفقه كل الفقه حتى تمقت الناس، ثم ترجع إلى نفسك فتجدها أمقت من سائر الناس»!!
من أجمل ما قيل في العزلة: هي جميلة جدا عندما لا تجد نفسك مع أحد، فجلوسك مع نفسك وأنت تعلم ما بك أفضل من جلوسك وسط جمع من الناس «ولا أحد» فيهم يشعر بك!
تنهال على رأسي هذه الأفكار وكثير غيرها، حينما ألجأ إلى معتكفي مرة في الأسبوع، أعتزل الناس، واترك لنفسي العنان لتنطلق بلا قيود، فأستحضر من أحب وأقصي من أريد، وربما أراجعها فيما فعلت وفيم لم تفعل، واستذكر ما اقترفت وما لم تقترف بعد، وأترك وقتا للتأمل وتفريغ «الرأس» مما يعتمل به، أو ما استقر في قعره طيلة أيام!
هي تجربة فريدة، أحزن لمن تفوته، فلا يقوى عليها، أو لا تُتاح له، لأنها حالة اغتسال روحية مما علق بها طيلة أيام من مخالطة الناس، وحينما لا أجد وقتا لها، اشعر أن شيئا عزيزا فاتني، فاشعر بحنين عميق له!
يقول ابن القيم رحمه الله (إذا اجتمع العقل واليقين في بيت العزلة، واستحضر الفكر وجرت بينهم مناجاة، أتاك حديث لا يمل سماعه شهى إلينا نثره ونظامه) فهي موطن الإبداع، ومناسبة لإعادة ترتيب ما اختلط من ملفات في العقل، وفرصة لتجديد النشاط، ورياضة الذهن، ولياقة التركيز، بل أشعر أن «مخي» يروق كما يروق الماء العكر، حينما تبدأ ذرات التراب بالنزول إلى القاع مع مرور الوقت!
وفي الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَزَلَ نِسَاءَهُ شَهْرًا وَصَعِدَ إِلَى غُرْفَةٍ لَهُ، وَهِيَ خِزَانَتُهُ، فَلَبِثَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، فَلَمَّا نَزَلَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، قَالَ : « إِنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ »
وجاء في الصحيحين، وغيرهما واللفظ للبخاري عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم»، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟، قال: «نعم، وفيه دخن»، قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر»، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟، قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا؟ قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا»، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟، قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش