الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إصلاح التعليم يتطلب عملا مؤسسيًا بعيدًا عن العشوائية والبناء على جذور تالفة

تم نشره في الخميس 25 آب / أغسطس 2016. 08:00 صباحاً



 كتبت- نيفين عبد الهادي

 أن نجعل من «التعليم أولوية وطنية»، كما دعت لذلك جلالة الملكة رانيا العبد الله، مسألة تتطلب عملا تراكميا وليس الاكتفاء بمرحلة تعليمية دون الأخرى، بمعنى البدء من مرحلة ما قبل المدرسة مرورا بالصفوف المدرسية كافة، وصولا لمرحلة التوجيهي، ومن ثم للمقعد الجامعي أو لمرحلة ما بعد التوجيهي وفق ما يختاره الطالب.

 الأخذ بمرحلة والتركيز عليها للاعتقاد بأنها أساس الإصلاح لن يقود بأي حال من الأحوال لتطوير أي قطاع، فسياسة الجزر المعزولة تقود لنتائج مفتتة وعشوائية في التنفيذ، وبطبيعة الحال بالمحصلة الفشل في المنتج كون الأساسات تالفة وغير مؤهلة، وهذا ما يحدث حاليا في واقع التعليم محليا بشقيه المدرسي والجامعي، إذ يتم البناء بغالبية السياسات على بناء تالف الجذور من الدور العاشر، دون البدء من الأساس انطلاقا للأدوار التي تليه.

 بناء منظومة تعليمية خالية من أي تشوهات يحتاج الى عدد من المراحل والأساسيات والمتطلبات، على أن يتم الأخذ بجميع مراحلها بحجم كبير من الإهتمام والتطوير لا أن تكتفي سياسات التطوير على مرحلة «التوجيهي» على سبيل المثال دون غيرها من المراحل المدرسية، فاختصار أعوام المدرسة بمرحلة واحدة ، مسألة لن تقود بالمطلق لأي اصلاحات تعليمية، بل على العكس ستزيد من تشوهات السطح والقاع من المشهد برمته .  

اللجنة الوطنية لتنمية الموارد البشرية التي تم تشكيلها تنفيذا لتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني لتقوم بإعداد استراتيجية وطنية شاملة ينبثق عنها خطة تنفيذية للأعوام العشرة القادمة لتشكل نقلة نوعية في قطاع التنمية البشرية، وضعت خريطة طريق لتطوير التعليم بمراحله كافة بدءا من مرحلة الطفولة المبكرة وصولا للجامعة وما بعدها في الجانب الخاص بسوق العمل واحتياجاته، آخذة بالاعتبار تدريب وتأهيل المعلمين وتطوير المناهج ولم تغفل مرحلة التوجيهي، والتعليم التقني وغيرها من التفاصيل التي بحثتها اللجنة من خلال لجان فرعية شكلت لهذه الغاية وصولا لإعداد استراتيجيات لتنمية الموارد البشرية ووضع مجموعة من السياسات الإصلاحية.

 واليوم، ونحن نقرأ واقع المنظومة التعليمية نرى أنها تعاني من فرض واقع الجزر المعزولة، واتخاذ قرارات إمّا تأخذ طابع «الفزعة» لعلاج واقع سلبي واحد بحلول سريعة، وإمّا لأسباب يراد بها جانب اصلاحي إما لنتاج المدرسة أو الجامعة، لكنها للأسف جاءت لتكحّل العين فأدت لعماها!!  ويبرز هذا الواقع ببعض القرارات التي اتخذت مؤخرا من قبل وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي الأداتين التنفيذيتين للتعليم.

  وفي قراءة لتوجيهات جلالة الملكة في الشأن التعليمي نرى في الأمور وضوحا تغيب به الضبابية بالمطلق، فجلالتها تؤكد على ضرورة جعل التعليم أولوية وطنية ومطلبية شعبية مستمرة، باعتباره الاساس الذي يبنى عليه تعزيز الامن والاقتصاد والهوية الوطنية، كما تؤكد جلالتها «أن المجتمع شريك أساسي في صنع التغيير والتطوير المطلوب، معتبرة ان الوقت الحالي مناسب للحديث عن ضرورة تطوير منظومة التعليم، خصوصا مع بداية العام الدراسي، وفترة الانتخابات النيابية»، هي وصفة عملية لواقع التعليم الذي يجب أن يشارك الجميع بتطويره فما بالك إذا تحدثنا عن وزارتين يجب أن تكمّل قراراتهما بعضها البعض.

 مؤخرا، ونتيجة لإرتفاع عدد غير  الناجحين في الثانوية العامة خلال السنوات الأخيرة، ارتأت وزارة التعليم العالي علاج واقع هؤلاء الشباب وحمايتهم من سوء الشارع وأي سلبيات قد تلحق بهم بفتح المجال لهم بالدراسة في كليات المجتمع وحصولهم على دبلوم فني بدءا من العام الدراسي الحالي، 2016 – 2017، والسؤال هنا إذا ما كان الهدف من القرار إصلاح واقع سلبي بكثرة عدد غير الناجحين في الثانوية العامة، هل من شأنه عمليا علاجه أم أنه سيزيد الأمر سوءا؟ .

جلالة الملكة لفتت مؤخرا الى أهمية تعزيز التعليم التقني والمهني، الذي يعتبر من مكونات عملية التنمية والتطوير، مشيرة بهذا الصدد الى فكرة الأكاديمية «الملكية لفنون الطهي» التي أنشئت بتوجيهات ملكية، وقالت جلالتها ..  «ولاقت عند انطلاقتها استهجانا لجهة من سيلتحق بها وماذا ستخرج، لتصبح الآن ذات اقبال من الشباب، في ظل ما وفرته لخريجيها من فرص عمل جيدة» ذلك أن الأكاديمية أنشئت على أسس علمية مدروسة وتجهيزات على مستوى عالمي فنيا بالتالي نجحت وأصبحت تزاحم مؤسسات التعليم العالي الكبرى.

  أن تقرر للطالب غير الناجح مصيرا تعليميا يساويه بالكثير من الشباب الناجحين في التوجيهي ومنهم من حصل على معدلات مرتفعة أيضا لكن لظروف مالية صعبة درس في كلية مجتمع، أن تضعهم في سلة واحدة مسألة تحمل أبعادا حساسة يجب الأخذ بها بعين الإهتمام في ظل أن مثل هذه الخطوة ستعمل حتما على زيادة عدد غير الناجحين في التوجيهي، في ظل وجود مؤسسة تعليم عال ستحتضنه حتى في حال عدم نجاحه، وهذا بطبيعة الحال سيزيد من المشكلة الأم ولن يعمل على علاجها، فلا بد من وجود صيغة للتعامل مع هذا الملف في سياقه هذا، فكثير من الشباب لن يهتم بالدراسة والتحصيل العلمي وهذا سيكون له بعد خطير على جيل يقف له كثير من المترصدين للنيل من فكره وأخلاقه، وعلاج زيادة نسبة الرسوب بالتوجيهي يأتي من خلال علاج الأسباب التي تؤدي لذلك وليس بايجاد حلول هشّة لمن لم ينجح.

 لجنة الموارد البشرية وضعت أرقاما موسعة بهذا الشأن ركزت على مراحل التعليم كافة وليس فقط مرحلة التوجيهي، فكانت أرقامها تؤشّر بشكل واضح على أن الخلل بالنتائج يأتي لأسباب تراكمية، بالتالي فإن الحلول يجب أن تكون مبنية على سنوات وليس على سنة ومرحلة واحدة.

وفي موضوع التخصصات التي حددتها وزارة التعليم العالي للدبلوم التقني، يجب التوقف أمامها مطولا، فهي تخصصات ليست سهلة ويرى مختصون أن من رسب في التوجيهي لا يمكنه دراستها، فقد حددت برنامج دراسي بعنوان «الهندسي» يتم من خلال تدريس تخصصات (تمديدات كهربائية، الأتوترونيكس، الميكاترنكس، الأجهزة الدقيقة والتحكم بالعمليات، الصيانة الكهروميكانيكية العامة، تكنولوجيا السيارات الهجينة، ميكانيك مركبات، نظم تكييف، تكنولوجيا الإنتاج والتصنيع بالحاسوب، هندسة مدنية وعمرانية، تكنولوجيا الطاقة المتجددة، وتخصصات هندسية أخرى تتطلب بالوضع الطبيعي معدّلات بالتوجيهي بحدها الدنى (80%)) اضافة لبرامج الزارعي، الفندقة، الفسيفساء، فنون الطهي ، الفنون التطبيقية،  تقنيات الصوت، المهن الطبية المساعدة (مختبرات أسنان، مساعد طبيب أسنان).

أمام هذه التخصصات يفرض سؤال منطقي نفسه، هل يمكن لمن لم يتجاوز التوجيهي بنجاح أن ينجح بهذه التخصصات الدقيقة والصعبة، أم انها حلول لسلبيات المدرسة بمزيد من السلبيات لما بعد المدرسة

 ولا تقف الإشكالية عند حد صعوبة التخصصات إنما مدى جاهزية كليات المجتمع لها، فهل تملك كافة هذه الكليات القدرة على تدريسها من خلال توفر الكوادر التعليمية من جانب والمختبرات؟ ولنضع عشرات الخطوط الحمراء تحت جملة ( كليات المجتمع كافة) وليس عددا منها او بعضها، حتى تكون الخيارات مفتوحة أمام الراغبين بهذا النوع من التعليم.

محاولات واجتهادات، يجب أن يؤسس لها بشكل عملي حتى نضمن نجاحها، لا أن تزيد من عيوب الواقع وتشوهاته، لنصل لإصلاح تعليمي حقيقي مؤسسي لليوم وللغد ولسنوات قادمة مهما اختلفت الظروف .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش