الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خطر التلاعب بمسألة الحلال والحرام

تم نشره في الجمعة 24 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 مـساءً

عبد الرحمن السالمي

(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذاَ حَرَامٌ)
يصفُ القرآن الكريم حالة جماعة من الناس تشبه بعض ما تعانيه أمتنا من بعض الأفراد والجماعات المنبثة بداخلها: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذاَ حَرَامٌ) والضلال لدى هؤلاء يتمثل في ثلاثة أمور: إطلاق أوصاف الحل والحرمة على بعض الأمور والتصرفات بقصد الحصول على بعض المنافع، أو الإيذاء وإنزال الضرر بالآخرين، والأمر الثاني: أن ذلك لا يتم نتيجة وهْم أو إيهام بل هو يتم بوعي وقصد وتعمد، ولذلك وصفه القرآن الكريم بأنه كلام صادر عن الألسنة، وأن كذب، والأمر الثالث: أن هذه الأفعال الرديئة ما كانت لتحصل لولا ضيق الأفق، والسعي وراء السريع والعاجل والذي ترتب عليه أضرار كثيرة عاجلاً وآجلاً بأصحابها ومرتكبيها.
أما التشدد في الدين، واجتراح مقولات لتسويغه، والقيام بأعمال عشوائية استناداً إليه، فقد لا يكون صادراً عن نفاق أو بُهتان وكذب بالمعنى البسيط والمعروف، يمكن نتائجه تشبه إلى حد بعيد نتائج أفعال الزيف والبهتان، ويرجع ذلك إلى التلاعب الواعي وغير الواعي بمسألة الحل والحرمة، وإلى تقصد الحصول على منافع عاجلة، وإلى الأضرار الكبيرة التي يوقعونها بأنفسهم وبالأمة وبعلاقات المسلمين بالعالم.
وفي المسألة الأولى، مسألة الحل والحرمة، فإن ما أحله الله أو أوجبه حلال أو واجب إلى يوم القيامة، وما حرمه كذلك،وهؤلاء يُقبلون على الاشتراع فيفرضون فرائض ويحرّمون أموراً لا دليل عليها من نص أو قياس أو إجماع، وهذا يعني ابتداعاً في الدين بل ما هو أسوأ، لأن التشدد في الاتجاهين يكونُ من آثاره إحداث الأضرار والانقسامات بداخل الجماعة فبدعة التشدد جذابة لكثير من الناس الذين يعتقدون أنهم بذلك يكونون أقرب إلى الله، ويكونون أكثر تطهراً وأشد إيماناً مثل الذي أراد صيام الدهر أيام النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الذي أراد الاعتكاف بالمسجد طوال عمره على أن بدعة التشدد تتجاوز في ممارستها وآثارها الأضرار المترتبة على فعل الفرد الواحد كما سبق القول؛ لأنها تبعث في نفوس الغافلين إحساساً بالانتشاء والتعالي وتوهم القرب من الله -عز وجل-، ومن حروف النص الإلهي (الَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم فيِ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعاً) وهكذا فإن تصرف هؤلاء أكثر تعقداً وتركيباً وأكثر إيهاماً وإضلالاً من تصرف الذين ينكشفون لأول وهلة بسبب تعمدهم الكذب ظاهراً، وفي الواقع كما سبق القول - لاشيء أضر في الدين من التحليل والتحريم بالهوى وباعتقاد الصواب ولو بقصد التطهر والتطهير وبلوغ ذروة الطاعة، والهروب من شرور المعصية، فالله -سبحانه وتعالى- هو الرب المعبود، وهو الذي حدد بالوحي ومن طريق سنة نبيه فرائض وواجبات وطرائق عبادته لبلوغ مرضاته -عز وجل- فإذا جاء أحدهم وقال بل إنه لعشر صلوات بدلاً من خمس تبلغ مرضاة الله -سبحانه- أسرع فإنه لا يكون واهماً فقط، بل يكون مبتدعاً، ومنفِّراً من دين الله، ومحدثاً للانقسام بين المسلمين، وقد يقول قائل: إن التلاعب بالجل مضراً أكثر من التلاعب بالإيجاب والتحريم. وفي الواقع فإن للمتساهلين في الدين -وبخاصة من العلماء- أضراراً لا يمكن إنكارها لأنه بسبب حسن ظن الناس بهم قد يتبعهم البعض في إهمال النوافل وبعض الفرائض لكن المتشددين يظلون أضر لأنه المتساهلين سرعان ما ينكشفون فيعرض عنهم الناس مستقلين دينهم، بينما المتشددون يحسن الناس بهم الظن ويستطيعون عندما يستتب لهم الأمر أن يسيئوا إلى العلماء العاملين الملتزمين حدود الشرع والعقل باتهامهم بالتساهل في الدين وبمجاملة الوجهاء والعامة.
وقد ترتب على التشدد في الدين في العقود الأخيرة -وهو يتضمن التلاعب بالحل والحرمة- ضررٌ آخر كبير نمير المبالغة في الطهورية إلى حدود الانتحار؛ ونعني بذلك اعتقاد المتطرفين بضرورة دينية مؤداها إقامة كيان من نوع خاص لتطبيق الشريعة وقد أعطى ذلك مفهوماً ما كان معروف للشريعة فضلاً عن ربط الدين وشرعية الحياة الإسلامية بذلك الكيان المفهوم، وأخيراً اعتبار الجميع مذنبين أو غافلين أو مشركين إن لم يعملوا جميعاً على إقامة هذه الفريضة الجديدة، وكذا أضفنا لذلك ما أحدثوه في فريضة الجهاد حين أساءوا استعمالها في الخارج، ومدُوها ضلالاً إلى الداخل، يتبين أن هذا السعي الحثيث كان جهداً انتحارياً أخر أكثر الضرر بالقائمين به في دينهم ورشدهم، وأضرَّ أكثر بالعرب والمسلمين في استعدادهم واستقامة أمورهم في الدين والدنيا.
والأمر الآخر الذي من أجله ترتبت آثار هائلة على هذا التشدد هو تقصد التسارع لبلوغ الهدف بأقصر وقت ممكن والنبي - صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن المنبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) ومن ضمن التسرع الاستخفاف بتهديد الاستقرار وسفك الدم، وإهلاك الحرث والنسل، ومن جهة أخرى اعتبار أن ذلك كله مسوغ بسبب نُبل الهدف، وبسب اعتقاد العصمة في النفس والاعتقاد وهكذا يُصبح الساعي نفسه مقدساً في نظر نفسه وأتباعه ويصبح الهدف مقدساً بحيث تبرر الغاية الوسيلة والمشروع في الإسلام، وفي السبيل الإنساني تكون الوسيلة في الوصول إليه مهمة أهمية الهدف المقصود، ولا عصمة لأحد في شخصه أو مقالته وإنما كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والأمر الثالث والأخير أن التشدد يثير انقسامات بالداخل، بسبب خروج تلك المجموعات على المجتمع والسلطات وعدم الاعتراف من جانبها بإسلام الآخرين أو مواطنيهم، وإذا كان النهج السوي هو نهج الإصلاح فإن المتطرفين لا يقبلون إلا بالهدم، وبذلك يتعذر الإصلاح لخوف الناس على استقرارهم، وخوفهم على دينهم ودنياهم فالتطرف في الهدم يدفع لتطرفٍ في الإبقاء على القديم كما هو وكما ينبغي ألا يبقى أو يكون، ثم إن المتطرفين قاموا في العقود الثلاثة الأخيرة بتصرفات تجاه العوالم الأخرى أفضت إلى إساءة الظن بالإسلام والمسلمين، واعتبار أن دينهم يميل للعنف، وأنهم لا يقولون بإمكان التعايش بين الثقافات والأديان، وما كان المتطرفون مسؤولين وحدهم عن هذا الانطباع، لكنهم لعبوا الدور الأكبر في ظهوره واستمراره وتعملقه. وقد عطل ذلك مصالح الأمة لدى العالم، ودفع لوجوه من سوء الفهم والتقدير لدى الجهتين، واستعلت حروب وحروب معتادة ما كان أغنانا عنها لو أن المتشددين عقلوا عن كتاب الله -عز وجل- وقدروا مصالح دينهم وأمتهم في عالم الاعتماد المتبادل والذي ما عاد ممكناً العيش فيه بالعزلة أو بالتفرد.
ليس من حق أحد اعتبار رأيه ديناً يفرض على الناس إتِّباعه، وليس من حق أحد الانفراد بتأويل القرآن الكريم أو السنة المطهرة أو إحلال الحرام أو تحريم الحلال أو استحداث فرائض وواجبات دينية جديدة، فنهج الكلمة السواء، والاعتدال في الدين والتفكير والتصرف، يكون قصد السبيل (قُل هَذِهِ سَبِيِلي أَدعُواْ إلَى اللَّهِ، عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي).

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش