الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في قصيدة ولَسْتَ تُبالي لأيمن العتوم

تم نشره في الجمعة 26 آب / أغسطس 2016. 08:00 صباحاً



د. أماني حاتم بسيسو *

هذه مُجَرّدُ إشارةٍ إلى شخصيّةٍ استوقفتني مَليّاً، وكان يحجبني عن مُداولتها خِضَمُّ إنتاجها الشعري والرّوائي، ولكن.. أقدَمتُ بعد تَرَدُّد.

..شاعرُنا إيجابيٌّ في نظرتِه لِما حولَه، حتّى لِلمِحَن التي واجَهَتْه فواجهها، ثمّ جابهها بل وتحدّاها:

مَطيّتي الهَمُّ يسقيني الرِّضا غدَقاً

وهو المُحَرِّكُ أشجاني، وإلهامي

أيُّ سبيلٍ تَخِذه الشاعرُ وسيلةً للسَّفر..إنَّه (الهَم)!!

هذا من ضروب (المُفارَقة) التي تكاد تألَفها وتعتادُها في شعر أيمن العتوم، وهو راجعٌ إلى شخصيَّتِه المُتَمرِّدَةِ الثائرة، الأبِيّة، كيف غدا للـ(هَمِّ) وهو قيمَةٌ سلبيّة أن يَحوزَ تعبيراً إيجابياً: (يسقيني)، (الرِّضا)، (غدقاً)، ويحرّكُ (إلهامي)، والإلهام –في عُرْفِ الشعراء- قيمةٌ إيجابيَّةٌ يُحَبِّذُها الشاعرُ، حتّى إن كان ما يُفجِّرها.. (الأشجان)، وهذا ما يَألَفه الشجاع، بل ويَتُوقُ إليه:

فحُبُّ الجبانِ النَّفْسَ أَورَدَه التُّقى

وحُبُّ الشجاعِ النَّفْسَ أوردَه الحَرْبا. (المتنبي)

وأَمْرٌ آخر حَرِيٌّ أن ننتبِه إليه، (هَمُّ) شاعرنا الذي يُؤَرِّقُه هو هَمُّ جليل، ورسالةٌ عظيمةٌ قام بها الأنبياء من قبل، وخَلَفَها الأقوَمُ فالأقوَم، وهو لا يُبالي –في سبيل الدِّفاع عمّا يُؤمن به وما يهتمُّ به- بأيِّ مُعَوِّق.

ذو العقلِ يَشقى في النَّعيم بِعَقلِه

وأخو الجهالَةِ في الشقاوةِ يَنْعَمُ! (المتنبي)

وإن كنتُ (وحدي) في حربي، فحَسْبي أنني فَطِنْتُ لِما يُراد بي وبأُمّتي، ووصلْتُ إلى ما يمكرون.

وكُلُّ جُرحٍ بقلبي رُحْتُ أَعْزفُه

كعازفٍ في صحارى الليل هَوّامِ

هذه قِمّةُ التَّحَدّي، وغايةُ ما تَصْبو إليه، أن تُحيلَ آلامَكَ لَحْناً تَتَرنّمُ به وتُنشِدُه، وإذ أنشدتَه فلستَ إذن وَحْدَك، لأنّ النَّغَم كفيلٌ بِتَسخير جماهير من النّاس يُصغون لِصوتِك، ويُدَندِنونَ ألحانَك.

وصورةُ العازفِ الهوّام في صحارى الليل تُعيدُ إلى خيال القارئ ذكرى العشّاق المُتَولِّهين في الشعر العربيّ القديم، لكنّ شاعرَنا يَهيمُ بِحُبِّ أُمَّتِه وأفكارِه التي يُناضِل لِأجلها ويَفديها بِرُوحِه، فهو لا يُقاسي مَرارةَ الفراقِ والهَجْر، إنّه لا يُبالي أن يَرصُدَه الموت أين سار لِتَحيا أفكاره:

تَسَلَّلَ الغَيْبُ في عُمْقي فبَعثرَني

إلى شظايا، وأصداءٍ، وأنغامِ

فالذي عمد السّجن والقمْعُ إلى (بعثرته) في حياتِه، أحالَه الشاعر وسائلَ تَخدم تَوَجُّهه، فأفرزت مِحْنَتُه (شظايا) في وَجْهِ مَنْ عاداه، ووجَدَت كلماته (أصداءَ) في قلوب النّاس، واستقامت (أنغاماً) يشدو بها مَنْ لامِسَت قلبَه.

كأَنّما الحَرْفُ مَنْقوشٌ على كفني

ورابِضٌ عند بابِ الموتِ قُدّامي

كان مُتاحاً لشاعر أن يقول: (ورابضٌ عند باب الموت وأمامي) دون أن يَخْتَلَّ الوزْن، لكنّ اختيارَه للفظة (قدّامي) جاء مَقصوداً، فالجَرْسُ الصّوتي لِشِدّة تلاقي القاف بالدّال المُشدّدة جاءَ أَوقَعَ في النَّفس، وأعمقَ أثراً، ولفظةُ (قُدّامي) أكثَرُ جرياناً على أَلْسِنَة النَّاس، تحمل إشارَةً إلى ميزة (التّقدُّم) و(المُقَدِّمة) التي تَسْعى لِلتَعَلُّق بها الرُّوحُ الطَّموح:

إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرومِ

فلا تَقنَعْ بما دون النَّجومِ (المتنبي)

قصيدة: (ولستَ تُبالي....!!!) تَحْمِلُ روحَ التَّحَدِّي في مواجهة الأَلَم الذي سَكَنَ فؤادَ الشاعرِ إثْرَ خيانَةِ مَنْ أَحَبَّ، ويُفْضي إلينا بِسِرٍّ جاشَ في صَدْرِه المجروح، فأقامَ يُبين عمّا يَخْتلِجُ في نفسه، يَعْجَبُ مزيداً من العَجَب لِنَفْسِه التي أَبَتْ أن تترك ما آمنت به وطال جهادُها في سبيل إحرازه، والكلام المَحذوف(....) أَمَرُّ وأقسى من أن يُذكَر، إنّها جراحٌ غائرة، وخياناتٌ غادِرة، ربّما مِن أعزِّ مَن     كان شاعرنا يتأمل فيه.

يَفْتَتِح أيمن العتوم قصيدتَه بِمَطْلَعٍ استدعى إلى ذِهْني قول أبي الطّيّب:

لياليَّ بعد الظاعنين شكولُ

طوالٌ، وليلُ العاشقين طويلُ

فالشاعرُ يتحدّث بنَبرةِ الخطاب، يُخاطب نفسَه ومَن عانى مُعاناته ومَرَّ بتجربته، ومَنْ يُوجّه الخطاب (المُتَحَدِّث) هو المُنْصِف أو عين الحقيقة والبصيرة، و(الظاعنون) (المسافرون) يستعيض عنهم شاعرنا بـ (الصّادقين)، فالصّادقون المُخلِصون هم الذين ارتَحَلوا ومَضوا، فلم يَبْقَ في فؤادِ المَصاب سوى أرضٍ مُقفِرة.

وأنّكَ عِشْتَ الدَّهْرَ حُلْماً مُجَرَّحاً

وحولكَ في ليلِ الحياةِ ذئابُ

فالحياةُ التي طمحتَ لِتَحقيقها، لم تَنَلْ منها إلا (حُلماً مُجَرَّحاً)، حتّى أحلامُك لم تَخْلُ من الجراح والمَكْر والخديعة فيمَنْ كنتَ تظنّهم أقاموا حولك لِحمايتك، فإذا بهم.. (ذئاب)!

يواسي الشاعرُ نفسَه بِخُلقِ (الصَّبر)، ويُلِحُّ عليه إلحاحاً شديداً:

فيا خافقي اصبرْ أيُّ خلْقٍ مُخَلَّدُ؟!

وكُلُّ مآلِ الكائناتِ ترابُ

ويا خافقي اصْبر، إنّ صبرَكَ طَيّبٌ

وما عَزَّ بالصَّبرِ الجميلِ طِلابُ

النَّاسُ يموتون، وتبقى أعمالهم وما قَدّموا من تضحيات يُسَجِّلُها التاريخ، وشاعرنا مُولَعٌ بتكرار اللفظة ذاتها، لقد باتت ألفاظه في حياتِه ذات معنىً يتراحب، حتّى يغدو رَمْزاً.

وما يزالُ شعرُ أبي الطّيّب المتنبي يُلِحُّ على خاطري كلّما داومتُ قراءةَ شعر أيمن العتوم،.. شخصيَّةٌ مُشابِهة، ثارَت على مُعطياتِ الواقع، وأَلْهَمَتْ شاعرنا قولَه:

أمامَكَ دُنيا سَوفَ تُبقيكَ في غَدٍ

نَبيّاً، له المَجْدُ العظيمُ كِتَابُ

ولِأنَّ الشاعرَ يَحْمِلُ هِمَّةَ الأنبياء، ومُوكَّلٌ بمهمَّتِهم تِجاهَ النَّاس، فالشعرُ باقٍ لا يُفنيه موتُ صاحبه، لأنّ الأفكارَ السّديدة خالدة، يموت الكُلُّ لِتَبْقى:

تَبَدَّلَ، إلا اللهُ والشعـــــرُ والهــوى

بقلبي، وضاقت بالوفاءِ صحابُ

وهل ضرَّ قلبي وحدةٌ وتَغَــــرُّبٌ؟

أنا الشمسُ لا يُفني ضيايَ غيابُ

وما دام أمرُ الله في الكون ظاهراً

فكيف يَهابُ الشّعرُ وهو يُهاب؟!

....

وبَعْدُ؟،..

لقد أفرزَ عُمْقُ رُؤيتِكَ، فلسفةً في تَقَبُّلِ مُعْطياتِ الحياة، تُجاوِزُ العُمْرَ المحدودَ للإنسان، إلى حياةِ الفكرةِ التي تُلابِسُ المُدى، وتُلامِسُ أشواقَ الرُّوح وتَرقى به إلى عالم الخلْد الذي لا يَفنى، ويَسْتَغْرِقُ أعماراً فوقها أعمار، وإذ ذاك ... لَسْتُ أُبالي و(لَسْتَ تُبالي....)!



* من ديوان (قلبي عليك حبيبتي)

* أكاديمية وأديبة من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش