الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رانيا الشخشير : عرفتُ وجه أُمي بالفطرة وسط دموع الفرح والقلق

تم نشره في الثلاثاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 مـساءً

 الدستور- مها الشريف
عندما فتحت رانيا الشخشير عريقات عينيها منذ منتصف اذار في مستشفى المدينة الطبية لم تكن عملية استيقاظ عادية، خاصة وانها عاشت في غيبوبة استمرت حوالي خمسين يوما نتيجة لسقوطها من ارتفاع يصل الى 8 امتار، كما وان اثار الحادث كانت ما تزال مبهمة.
بداية المعجزة
لحظة الاستيقاظ، كانت باعتبارها معجزة كبيرة برأي الخبراء، لبداية رحلة علاج طويلة حافلة بالأطباء والممرضين والأهل والاصدقاء لإعادة التأهيل.
تقول رانيا: عندما فتحت عينيّ لم اعرف حينها الا وجه أمي، واستغرق الامر طويلا لتذكر ما حصل معي، وافراد العائلة والاصدقاء المقربين، وبدأت أتساءل من أنا؟ وماذا اعمل؟ وكيف امضيت سنين حياتي السابقة؟ اسئلة كثيرة تزاحمت في رأسي لم اجد لها الاجابة الشافية الا خلال رحلتي العلاجية وعلى فترات ومراحل.
كانت رانيا وابناها في رحلة الى «وادي رم» حين قامت بالانضمام الى احدى المجموعات المنظمة لممارسة رياضية المشي الجماعي، وفي اول رحلة لها معهم في منطقة وعرة تضم أعلى جبل في الاردن، تؤكد رانيا –ضاحكة- بأنها الرحلة الاخيرة بالتأكيد. 
السقوط من أعلى قمة
سارت رانيا مع المجموعة في الجبال الوعرة الا انها أخطأت الخطأ الفادح وهو السير بشكل منفرد هي وابنها سليم، بعد أن ارادت العودة من منتصف الرحلة بسبب ارتفاع درجة الحرارة ووعورة الطريق،  وسرعان ما فقدت توازنها ووقعت من أعلى جبل في الاردن وهو جبل «ام الدامي» كما هو معروف.
حرصت رانيا على الذهاب الى التخييم مع هذه المجموعة وبصحبة ولديها لين وسليم لاعتقادها بأنها تجربة تعتمد على التحدي وقوة التحمل خاصة في احلك المواقف، وبفضل «غوغل» كما تقول مازحة: حصلت على كل المعلومات «نظريا» من حيث المهارات اللازمة والخبرات والمعدات المطلوبة، وقمت بقراءة ملاحظات من سبقوها للتخييم، وطبعا لم يكن هذا كافيا في ظل رياضة تحتاج الى الكثير من الممارسة  والخبرة والدراية.  
القلق يسرق الفرح
وعن لحظة الاستيقاظ  تقول رانيا: عندما فتحت عيني اول مرة رأيت الدموع تسيل من عيني أمي، كانت دموع الفرحة الممزوجة بكثير من القلق الواضح حول قدراتي الجسدية خاصة وان هنالك العديد من الكسور وربما اخطرها تلك التي في عظام الظهر، مما رسخ لدى بعض الاطباء الاعتقاد بان شللا نصفيا قد يلازمني اذا ما نجوت من هذه المحنة، او ضررا كبيرا في وظائف الدماغ خاصة وان الضربة ادت الى نزيف فيه، فكان دعاء والدتي وجميع من حولي بأن يتبع هذه المعجزة معجزات اخرى في قدراتي وصحة بدني. وتضيف: لازمتني في البداية عدم القدرة على التذكر والتركيز والكلام فكما ان للغيبوبة درجات، فللوعي درجاته كذلك. مؤكدة بأن القلق وعدم الوضوح سرق لحظات الفرح منها. 
كسور ورضوض
تصف  رانيا لحظة الاستيقاظ بانها كانت مرعبة بين آلالام والاوجاع  وعدم القدرة في البداية على تحريك اية عضلة كما وان وجهها كان منتفخا بسبب كسور في الانف وفي عظمة تجويف العين، وكثرة الرضوض فيه، وفقدان أسنانها الامامية.
العلاج النفسي
 ما جعل الامر أكثر صعوبة هو عدم قدرة دماغها على استعادة وظائفه كاملة، فلم تتعرف على المحيطين بها ولم تتفاعل معهم، وهذا انعكس على نفسيتها وتقول: كان لا بد ان اخضع لعلاج نفسي ساعدني على تقبّل ما حصل معي، وبدأت استشعر كم انا محظوظة بعد فترة من العلاج  وبدأت تدريجيا استعيد صحتي، وادرك ما معنى التوفيق في حياتي الاسرية والعملية بين زوجي فراس وابني لين وسليم وعملي في مؤسسة تحتضن موظفيها كما تحتضن الاسرة ابنائها.
ابقاء الدماغ نشيطا
تؤمن رانيا ايمانا مطلقا بأنه لولا وجود والدتها واهلها واصدقائها حولها بصورة دائما ناهيك عن الفريق الطبي المتميز الذين قاموا جميعهم بمساعدة دماغها على البقاء في حالة نشاط باستمرار خلال غيبوبتها، وتقول: لم أترك لحظة واحدة خلال الغيبوبة فقد تناوب الاهل والاصدقاء في البقاء بجانب سريري يتحدثون لابقاء دماغي في حالة نشاط باستمرار دون ان يصيبهم الملل او اليأس في ظل غياب اي تجاوب معهم، فلم يكن يعلم احد مدى استيعابي او حتى سماعي لهذه الاحاديث، مع انهم يؤكدوا بأنني كنت احيانا ابتسم لاحاديثهم او قد أضغط على ايديهم، علما بأنني لا اذكر هذه المرحلة بتاتا. 
بيتي الثاني
تؤكد رانيا بأنها محظوظة في عملها في شركة تحتضن موظفيها وترعاهم كما يرعى رب الاسرة اسرته دون اي تميز او محاباة على حد تعبيرها وهي التي تعمل في دائرة الاعمال، وتقول: تجاوزنا في الشركة علاقة الزمالة الى علاقة صداقة متينة في شركة «زين» حيث يعمل الجميع بروح الفريق. وتضيف: محظوظة بعملي في شركة ليست رائدة مهنيا وتكنولوجيا فحسب بل وانسانيا كذلك، فقد اصرَّ المدير العام على ان تتحمل الشركة نفقات علاجي في المستشفى على ارتفاعها، ليتحقق شعوري وزملائي بأننا نعمل في شركة لا يمكن ان تتخلى عن ابنائها بل هي فعليا بيتنا الثاني، فلم تفقد الشركة يوما الامل في استيقاظي من الغيبوبة مع الكثير من التعاطف الانساني الذي يتجاوز كل حد للوصف والتعبير. 
مساندة الجميع
رغم خطورة الحادث وقلق الكثيرين، الا ان دعوات الجميع لها بالشفاء العاجل وتعاطفهم ووقفتهم معها جعلتها تنتصر على هذه المحنة كما تؤكد، موجهة شكرها للجميع، وتقول: الفضل لله اولا واخيرا، ولولا العناية الالهية لكنت الان في عِداد الاموات، لا يمكن ان انسى كل من ساندني على غير سابق معرفة، سواء من بقي بجانبي في المستشفى، او رعى اولادي في غيابي، وكل من حن علي بالدعاء والسؤال عن صحتي خلال فترة الغيبوبة وخلال فترة العلاج فبفضل هذه المشاعر الانسانية النبيلة التي غمرتني عدت الى اسرتي واحبائي بافضل حال.
معلمتي وملهمتي
تضيف راينا: لم تساور امي معلمتي الاولى لحظة غضب او حتى رثاء لحالي، بل دعوات وتوسلات للخالق سبحانه وتعالى لي بالشفاء، وكانت مطمئنة بأن ارادة الله أكبر من كل الكسور والجروح والغيبوبة، وهو ارحم بمخلوقاته من انفسهم كما كانت تردد دائما وتقول في اروقة المستشفى.
استقبال حافل
عادت رانيا الى منزلها بعكازين وكسورٍ عديدة بعد50  يوما، وكان يعج بالزينة والملصقات التي تحمل عبارات الترحيب ورسائل من محبيها لكن الأقرب لقلبها كانت «اهلا بعودة ماما» كما تصف، وتقول: اخرجت هذه المحنة موهبة الرسم والكتابة في ابنائي الذين كنت دائما انظر اليهم بأنهم من يحتاجون اليَّ كأم قوية قادرة، لأعود الى المنزل وأنا ارى الميزان يختل هذه المرة فكنت انا الضعيفة التي تحتاج الى عونهما ومساعدتهما وهذا جعلني اتمسك بالامل في الشفاء السريع، وانا ارى طفليّ يتحملان ما لا طاقة لهما به، وهما اللذان تعودا ان اكون بقربهما دائما، أُلبي مطالبهما كأي أم واسهر على راحتهما.
التكيُّف في المنزل
تؤكد رانيا بأنها بدأت التطلع الى المستقبل وقهر شعور اليأس، وأخذت تفرض ابتسامة دائمة مع ابنائها واسرتها واصدقائها، فكان هنالك نوع اخر من التكيُّف في المنزل مؤكدة على أهمية دور زوجها في رحلتها العلاجية الذي لم يعتني بها نفسيا فحسب بل عاطفيا كذلك، ولم يفقد يوما الأمل في شفائها، وتقول: بدأت استوعب صدمة الحادث فانتقلت من حالة الذهول والشك والحلم الى الواقع ما يحمله من حلو ومر، وبدأت الاستعداد والجاهزية لاعود الام وربة المنزل والموظفة الحريصة على عملها، ادوار استعدتها تدريجيا وانا كلي فخر وسعادة بها جميعها. 
ِنعَم لا تُحصى
اليوم ترى رانيا نفسها إنسانة ولدت من جديد خصوصا بعد اداء فريضة الحج والتي لم تتخيل يوما بأنها ستكون قادرة على ادائها في ظل علاج طويل ومؤلم. ترى في تجربتها تلك بداية جديدة فيها الكثير من الحسابات في تقدير النعم العديدة فهي تستشعر الاية الكريمة «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها»، وقد اصبغ الله عز وجل الكثير من النعم الظاهرة والباطنة. 
تعيد رانيا حساباتها في تقدير النعم من حولها، في أسرتها وعملها ومجتمعها ككل، واظهرت المحنة الكم الهائل من المحبّين الذين حتى وان اختلفوا معها الا ان الجميع اظهر معدنه الحقيقي والاصيل في أشد المحن.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش