الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هــل نحــن ما شئنــا؟ قراءة في ديوان كُن للشاعر أمين الربيع

تم نشره في الجمعة 27 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 مـساءً

أ.د. هادي نـهر

على الرغم من أنَّ (الربيع) قد تمنَّى تواضعاً منه أنْ تكون له براعة ُ الحكيم حين يقول:
“وددتُ لو ..
يكونُ لي براعةُ الحكيم في تقمُّص الدهورِ
واحتباسها بأحرفٍ شِباكْ”
وأنَّه عبر فكره المتَّقد، وشعرِه المُعمَّقْ كان يرجو الحقيقة:
“أرجو الحقيقة كي أضمَّ سكينتي .. والدَّربُ حيرةُ باحثٍ وجَفافُ”
أقولُ على الرَّغمِ من هذا يُطالعنا أوَّل ما يُطالعنا في ديوانه “كُن” شاعرٌ مُتعاملٌ مع الكُليات، شاعر انطوى شِعرهُ على رؤى وتأمُّلٍ وكشفٍ جعل هذا الشِّعر مركِزاً للمعرفةِ والتجربة والثقافة المُعمَّقة، شاعرٌ أتى من الشِّعر إلى الفلسفة، ومن الصعوبةِ أنْ يذهبَ الفيلسوف من الفلسفةِ إلى ميدان الشِّعر.
ولعلَ أبرز ما يُصادفنا من ملامح انتقال أمين الربيع من الشِّعر إلى الفلسفة هو (الشَّكُ الموصلُ إلى الحقيقة) وهذا أعلى درجات المعرفة بل هي الإيمان الحقيقي:
“فُتحَتْ حدودُ الشَّكِ أينَ هدوؤها .. نفسي وأينَ يقينُها الشَّفافُ!
“قد لا أميلُ إلى الحقيقة ذاتها .. أعني المتاحةَ فالمُتاحُ سُلافُ”
إنَّ الشِّعر ليسَ مجرد عواطف ولكنه كنزُ تجارب، وهو قدرٌ ولا يستطيع الشَّاعر الحقُّ أنْ يهربَ من قدره وشِعرُ الربيع مُحمَّلٌ بعناء أسئلةٍ كُبرى وثُنائيات كُبرى، ثنائية اللغة والفكر الجمالي والكوني والخيالي والمنطقي والخصوصي والعقلي والعاطفي والصوري والحسي والوجودي والمُتصوَّر، إنَّ الإيماء الفلسفي في الشِّعر لا يعني أنَّ صاحبه فيلسوف وإنما يعني أنه يمتلكُ ثقافة رصينةً ومعرفة مُعمَّقة، وإلَّا كيف لنا بشاعر قادر على أنْ يُرتِّب بين العقلي والعاطفي، ويُميِّز بين ما هو معرفةٌ يقينيَّة ومعرفة غيرُ يقينية، مُدخلاً الأشياء التجريبة في إطار المعرفة اليقينيَّة؟ .. وكيف لنا بشاعر قادر على أنْ يُقيم بين الأشياء المتقابلة أو لنقل المتنافرة والمُتضادَّة توازناً فريداً مرهوناً بزمانه ومكانه بحيث تنمو الدلالات نموَّاً طبيعياً، فتوافقُ حركة الإيحاءات ثمَّ تتقاطع الأشياء حيث المعنى المتوقَّع أو المعنى الإشاري أو ما أسميه المعنى التأثيري غير المحدود في ذهن المُتلقي على أساسٍ من تقابل الصور المُتشكِّلة بعيداً عن أي قانونٍ وصفي أو إضافي أو تشابهي:
“قلبي يُرتِّبُ نبضَهُ والشَّكَ في ضوضائهِ
فغريبةٌ آمالهُ مِن مُبتدى أهوائهِ
يُصغي لهمس الكونِ مشغولاً بحالِ فنائهِ
ويميلُ للأحياءِ مُنحازاً لحُلمِ بقائهِ
يُذكي الرُّؤى ويعودُ مُحترقاً بنارِ شقائهِ
ويُعيدُ إصدارَ الحقيقةِ من عِناقِ ضيائهِ
يفنى سؤالاً ثمَّ يولدُ من تمكُّنِ دائهِ
ويُحيطُ أقطابَ الوجودِ يضمُّها بعنائهِ”
وكيف لنا بشاعرٍ قادرٍ على تحليل بنيوي أقرب إلى التحليل الأبيقوري عند أصحاب الفلسفة الذَّريَّة، فنحن أهل الدنيا أشبه بالمسافرين وحال الدنيا تشبه حال الموت، وحالُ الموت كحال اليقظة:
“ماذا سيحدثُ للكثيرِ وللكثيرِ وللكثيرْ
لا شيءَ تبقى للحياةِ ولادَةٌ ويظلُّ للموت المصيرْ
ويظلُّ دُلابُ الوجودِ يدورُ في الفلَكِ الكبيرْ!”
وكان المعرِّي يقول:
ونحنُ السَّفْرُ في عُمْرٍ كموتٍ .. تصافَنَ أهلهُ جُرَعَ الحِمامِ
إنَّ أمين الربيع ليمتلِكُ أكثرَ من مُحفِّزٍ إنسانيٍّ لقول الشِّعر، ولذلك جاء شِعرهُ مُعمَّقاً، فيهِ إبداعٌ وتجربةٌ، وعاطفةٌ، ونوازعُ تمرُّدٍ داخليَّةٍ منحتْ نصَّهُ الشِّعري قوةً مؤثِّرة وفاعلة، ولذلك أرى أن أمين الربيع لا يصلُحُ أنْ يكونَ إلَّا شاعراً حاملاً الضميرَ الجمعي، رافضاً أنْ يتحوَّل معجوناً بأسنانِ السُّلطة، أو أهواءِ السِّياسة أو المال، أو الجاه، لأنَّ قصيدة الربيع تُشكِّلُ وعياً مُضافاً إلى الوعي السائد ومُتجاوزاً إيَّاه، وفاعلاً فيه، بل ومُتمرِّداً عليه، وذلك واضحٌ في المقام الأول من مفهوم الربيع للشِعر، فأيُّ امتدادٍ دلاليٌّ لقوله:
“يثقبُ الحرفُ صمتَ قلبي ويمضي .. لا يُراعي صداقةً أو قرابهْ”
ويقول:
“ستقتلُني الحروفُ لكي تنامى .. وعِطرَ دمائها حذراً أُريقُ
وتسحقُني وأسحقُها نثاراً  .. على أهدابِ خاطرتي البريقُ”
إننا لسنا بحاجةٍ إلى شعراءَ يكتبونَ الشِّعر وحسب، وإنَّما إلى شعراء يكتبهُم الشِّعر وتسحقُهم الحروفُ تُثقِّبُ صمتَ قلوبهم، نحن بحاجة إلى شعراء استثنائيين، بل قُل شُعراء شاذين بالمعنى المُقدَّسِ للكلمة، شعراء لا يمتلكون الوعي الممنهج الذي يُحاكم الواقع، شعراء يتعاملون مع اللغة بعدوانيَّة تولِّدُ المحبَّة، والكلمة الحالمة النابضة بالحياة والحركة والدَّلالة الممتدَّة.
إنَّ الشِّعر أيَّاً كان جنسهُ لا بُدَّ أنْ يحمل في داخله خصائصه الفنيَّة التي تمنحهُ الدخول إلى دائرة الشِّعر الحركي الأصيل، المُتموِّج بالإيقاع الذي يُثير العواطف، ويؤجِّج المواجع، ويُحرِّكُ الساكن، بحيث تشعر وأنت تقرأ القصيدة أو مقطعاً منها أنَّكَ تصعَدُ سُلَّماً ممتدَّاً نحو الأُفق في كلِّ سلَّمة تجدُ موقفاً للإنسان الشاعر يتحدَّث فيه عن حُزنه، وبؤسه، وآماله، وغُربته، واغترابه، وصولاً إلينا ونحنُ في أحزاننا وبؤسنا وآمالنا وغُربتنا واغترابنا، ومن غير ذلك يصيرُ الشِّعرُ لغواً رتيباً خانقاً، وهيكلاً مُسطَّحاً غائب الهوية، لا يسكنهُ إلَّا أصحابه.
وأنا أشهدُ أنَّ شِعر أمين الربيع شِعرٌ ماضٍ وراءَ الوعي، مُؤسسٌ وعياً آخرَ يلتقي نفوسنا ومشاعرنا وأفكارنا.
فهذا الإنسان الذي يصبغُ أسنانه بلون التَّبغِ ليُقالَ عنه أنه يُدخِّنُ وأنه حزين .. “أضمُّ شِفاهي على غيمةِ التَّبغِ
أشهقُ ما قد يُزخرفُ نبضي
فأبدو لمن ينظرُ الآنَ نحوي بأنِّي حزينْ”
هو شاعرٌ مُلتَقٍ بنفسهِ قبل أنْ يلتقي بالآخر واللقاء بالنَّفسِ هو أعلى مراتب المعرفة:
“لم يكن معنى وجودي في انتقالي .. بل بنفسي كانت اللقيا العميقةْ!”
وهو يمضي مع هذه النفس إلى النَّبع:
مضيتُ كما يمضي إلى الغيب زورَقٌ .. طريقي ارتعاشٌ في مدارات منبعي”
ولم يتعوَّد أنْ يأخذَ من الأشياء والأحوال دوراً حيادياً:
“لو أنَّ لي دوراً حياديَّاً باقرارِ الوقائعِ
وانتخابِ بديلِها
لصرفتُ عن قلبي ضبابَ توقُّعي
ومسحتُ بالبال الرَّخيِّ ظلامَ طولِ سبيلها”
إننا نُقبِلُ على الشَّاعر الذي يُعلِنُ شِعارهُ بوضوح، نُقبلُ عليهِ وإنْ تواطأ مع شيطانهِ ضدَّنا، ندخُلُ صومعتهُ التي تُجلِّلُها المهابةُ، وهذه الظواهرُ فوق الحسيَّة الممزوجة بالنوافل التي عليها مشايخ الكرامات الصوفيَّة، ندخلُ عُزلتهُ الموجعة ليطرُقَ أسماعنا أنينٌ إنسانيٌّ يتَّخذُ صِفةً حواريَّةً مُحبَّبة ومُتعدِّدةَ الوجوه، تشفُّ عن طابع لأوجاع الإنسان، بما يمنح جروحنا صفة الدَّيمومة، نذهب معه في أشجانه وعنفوانه بعيداً عن عالم تتنفَّس فيه الدُّخان لا الهواء، ونعيش فيه كوناً فقدتْ فيه الأشياءُ طِباعها وتوازنها، وإلَّا كيف بنا نحن الذين نعيش نار الحياة إذا كان الجليدُ يذوبُ بشكلٍ سريعٍ في القطب الشمالي!
“لكنْ يظلُّ صديقي
يُصرُّ بأنَّ الجليدَ يذوبُ بشكلٍ سريعٍ
بقُطب الشِّمالِ، فماذا سنفعَلْ؟”
ما مصيرنا وقد صار الحُبُّ تُهمةً، والقُبحُ جمالاً، والـمُداجاةُ محبَّة، والنِّفاقُ والزيف والمَلَقُ ودَّاً، وبعد أنْ حاصرَنا العُمْرُ وانعدام الرؤى وتشابُكُ الطُّرقات المسدودَة بالظلام المطبق، حتى لتبدو أنَّ:
“الأرض غيرُ الأرضِ
والأحبابُ لوَّثهُمْ هنا الأسمنتُ
والحداثةُ قُبلَةُ الفولاذ للحُلُم الطريِّ
فما تُفيدُ رحابةُ الأرضِ الخَواءْ!”
“ولأنَّني أرجو الحقيقةَ – مثل غيري-
أرصدُ الآنَ انطباعي كالدُّخانِ أمامَ زوبعةٍ
تدورُ بعقلنا الجمعيِّ”
“ماذا قد تُضيفُ لنا الحقيقةُ
لُعبةٌ هذي الحقيقةُ، جوفُها لُغةٌ وقشرتها رقيقةْ
وأنا صدى ظنِّي، أُحبُّ تمنُّعَ اللغة البعيدةْ
وشعورَ إنهاءِ القصيدةْ
فلتنتهِ الآنَ القصيدةْ”
لا لن تنتهي قصائد الربيع، ما دام شِعره قائماً على بنية وكيفيَّة منطقيَّة، وما دمنا عاجزين عن أنْ نجد فيه شيئاً مُفتعَلاً، أو زائفاً أو أوَّليَّاً مثل الأساطير، أو افتراضيَّاً غائباً.
“ماذا سيحدثُ حينَ تُعلنُني النوائحُ والدُّموعْ؟”
“ينسى ونبضُ القلبِ يعصيهِ
فكيفَ لا يشكو الذي فيهِ؟”
“ما كُنهُهُ التاريخُ؟ يشغلني سؤالي
أهوَ انفصالي، أم تُرى وقت اتِّصالي؟
كم حاجةٍ في النَّفسِ خافيةٍ سيكتُبُها زوالي”
إنَّ هذه بعضُ أسئلة الربيع، وسيلتهُ أو إحدى وسائله الفنيَّة في اجتذاب المتلقِّي وجعله طرفاً في الحَدَث الإنسانيِّ الإبداعي، أسئلةٌ تُشظي ذهن المتلقِّي، وتُحيلهُ إلى مسارب شتَّى من التَّخيُّل والانزياح، وتعدد إيحاءات كلِّ سؤالٍ ودلالاته، فصناعة الأسئلة من أهمِّ أدوات الشِّعر الصافي، تبعده عن التقرير النَّثري وتُمكِّنهُ من توليد الصُّور وتحفيزِ عمليَّة التَّخيُّل، وتنشيط الطَّاقة الخلاقة، ومن ثمَّ تفتح أمام الشَّاعر سُبلاً مُتعدِّدة لتلوين الاستفسارات المجازيَّة والحقيقيَّة عن الذات والآخر، عن الطبيعة والإنسان، عن منظومة الكون الشاملة، فخلف كلِّ ثنيَّة من الوجود يتراءى ألف سؤال عن ماضيها وحاضرها وعلاقاتها وغياباتها في ضبابٍ من هذه الأسئلة التي تنبت في عروق الشِّعر الأصيل وتبرز في سيقانه اللامعة، فالشِّعر لا يستوطنُ اليقين الـمُصمَت، ولا الإجابات الـمُسبقة، بل يعيش دائماً في المنطقة المتراوحة بين الصَّمت والمنطق، بين السؤال والإجابة، بين فتحة الصَّدر ومنابت النَّحر، وبعدُ فلنردِّدْ مع أمين الربيع:
“لا بُدَّ مِن هزِّ الثَّوابتِ أو ستبلعُنا القُرونْ”
“ظنّي لأنَّ جميعَ أسرار الوجودِ بسيطةٌ
تقضي بأنَّ الحُبَّ دُستورُ الحياةِ وكُنهُها”
“لو أنَّ لي أنْ أستريحَ من الحياة وذِلَّةِ استجدائها”
شِعر الربيع شِعرُ رحلةٍ، وقلقٍ، ورفضٍ، وبحثٍ عن نموذجٍ أمثَل للحياة والإنسانْ.
وشِعره ملجأ لروحٍ ضاقت بهذا الوجود، ونزوعاتٌ إنسانيَّةٌ نحو كونٍ مليءٍ برداءة الأشياء، وقذارة العالم، اخترقَ به حواجزَ إشكاليَّة من العتمة، والقهر، وجمود الرؤى، وتحجُّر الأفكار تجاه عالم من النَّقاء العظيم، متوسِّلاً بطرحِ أسئلةٍ محمومة بدلالات وإيحاءات كثيفة:
“ولأيِّ بارقةٍ تسيرُ مُلوِّحاً .. ولأيِّ حُلمٍ قادَكَ الإسرافُ؟”
“ماذا جنيتَ، وهل لمستَ حقيقةً .. أم أسلمتكَ فحيحها الأصدافُ؟”
“هل نحنُ ما شِئنا؟
بناءُ الكُلِّ موقوفٌ على قدْرِ امتلاك الفردِ وعياً
نحوَ مفهومِ الجماعةِ”
“مَن تُرى يقوى حلى حَملِ السَّماء!
كم يا حياةُ غلبتِني”
إنَّ شِعر أمين الربيع يبوحُ بانشغالاته في حُدود التَّجلِّي الدرامي والتَّحسُّس الجمالي المُعلِن عن قيمهِ بثبات وثقة، إنَّ فيه شاعريَّة تحتشدُ كما يحتشدُ النحلُ في خلاياه، عذوبةً وجمالاً ورهافةً وانشغالاً لذاتٍ مهمومة بالأوطانِ والإنسان، والقِيم بحثاً عن نوافذ إنسانيَّةٍ جديدة يعبُرها هواءٌ نظيفٌ وصباحاتٌ بلا نُدوبْ.
إنَّ أمين الربيع شاعرٌ يبكي ولا يتباكى، ورحم الله المتنبي حين قال:
“إذا اشتبهتْ دموعٌ في خدودٍ .. تبيَّنَ من بكى ممن تباكى”.
*ناقد وأكاديمي من العراق

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش