الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لمن ندخر كل هذا الحنين؟

حلمي الأسمر

الجمعة 10 كانون الثاني / يناير 2014.
عدد المقالات: 2514


«إن غيومَ المغيبِ البرتقاليةَ تُضفي على كل شيء ألقَ الحنين، حتى على المِقصلة !»
هكذا تحدث ميلان كونديرا، عن الحنين، وهو صادق فيما يقول، فكم شعرنا بشيء ما يتحرك في صدورنا مع بدء تلون الأفق بذلك اللون البرتقالي الشاحب، حتى ليكاد المرء أن يصرخ بكل هدوء: لمن ندخر كل هذا الحنين المعتق في خوابي القلب؟
هل للحنين ألق؟ أم هو مزيج ساحر من الحزن والترقب والنبض المتوثب، والرغبة بارتكاب «شهقة» فرح أو حب، أو حتى دهشة؟
تقول نبال قندس: إِذا كانت كُل الأَشياء تنكمش في الشِتاء .. من شدةِ البرودة .. لماذا يَشُّذ الحنين عن هذه القاعدة ويزداد اتساعاً مع كُل لَيلةٍ بارِدة؟ وتقول أيضا: أبدأ صباحا جديدا بدونك، أستل من تحت وسادتي محاولة جديدة للنسيان، أتناول مضادات الحنين مع كل رشفة من كوب القهوة الذي صار باهتا، وتقول: لا أعلم هل هو المطر من يثير فينا كل هذا الحنين أم أن الحنين هو من يستدعي المطر!
ويقول محمود درويش: لولا الحنين إلى جنة غابرة لما كان شعرُ ولا ذاكرة ولما كان للأبدية معنى العزاء! ويقول: سألته: لماذا لا أتذكر، هل تظن أنى مريض؟ قال: يحدث ذلك مع مرضى من نوع آخر، مرض الحنين الى النسيان، ويقول أيضا: الحنين هو مسامرة الغائب للغائب، والتفات البعيد إلى البعيد!
ويقول أليساندرو بجريكو: إنه ألمٌ غـريب، أن تموت من الحنين لشـيء.. لم تعشـه أبداً، وأقول: ربما لشيء لا تعرفه على وجه التحديد، ولا تتبين معالمه، كأنه حنين راكب القطار لـ «المحطة القادمة» لأن ثمة دائما محطة قادمة، فكلما وصل محطة، شعر بحنين للمحطة القادمة!
وللحنين وجهه الآخر لدى جلال الدين الرومي، حين يقول: ليس لكل أحد أن يكون محبوباً، لأن المحبوب يحتاج إلى صفات وفضائل، لا يرزقها كل إنسان، ولكن لكل أحد أن يأخذ نصيبه في الحب وينعم به، فإذا فاتك أيها القارئ العزيز أن تكون محبوباً، فلا يفتك يا عزيزي أن تكون محباً، إن لم يكن من حظك أن تكون يوسف، فمن يمنعك من أن تكون يعقوب؟ وما الذي يحول بينك وبين أن تكون صادق الحب دائم الحنين؟ وديمومة الحنين هنا هي المعضلة!
أما غابرييل غارثا ماركيز فيقول عن الحنين وأفاعيله: لقد محا الحنين - كالعادة - الذكريات السيئة وضخم الطيبة . ليس هناك من ينجو من آثاره المخربة!
وللحنين وجهه الآخر عند واسيني الأعرج، فـ «الحنين مدمر وعبثي لأنه يسجننا في الوهم ويحرمنا من الحياة ومن إمكانات أخرى» لكن عبد الرحمن المطيري يرد عليه قائلا: متى تحين كل الأشياء الجميلة؟ أليس الحنين أشياء ساقطة من السماء وجميلة تشبه المطر؟ ومن هذين المتناقضين على معنى آخر، أشد عمقا، وربما عبثية، يلقيه في وجوهنا فيرناندو بوسوا: بعد النهار يأتي الليل/ بعد الليل يأتي النهار/ وبعد الحنين يأتي/ الحنين المستبدّ بنا!
وأختم، بحنين من نوع آخر، حنين إميل حبيبي، ورسول حمزاتوف، أما حبيبي، فيقول عنها وعنه: لقد بلغتْ الخامسة والسبعين من عمرها ولمّا تجرب ذلك الشعور الذي يقبض على حبّة الكبد فيفتتها. ذلك الشعور الذي يخلّف فراغاً روحياً وانقباضاً قي الصدر، كتأنيب الضمير، شعور الحنين إلى الوطن!
أما رسول، فله شأن آخر، حين يقول: «الحنين إلى الوطن» أتطلع إلى وطني من شباك قفصي !
لا يمكن أن يكون كاتب بدون وطن، لسنا نحن الذين نختار أوطاننا .. بل الوطن هو الذي اختارنا منذ البداية!
وأخيرا.. تصبحون على حنين!

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش