الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأشياء تتداعى

تم نشره في الخميس 19 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 مـساءً

فخري صالح
ينظر مؤرخو الأدب الإفريقي إلى رواية «الأشياء تتداعى» بوصفها واحدةً من أهم الروايات الإفريقية التي كتبت خلال القرن العشرين. ويؤكد بعضهم أنها وضعت الأدب الإفريقي في قلب الإبداع الروائي العالمي بسبب قدرتها على تطويع الشكل السردي الأوروبي للتقاليد السرديّة الشفويّة التي طوّرتها القبائل والشعوب الإفريقية، إذ استخدم أتشيبي مخزون الحكايات في قبائل الإغبو النيجيرية ليكتب نصّاً سرديّاً فريداً وأخّاذاً يحتشد بالحكايات والأمثال والأشعار التي تحضر بلغتها الأصليّة في سياق السرد المكتوب بلغة إنجليزية ساحرة تراوح بين سرد الحكايات والحوارات الذكية اللامعة، التي تدور بين الشخصيات، وبين استخدام الأمثال والتعازيم السحريّة التي تطرد الأرواح الشريرة أو تستدعي أرواح الأجداد لتحفظ أبناء القبيلة وتحميهم من أرواح القبائل الأخرى، وكذلك من خروجهم على التقاليد المرعيّة في القبيلة. وقد استطاع الكاتب، من خلال استخدام هذا التوليف الناجح بين الشكل الروائي الأوروبي والإرث السرديّ الشفوي للقبائل النيجيرية، أن يجسّد، على صعيد المُتخيَّل، العلامات الأولى للصدام بين الاستعمار الكولونيالي الغربي والشعوب الإفريقية في نهايات القرن التاسع عشر.
تدور حبكة «الأشياء تتداعى» حول حكاية صعود نجم «أوكونكوو» فارس قرية «أومووفيا» ( وهي قرية نيجيرية متخيّلة يعيش فيها أبناء قبيلة الإيبو)، وانهياره بعد مجيء الإرساليات التبشيرية والاستعمار الأوروبي إلى أرض القبيلة. وتصف الرواية كيف استطاع «أوكونكوو»، وهو ابن رجلٍ فقير سكّير مهملٍ لزوجاته وأبنائه وجبان يخاف منظر الدم، أن يمسح عار والده ويهزم أقوى شجعان القرية، ليصبح، من ثمّ، واحداً من زعماء القبيلة ومضربَ المثل في الشجاعة بين قرى «الإيبو» السبعة. لكن سنوات ازدهار حياة  «أوكونكوو»، كواحد من أشجع رجال القبيلة وأغناهم، لا تستمر طويلاً، إذ يتعرض لنكبات متوالية تدفعه إلى مصيره النهائيّ المحتوم بعد أن يتداعى العالم من حوله على أثر مشاركته في قتل الصبيّ «إيكيميفونا» الذي أودعته القبيلة لديه بعد قتل والد الصبيّ، الذي ينتمي لإحدى القرى المجاورة، امرأةً من «أومووفيا». فقد عاش الصبيّ في كنفه لسنوات، وصار رفيقاً لابنه «نْوويي»، وأصبح مقرّباً إليه يتعامل معه وكأنه من صلبه. لكن ذكرى والد «أوكونكوو» الجبان والرعديد، الذي يخاف منظر الدم، تدفعه إلى المشاركة في قتل الصبيّ الذي يحتمي به من خناجر أبناء القبيلة بعد أن تقرر العرّافة أنه آن الأوان لقتله. هكذا يبدأ نجم رجل «أومووفيا» الشجاع بالأفول، فقد نصحه صديقه العجوز «إيزيودو» بأن لا يشارك في قتل الصبيّ لأنه صار بمثابة الابن له. لكن عدم قبوله النصيحة يؤدي إلى كارثة ثانية عندما يقتل بالخطأ ابن صديقه الحميم «إيزيودو»، لتأمر القبيلة بنفيه عن القرية سبع سنوات، يعود بعدها إلى القرية ليجدها قد تغيّرت وحلّ فيها المستعمر والإرساليات التبشيرية التي اجتذبت كثيراً من أبناء القبيلة إلى الدين الجديد، وقلبت حياة القرية رأساً على عقب. وهو ما يدفع  «أوكونكوو» ورجال القبيلة إلى الانتفاض على الإدارة الاستعمارية التي تقوم بسجنهم وتجويعهم وإهانتهم وتحقير تقاليدهم، لتنتهي الرواية بمصرع رسول الإدارة الاستعمارية على يدي «أوكونكوو» الذي يقوم بشنق نفسه.
يبدأ أتشيبي روايته بأبيات اقتبسها من قصيدة الشاعر الإيرلندي وليم بتلر ييتس (1865- 1939) «المجيء الثاني»: «إذ يحلّق ويدور في دائرة الكون الواسعة/ لا يتمكّن الصقر من سماع صوت صاحبه/ الأشياءُ تتداعى/ المركزُ لا يصمد/ والكثيرُ من الفوضى تندفع من زِمامها لتغرق العالم). وهي تمثّل في الحقيقة مجازَ الرواية، والتكثيفَ الرمزيّ لحبكتها السرديّة، والمعنى العميق لها، والأهمّ من ذلك كلّه أنها تترجم بلغة مجازيّة الجسرَ الذي يبنيه أتشيبي بين نوعٍ من الثقافة الغربيّة، يتضمّن وعياً عميقاً بالعوامل المنتهكة المُدمّرة للحضارة الغربيّة التي تعصف بالعالم، وبين الثقافة الإفريقية بكلّ ما تملكه من بنى وتقاليد وعقائد راسخة جرى انتهاكها لحظة وصول الاستعمار الأوروبي. كما أن هذا الاقتباسَ، الذي يحتلّ الصفحة الأولى من رواية «الأشياء تتداعى» التي تأخذ عنوانها من واحدٍ من الأبيات التي ترجمتُها في السطور السابقة، يفتحُ الرواية على ما تلاها من روايات كتبها أتشيبي فيما بعد ليجسد من خلال السرد والحكايات ما آلت إليه نيجيريا، وإفريقيا كذلك، بعد الاحتلال الأوروبي: لقد تداعت الأشياء وفقد الأفارقة راحتهم وعالمهم المطمئن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش