الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المثقف والثقافة

تم نشره في الجمعة 10 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 مـساءً

أشرف حزين

في كتابه المعنون بالمثقف والثقافة، يعالج الدكتور زهير توفيق في ثلاثة فصول موضوع المثقف والثقافة والثقافة الوطنية. فالعناوين الفرعية لفصول الكتاب تنوعت لتشمل موضوعات عن النخبة الثقافية والفيلسوف الملتزم، والفيلسوف العضوي، والمثقف والتغيير، واختراق الثقافة، والإمبريالية الثقافية، والهوية الثقافية، والموضوع مهم راهناً في العالم العربي، لما يحدث فيه من تطورات عظيمة سواء في شمال أفريقيا أو في الخليج العربي أو الهلال الخصيب.

بدءاً نقول أن الثقافة هي مقولة لا يتعدى عمرها السبعين عاماً في الخطاب العربي ولا تزيد على القرن في الفكر الفرنسي والمرتبطة مرجعيتها بقضية الضابط الفرنسي «دريفوس» الذي اتهم بالتجسس لصالح ألمانيا. كانت هذه القضية مثيرة خاصة عندما اكتشف أقرباء وأصدقاء الضابط زيف الوثائق التي اعتمدت المحكمة عليها حيث قاموا باستنهاض الرأي العام الفرنسي لينتهوا «ببيان المثقفين» الذي صار يعد المرجعية التاريخية لهذه المقولة. وهكذا يقول محمد عابد الجابري فإن المثقف يتحدد وضعه لا بنوع علاقته بالفكر والثقافة، ولا لكونه يكسب عيشه بالعمل بفكره وليس بيده، بل يتحدد وضعه بالدور الذي يقوم به في المجتمع كمشرع ومعترض ومبشر بمشروع، أو على الأقل كصاحب رأي وقضية.

قراءة منهجية
يستدعي هذا الكتاب ما أصاب الساحة العربية من أحداث خطيرة، دور المثقف والثقافة على الصعيدين الوطني والإقليمي. ويكثر الخلط عندما نحمل المثقف مسؤولية وأعباء لا يستطيع حملها بدون القيام بعملية تحليل شاملة مركبة للمجتمع، والمثقف، وضبط المصطلحات المستخدمة للقيام بقراءة منهجية تنتهي بنا إلى نتائج محددة واضحة المعالم عن دور المثقف والثقافة.

من بين العناوين في هذا الكتاب القيم، عنوان الفيلسوف الملتزم. إن دور هذا الفيلسوف هو صياغة الأسئلة، وتجاوز ما هو ظاهري، وتغيير المعنى ونزع الأسطرة عن الأفكار الزائفة وإعادة تفسير التاريخ، ويرى زهير توفيق أيضاً أن إحدى مهام الفيلسوف الملتزم هي وصل السياسة بما «انقطع من التاريخ بين العلوم الجزئية والإنسانية، لفهم أبعادها وإشكالياتها المشتركة...» وهو انخراطه الفاعل في قضايا مجتمعة بوصفه مثقفاً ملتزماً.

صياغة الأسئلة
في هذا التحليل، أرى أن الكاتب يؤكد على ضرورة أن يتحلى المثقف بالنفس الطويل لجني ثمار رؤيته الاستراتيجية للمشهد العام. النفس الطويل الذي أشرت إليه له علاقة بأن المثقف ينبغي أن يكون صاحب الدور الأكثر جوهرية في تغيير وضع تضافرت في صنعه مجموعة كبيرة من الأمور أصبح حلها بحاجة إلى معجزة. هذه العوامل (التحديات) تنوعت فهي مرة سوء الإدارة، ومرة الابتعاد عن الديمقراطية والحرية، ومرة مواجهة النهضة العلمية، ومرة تفشي الأمية، ومرة غياب الرؤية الحضارية، وتارة سيطرة أنماط السلطة الأبوية في المجتمعات العربية، وتارة أخرى سيطرة بعض أنماط الفكر الديني المتخلف، ومرة زرع إسرائيل في المنطقة، ومرة الصراع على مقدرات المنطقة لما له أهمية من ناحية وجود النفط والغاز الطبيعي. إذن حتى يستطيع المثقف المساهمة الأكثر أهمية عليه أن يقوم بتفكيك مقولات هذا الوضع شديد التعقيد الذي تناولنا جزءاً منه. على المثقف إذن أن يصيغ الأسئلة وأن يعيد تفسير التاريخ وأن ينخرط في قضايا مجتمعه. لهذا كله إن دور المثقف/ المثقفين لن يكون ذا أهمية بدون الإدراك التام إن المهمة لن تتحقق بسهولة وبسرعة، وإن المطلوب هو أن نبدأ في هذا الطريق الشاق والطويل.

يستدعي الكاتب والكتاب في غير محل، مجموعة من أعظم كتاب وفلاسفة البشرية من طراز كانط ومجموعة أخرى من أعظم مفكري وسياسي العصر الحديث من طراز فرانز فانون وغرامشي وإدوارد سعيد وغيرهم. لماذا يستدعي الكاتب هذه الأسماء وهذه التجارب؟ لأنه يحاول أن يؤكد أن الإمكانية للتغيير واردة حالياً كما كانت تاريخياً. الشرط الوحيد هو هذه الجدية والمحورية في الطروحات والالتزام في الرؤية السائرة باتجاه تجاوز الإشكالات الخطيرة التي ساهمت وتساهم في جمود الفكر في منطقتنا العربية.
حكمة الشعب

إن ما يسمى ثورة الربيع العربي/ الحراك الشعبي على امتداد الوطن العربي سجل «حضور المثقف وغيابه، وأوجد حضوره فرقاً نوعياً في ساحات الاحتجاج، وجرد الأنظمة الاستبدادية من أدواتها اللازمة لفرض الهيمنة والإذعان، فزاد عريها وعقمها بكونها أنظمة مضادة للتقدم والإنسانية. ويتساءل الكاتب هل تشعر كل الحركات الشعبية بالامتنان للمثقف وضرورته، ومتى يكون ذلك ما دامت الأفكار المهيمنة أفكار الطبقة المهيمنة؟ ويقول أن المثقف يحتاج لحكمة الشعب لتحويل أفكاره إلى قوة مادية محركة، والشعب يحتاج للحقيقة الموضوعية التي يمتلكها المثقف لإنارة أهدافه.
المثقف الأردني
لننتقل من العام إلى الخاص فإن مأساة المثقف الأردني تتناقض مع الثقافة الزائفة، والثقافة الاستهلاكية، ثقافة التسلية، وأن مهماته الأساسية في أن يطرح مجموعة من المقولات تقوم ببناء سد لحماية المجتمع الأردني من عودته إلى البنى الأولية والهويات الفرعية. والمثقف الأردني معني بصد الهجمة المتعلقة بعولمة الثقافة وتحويل مؤسساته التمثيلية إلى أداة ضغط للتأثير في السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بالدولة والمجتمع.
يدخل المذهب البراغماتي وإن كان بشكل غير مباشر كعنصر مهم في هذا الموضوع حيث أن البراغماتية في جوهرها ارتباط الفكرة بصحة نتائجها ومن حيث أنها حسب وليام جيمس خطة عمل. فالماركسية مثلاً كأفكار لم تترجم على أرض الواقع إلا عندما تمثلها لينين «أبو الثورة البلشفية» وترجمها إلى خطة عمل. فعادة الأفكار المعقدة والمركبة أنها تحتاج إلى وسيط ولن تكون لها قيمة إلا إذا استطاعت الجماهير تمثلها وشعرت بأنها ستعود عليها بفائدة.
رورتي والمثقف الملتزم
لماذا البراغماتية في هذه المقالة مع أنها لم تذكر إلا مروراً في فصل المثقف في كتاب د. زهير توفيق؟ يتوقف الكتاب عند ريتشارد رورتي وهو الذي نصح المثقفين بأن يتخلوا عن «النظرة الكلية والنقدية للواقع القائم» و»الدعوي» للاندماج فيه والتخلي عن اتخاذ أي موقف راديكالي تجاه المؤسسات الاجتماعية بقوله أنه يجب على المثقفين أن يكفوا عن رفض الوقائع... وأن لا يمارسوا السياسة بمفاهيم تعجيزية (ويقصد بها المفاهيم الجذرية في الصراع الاجتماعي).

وهكذا فإن رورتي بعكس المثقف الملتزم لا يرى الأدوار التي يراها مثقفون من الوزن الثقيل كماركس، غرامشي، إدوارد سعيد، وهشام شرابي من حيث أن المثقف يحمل موقفاً نقدياً من الواقع وبشكل دائم. فنصل إلى نتيجة مفادها أن مواقف (رورتي) ما هي إلا «دعوة مغرضة واستسلام للواقع القائم وتفكير يميني محافظ معاد للعدالة والعقلانية».

وهو موقف ونتيجة قد نتفق أو لا نتفق معها. إلا أن الأكيد أن الكاتب في هذه الإشارة المبتسرة للبراغماتية ورورتي تحديداً يعكس ثقافة واسعة واطلاع عميق على المذاهب والمناهج الفلسفية ويقوم بإسقاطات ذكية لتوضيح موقفه التقدمي من مسألة دور المثقف ودور الثقافة بوجهيها العام والخاص. وهنا أرى حالة من حالات التكثيف تطرح بأسلوب كتابي رشيق رغم تعقيد وتنوع المفاهيم التي يعالجها الكاتب.

فكرة ثورية
لا تعتبر البراغماتية فلسفة بالمعنى المتعارف عليه، فهي لم تأت بجديد حسب وليام جيمس، فهي ترى أن الفكرة لا تكون صادقة إلا إذا كانت لها منفعة وهي بالتالي غير مهتمة بكيفية نشوء الأفكار ولكن بنتائج هذه الأفكار. هذا هو الجديد في البراغماتية حيث أنها استبدلت النظر في الماضي إلى النظر في المستقبل. وعندما جاءت البراغماتية الجديدة فصار همها اعتناق التداخل والتفاعل بين السياقات الاجتماعية والعملية المختلفة بشكل جذري، وتنفي إمكان قيام تصور كلي شامل عن الحقيقة أو الواقع. والفكرة الأساسية عند رورتي بأنه يرفض وجود أي أساس وطيد للمعرفة. وأن الحقيقة غير ثابتة، وأننا نصنع الحقيقة فهي ليست هناك. وهي فكرة ثورية بشكل عام حيث أن العمل والعمل فقط هو المنوط برسم الحقائق كما نريدها، وتأثر رورتي بفتجنشتين في مفاهيم اللغة، فيقول أن هذا العالم (الخارجي) يكبر ويتطور ويصغر ويتخلف بقدرتنا على اختيارات صحيحة على صعيد اللغة، فنحن نرى هذا العالم من خلال اللغة وأنه (أي العالم) ليس موجودا بشكل موضوعي.

إن أهم مفهوم أضاءه رورتي من وجهة نظري هو المفهوم المتعلق بإبداع الذات وذلك برفضه لمفهوم جوهرية الإنسان وبأنه لا توجد طبيعة ثابتة له، ويترتب على هذا أن علينا مهمة إبداع ذاتنا حيث « أننا لسنا كائنات معدة سلفاً «.
إبداع الذات
ومع أنني ضد تبسيط أطروحات البراغماتية، فإنني أرى أن هناك إمكانية للاستفادة من بعض مقولاتها حتى في دور المثقف والتغير واتفق مع د. زهير توفيق في قراءته للتوجه السياسي للمفكر اليميني رورتي إلا أنني أرى أن المساحة الفكرية التي تجول بها رورتي من الكبر بمكان، أن نستفيد من مقولاته التي تتسم بالحركية بقدر ابتعادها عن الجمود وأهمها إبداع الذات كما ذكرت سابقاً.

هذا الكتاب (المثقف والثقافة) للدكتور زهير توفيق، تكمن أهميته في توقيت صدوره وفي موضوعاته المتنوعة، وقد كان لي شرف عرضه تحليلاً ونقداً في المركز العربي الثقافي في ندوة السبت الماضي المصادف 4/1/2014، وقد أدار هذه الندوة الاستاذ الروائي جمال ناجي.
* باحث وطالب دكتوراه في قسم الفلسفة - الجامعة الأردنية

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش