الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جماليات السرد في رواية أنثى افتراضية

تم نشره في الجمعة 26 آب / أغسطس 2016. 08:00 صباحاً

فوزي الخطبا *



استطاعت الرواية الأردنية منذ منتصف الثمانينات من القرن الفائت أن تحقق تقدما كبيرا في الشكل والمضمون بما حملته من مضامين إنسانية وأبعاد اجتماعية كبيرة وقضايا مصيرية وما شهدته من تحولات واضحة في أساليب السرد برؤية فنية عالية  بعيدة عن التسجيلية، ولا نبالغ إذا قلنا إن الرواية الأردنية الجديدة تكاد تكون قصائد درامية في البنى السردية واللغة الشاعرية وحققت إضافة نوعية في جماليات السرد الذي يعتبر من أهم مكونات النص الإبداعي الروائي.



ولعل رواية « أنثى افتراضية « للروائي فادي الموّاج الخضير جاءت تحمل هذه السمات، فهي لا تروي الأحداث دفعة واحدة بل تقطّع الأحداث من خلال تناوب لوحات الرواية، فقد دخل المواج الرواية بخطى واثقة بما يملك من مهارات وبامتلاكه أدواته الفنية بكل ثقة واقتدار، وتمحورت روايته بين قصتين تسبح أحداثهما في فضاء متخيل وواقع متشظّ بين أحلام وآلام، فعمد الموّاج إلى تقسيم الرواية إلى خمس عشرة لوحة فنية تفضي كل منها إلى غيرها ويربطها السرد الروائي، وجاءت غنية بالحوار المتدفق مستثمرا فيها المونولوج الداخلي استثمارا موفقا كشف من خلاله عما يعتري النفس من آلام وخيبات وأحلام مجروحة ونزيف لا يتوقف.

ولا نستطيع أن نتحدث في هذه المقالة عن كل لوحة فنية بما تحمله من مضامين وأبعاد، ولكننا سنقف عند الرؤية الفنية لبعض هذه اللوحات.

ففي اللوحة الأولى «غارة عاطفية» تبدأ اللوحة برسالة من زاهر تصل صندوق رسائل سناء عبر حسابها الافتراضي فتتنازعها الهواجس حول سر هذه الرسالة (آثرت أن أضع بصمتي أمام عينيك وأترك للصدفة أن تتصرف؛ فأنا من أولئك الذين لا ينظرون إلى جدول مواعيدهم عندما يتعلق الأمر بحاجة روح إلى روح تمسح عنها غبار العزلة) لتدخل سناء في صراع داخلي عنيف حول هوية صاحب الرسالة متأثرة بما حملته مفرداتها من مشاعر مفاجئة (حاولت أن تفك شيفرا هذه الرسالة؛ هذا الغريب لم يطرق الباب ثلاثا، ولم يضغط زر الجرس، اكتفى باختراق صندوقها بمناورة عصية على التصنيف، وجه ما زال بلا ملامح مستقرة، كوجه متسولة تشتري ود البواب بقسماتها. كل ما تدري أن عواطفها تراكمت على شغاف القلب، وحزمة من تساؤلات: لماذا تحمل روحي حقائبها وترحل خلف هذا الغريب؟ هل معنى أن نحس أن نمنح أرواحنا شرعية الترحال؟!).

وفي اللوحة الخامسة «اكسسوارات الموت» تلتقي ميسون في عمان مصادفة بربيع حبيب الطفولة أيام العقبة، ليساندها في مأساة وفاة والدها، ثم يتزوجها، فيعيشا حياة ملأى بالحب قبل أن يكتشفا عقم ربيع.

وفي اللوحة الرابعة عشرة «وهم» تقرر ميسون التواصل مع صديقها القديم زاهر عبر حسابها الافتراضي الذي يحمل اسما مستعارا هو سناء، وترجوه أن يلتقي بها في مكان يتفقان عليه، وعندما تلتقيه يكتشف ربيع أن سناء لم تكن إلا ميسون دون أن يكون يعرف ذلك ولتكتشف ميسون أن زاهر لم يكن إلا ربيع، وكل ما في الأمر أنهما كانا يتواصلان من قبل بأسماء مستعارة دون أن يكون أي منهما يعرف بأن الآخر هو حبيب الروح منذ الطفولة (مفارقة عجيبة أن تكون ميسون الأنثى التي طالما طاردتها باسمك الوهمي عبر عالمك الافتراضي ليزج بها إليك القدر اليوم في مقهى!)، (قطعت على نفسها عهداً ألا تشرب فنجان قهوتها إلا مع نصفها الآخر، وعندما أرادت أن تشربه لهدف نبيل جاءت لتشربه مع نصفها الآخر، في الوقت الخطأ والمكان الخطأ!).

وفي اللوحة الثالثة «مصادفة» تقود مصادفةٌ أمل إلى التواصل مع الدكتور مازن على الرغم من احتفاظها لزوجها محمود بلقب زوجة، لكنها وجدت في مازن مخرجا لعزلتها الروحية التي تعيشها مع زوج يروي جسدها دون روحها.

وفي اللوحة الثانية عشرة «العراف» يمارس أستاذ علم الاجتماع مازن دور عراف لاستكمال عناصر بحثه عن المجتمع الهش، وتسمع أمل بمهارة عراف في اللويبدة لتتوجه إليه تشكوه غياب مازن عن روحها وعن ميدان حياتها في وقت كانت قد وجدت فيه الملاذ لروحها، فيعرف العراف أنها أمل دون أن يمكنها ذقنه المستعار ونظارته من معرفته.

وفي اللوحة الثالثة عشرة «طاقة زهور» تحمّل ميساء صورة بحث الدكتور مازن على حسابها وتشير – بحسن نية – إلى أمل وإلى الدكتور مازن، صديقيها عبر هذا العالم الافتراضي، فتكتشف أمل أن مازن هو العراف وأنه أخفى عنها شخصيته كعراف. ( الدكتور صديق الروح هو العراف ؟! يعني الدكتور كان مرضي وطبيبي ؟!). وبعد ساعات تغيّر أمل صورة صفحتها الشخصية – من حسابها الآخر الذي يحمل اسما مستعارا وكانت تناور من خلاله على مرمى روح الدكتور مازن لتكشف عن مدى إخلاصه لها – فيصل الدكتور مازن إشعار بأنها غيرت صورة صفحتها، فيكتشف أن أسيرة البستان لم تكن إلا أمل.

وفي اللوحة الخامسة عشرة «على قيد الأمل» ترسل أمل رسائلها إلى مازن تخبره فيها أنها « لن تقوى على الاستمرار معه بعد أن اكتشفت أنه يتواصل مع امرأة أخرى حتى لو كانت هي ذاتها من كان يتواصل معها لكنه لا يعرف أن أسيرة البستان هي أمل «، ولن تقوى على الاستمرار مع شخص يكذب عليها وهو يمارس دور عراف عليها، لأن من يكذب مرة يكذب كل مرة.( لم أكن أدري يوم عرفتك أنك قدري، أبحث عنك فيك، وألجأ من غيابك إلى حضورك، وأعيش حضرتك في غيابك، أتعالج بك منك، وأتعاطاك لأتخلص من إدمانك، أتوارى عنك بك، وأرحل منك إليك، لم أكن أعرف أنني وأنا أزحف عنك كنت أزحف إليك، اقترب منك وأنا ابتعد عنك، تعيش قربي في وقت يكويني فيه بعدك، تحدثني بينما أتحدث لك عنك، تعالجني في وقت أتعالج فيه عندك منك، لكنني رغم هذا كله، لم أكن مدركة لما تدركه اليوم وأنت تتواصل مع أسيرة البستان، وتحدثها عن طريقنا الشائك الوعر الذي مضينا فيه، فأنا اليوم أشعر بهدوء يسبق العاصفة، بت لا أخشى شيئا كما أخشى أن أستسلم لقراري بالغياب عنك، أحيانا تراودني فكرة الرحيل عنك، من أجلك أولا، ومن أجل أن تبقى كلمة «سيدة» كلمة نقية طاهرة ليست فرصة للعبث مهما اعتقدنا جازمين أننا لسنا عابثين، وزينت لنا أرواحنا رابطتنا الروحية، ونأت بها عن شبهة العلاقات. آلمتني وأنت تمثل عليّ دور العراف، هذا يعني انك كنت تعرف عذابي في غيابك وأنت تمتلك عصمة الوقت، ومع هذا كنت تتلذذ بإيجاعي...)

لقد كشفت «أنثى افتراضية» عن مقدرة الروائي الفائقة على القبض على ناصية الكتابة السردية بمختلف مستوياتها، بأسلوب عال وبشاعرية شفافة كشفت عن عمق الروائي وثقافته وعن قراءاته المكثفة للأدب العربي والعالمي وبخاصة في عالم الرواية، حتى أن كل عبارة في الرواية تصلح أن تكون نصا أدبيا قائما بذاته، بما تحمل من أبعاد فنية كبيرة.

ولا نبالغ في القول إن قلنا إن هذه الرواية بما تحمله من رؤية فنية متقدمة تؤسس لمرحلة جديدة في الكتابة الأردنية، تستجلي كوامن الشبكة العنكبوتية والكتابة الرقمية بما تمور به من أسرار وقيم وتقنيات ومستويات لغوية، وكأنني بالروائي يريد أن يوظف التواصل الاجتماعي بصورة مضيئة تحمل رسالة هادفة وبناءة، وهذه رؤية الروائي المتفوق يرسم ويستشرف المستقبل برؤية فنية متقدمة ويحافظ على نقاء الروح والقيم النبيلة في المجتمع.

لقد كسر الموّاج السرد الروائي بلغته المكثفة المعمقة الشاعرية التي تغري بالقراءة والتأمل، ويكاد نصه يكون شعرا بما يحمل من صور شعرية عالية ودلالات فنية أخاذة، وقد حافظ على التوازن بين الشكل والمضمون ، فجاء المضمون غنيا في دلالاته وأبعاده، وجاء الشكل متطورا في البنى السردية في عالم الرواية الحديثة،  وجاءت رواية « أنثى افتراضية « تكشف عن قيمة الوجدان الإنساني في استدامة العلاقات الإنسانية بما تحمله هذه العلاقات من أبعاد وقيم إنسانية رفيعة ومشاعر وقادة مصحوبة بأحاسيس دافئة، وتوقظ أسئلة عن العالم الافتراضي وما يحيط به من غموض وأسرار وأبعاد، مما يعلي من وتيرة التشويق في نفس المتلقي. وتكاد الرواية تكون أول رواية تعالج أدوات التواصل الاجتماعي التي تملأ الكون وتجوبه.



* ناقد من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش