الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

انتخاب حركة فتح بالترهيب

ياسر الزعاترة

السبت 27 آب / أغسطس 2016.
عدد المقالات: 1809

انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لأحد قادة حركة فتح، يتحدث في جمع من أبناء الحركة عن الانتخابات البلدية القادمة، ولم يتردد صاحبنا في مطالبة القيادة بإجراءات “ترغيبية وترهيبية.. سمّوها ما شئتم”، من أجل التأكد من تصويت 300 ألف مواطن يقبضون رواتب من الحركة لصالحها “غصبا عنهم وبالكندرة”، كما قال بالنص.

المثير في القصة التي نحن بصددها ابتداءً هو تصفيق الحضور لذلك القيادي حين ذكر “الكندرة”، وهي الحذاء لمن يقرأ ولا يعرف اللهجة الفلسطينية الدارجة، وهو أمر مستغرب بطبيعة الحال، ليس فقط لأن الكلام ينطوي على سوء أدب مع كوادر الحركة ومؤيديها من موظفي السلطة، بل أيضا لأنه ينطوي على قهر وإجبار لا ينسجم البتة مع روحية عملية تسمى انتخابات.

كيف يمكن الحديث عن انتخابات حرّة، والقائد الفتحاوي يطالب بإجراءات “ترغيبة وترهيبية” من أجل دفع موظفي السلطة، ولك أن تضيف ذويهم بطبيعة الحال، للتصويت لصالح حركة فتح في الانتخابات، وماذا لو طالب قيادي حمساوي مثلا بإجراء من هذا النوع، فيما يتعلق بموظفي القطاع العمومي في قطاع غزة؟!

والحال أن هذه الانتخابات، وأي انتخابات برلمانية أو رئاسية لا يمكن أن تكون حرة، وهي تجرى والمسدس مصوّب نحو رأس الشعب، ويُقال له: إما أن تنتخب فتح، وإلا فأنت تختار الحصار؟!

لسنا مع هذه الانتخابات ابتداءً، وقد قلنا إنها محض لعبة لإلهاء الشعب الفلسطيني عن المسار الطبيعي الذي ينبغي أن يختطه لمواجهة الاحتلال، والذي يتمثل في التوحد في الميدان على برنامج للمقاومة، وليس التشتت في منافسة على انتخابات تكرس سلطة في خدمة الاحتلال، وتقدس التعاون الأمني معه. ورأينا الذي كررناه مرارا طوال سنوات، وحتى قبل انتخابات 2006 هو أن تكون هناك إدارة مدنية توافقية للسلطة في الضفة والقطاع، بينما يتوحد الجميع في ميدان المقاومة التي تترك لأهل السياسة. وفي حال تم الاتفاق على انتخابات لإعادة تشكيل قيادة منظمة التحرير بمشاركة الجميع، فلا بأس في ذلك من أجل توحيد القيادة، ولكن قيادة لمنظمة تحرير (نكرر تحرير)، وليس لسلطة تعمل في خدمة المحتل وأمنه، حتى لو قامت بجهد لإدارة الناس، وهو الجهد الذي كان يتكفل به المحتلون قبل أوسلو بموجب القوانين الدولية.

على أن الأهم في هذه القصة هي الأرقام، فأن يكون هناك 300 ألف مواطن يقبضون من حركة فتح أو السلطة بتعبير أدق من بين حوالي 4.5 مليون في الضفة الغربية وقطاع غزة، فهذا رقم مهول ولا يمكن أن يكون  عفويا، لا سيما إذا علمنا أن منتسبي الجهاز العمومي في قطاع غزة لم يعودوا ينتمون في غالبيتهم لحركة فتح كما كانت الحال قبل الحسم العسكري منتصف 2007.

أحد الكتاب الصهاينة كان يطلق على السلطة مسمى “الاختراع العبقري المسمى سلطة فلسطينية”، وهي بالفعل اختراع عبقري جعل الشعب الفلسطيني أسيرا لمتطلباتها، بدل أن يكرّس جهده لمواجهة الاحتلال، وجاءت الانتخابات في 2006 لتكرّس هذا المسار، وتورطت حركة حماس بالمشاركة فيها بعد أن رفضتها في عام 1996، والنتيجة هي أن الكل صار أسيرا للسلطة ومتطلباتها، مع العلم أن الجمع بين السلطة والمقاومة هو وهمٌ كبير، وإذا تمكنت حماس من ذلك بقدر ما (الرد على الغزاة، وليس مهاجمتهم)، فما ذلك إلا لخصوصية القطاع الذي خرج منه جيش الاحتلال بالكامل.

لن نعيد ما ذكرناه هنا عن الانتخابات في مقال الأسبوع الماضي، لكنها وقفة مع منطق غريب، وكشف لحقائق بائسة تؤكد ما قلناه عما وراء هذه الانتخابات من مساعي لتكريس الوضع الراهن، والذي يخدم برنامج الحل الانتقالي بعيد المدى الذي اخترعه شارون، ويسميه نتنياهو السلام الاقتصادي، وها إن جهودا عربية تدفع في تجاه تكريسه عبر لعبة مفاوضات جديدة، ستضيف إلى تكريس البؤس الراهن، موجة تطبيع عربية ربما تتفوق بكثير على الموجة التي أعقبت اتفاق أوسلو عام 93.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش