الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الدرس القاسي وانعدام العبرة

د. رحيل محمد غرايبة

الأحد 14 آب / أغسطس 2016.
عدد المقالات: 524



رغم قساوة الدرس وبشاعة المشهد فيما يجري حولنا من كل الجهات، ورغم أنهار الدماء ورائحة الجثث المحروقة التي تملأ الفضاء، ورغم طوفان اللاجئين الذي أغرق المنطقة  وفاق عددهم حجم اللاجئين على مستوى العالم منذ خمسين عاماً، ومع ذلك لا تكاد تجد من يقرأ أو يدرس أو يتعظ...

فالأنظمة العربية المتفرجة ما زالت تحاول إعادة تدوير نفسها بمزيد من الغطرسة ومزيد من التسلط والتفرد بالحكم والقرار، ومزيد من الإصرار على تكرار الأزمة بأسبابها واستدعاء عوامل نشأتها ونموها واستمرارها وتفجرها، والعجز المزري عن معالجتها ومواجهتها، ومعاودة استقدام رجالات التأزيم، وكأنها محاولة استجداء للأزمة وإلحاح شديد على استنساخ تجارب الاحتراب والتقتيل والتدمير الداخلي .

أحزاب وقوى سياسية تعلن انتسابها للمعسكر العلماني تستنفر في تعميق جراحات المجتمع النازفة، وتوغل في تكلف أبشع أنواع التهكم والسخرية من الحالة الدينية، وتحاول استثمار اللحظة في إضعاف خصومهم عن طريق إظهار مكنونات صدورهم المحتقنة بالعداء للإسلام كدين، ومحاولة إبعاده عن الإسهام الحضاري في بناء الأمة الحديث، بطريقة فجة وفي غاية البشاعة في إظهار غرائز الانتقام، ويناقضون أنفسهم وطروحاتهم في رفع شعارات الحرية والعدالة والمشاركة السياسية من خلال إصرارهم على سحق خصومهم وإبادة معارضيهم من الوجود بحق وبغير حق.

وفي مقابل ذلك توجد قوى سياسية إسلامية دينية تعيش أعلى درجات الاحتقان والتوتر والكبت، عملت على تحويل جماهيرهم وأتباعهم ومؤيديهم وكل من يقول بقولهم والأمة معهم إلى كومة قش يابس قابلة للاحتراق في أي لحظة، تستطيع كلمة أن تحدث فيها فعل السحر في الإثارة والانفعال، وقد حولوا أغلبية الأمة إلى مجاميع غاضبة هشة محبطة  تشعر بالهزيمة الذاتية، وتنطلق من عقال التخطيط المحكم وحسن التدبير والتفكير بعقل بارد إلى ردات فعل غاضبة و غير مدروسة، ويمكن استغلالها في إحداث فتنة عمياء تأكل الأخضر واليابس، وتؤدي إلى تطاحن ذاتي يمكن أن يستمر سنوات طويلة.

انتماء الأمة العميق إلى دينها وعقيدتها وثقافتها ليس محلاً للشك والجدل، ومن يحاول التشكيك في هذه الحقيقة إنما يمارس العمى السياسي والبلادة الذهنية والفكرية، ويستجيب للانسلاخ الكلي من هويته وسجله الحضاري شاء أم أبى، ولذلك لا يستطيع أحد ممارسة العمل السياسي والوطني دون إدراك الحقائق القائمة على الأرض، ومن يحاول تجاهلها فسوف يكون سبباً في زيادة الفتنة بوعي أو بدون وعي، وصب الزيت على نار الغضب المكبوت الذي يهدد بالانفجار في أي لحظة بطريقة عشوائية بلا هدف ودون اتجاه منضبط مدروس.

ما نود أن نتوافق بشأنه بهذه القضية الحساسة والخطرة، أنه ينبغي أن ينبري العقلاء والحكماء ورجال السياسة وعلماء الدين والشخصيات الوطنية لإرساء معالم ميثاق مجتمعي جديد يحظى بتوافق كل المكونات الدينية والسياسية والمجتمعية، تتمثل باحترام العقائد والأديان والمذاهب والآراء المختلفة، ضمن مبادىء حرية الرأي المسؤولة، ووضع حد لكل محاولات الشطط، ومنع العبث في نسيجنا الوطني بكل حزم ودون أدنى تهاون، وأن لا يتم السماح للجهلاء والحاقدين وأذناب الأجهزة الاستخبارية العالمية والإقليمية؛ بجر المجتمع إلى مستنقع العنف والفوضى، تحت أي مبرر أو نزوة غرائزية تتستر بالفكر أو الدين أو العلمانية أو أي غطاء ينتسب للتحضر المزعوم.

نحن نعيش في سفينة واحدة  في بحر متلاطم الأمواج شئنا أم أبينا، لا مجال إلّا بتحقيق متطلبات العيش المشترك، والاعتراف بالاختلاف وإدارته بطريقة حضارية، وإرساء معالم الدولة المدنية والمجتمع المدني، ونبذ التعصب بكل أشكاله، ومحاربة العنف اللفظي والمادي، ومراقبة الكلمة المكتوبة والمقروءة بكل حذر، فنحن في خطر داهم وعلى مقربة من حريق جهنمي يقذف بشرره في كل الاتجاهات، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ولا نراه أو نتعمد إغماض الأعين بجهالة، ولدينا قابلية الاشتعال والاستجابة، مما يؤكد علينا حماية وطننا وشعبنا  بعدم السماح للقلة العابثة بتعكير صفو مجتمعنا الآمن المطمئن.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش