الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تغير استراتيجيات القوى الكبرى في عالمنا العربي

تم نشره في الخميس 3 نيسان / أبريل 2014. 03:00 مـساءً

عاطف الغمري
يتغير ترتيب الأولويات في استراتيجيات القوى الدولية، وفقاً للتحولات والتغيرات الأساسية، في المناطق الإقليمية، وبالأخص المنطقة العربية، طالما أنها استراتيجية تعمل لخدمة مصالح هذه القوى أولاً وأخيراً .
وعلى سبيل المثال كان الاستقرار الإقليمي في المنطقة العربية، قد ظهر كمبدأ ضمن استراتيجية الرئيس جورج بوش الأب في عام ،1991 نتيجة انتهاء الحرب الباردة، والصراع مع الاتحاد السوفييتي، وخلو ميدان السياسات العالمية للولايات المتحدة، باعتبارها القوة العظمى الوحيدة، في تلك الفترة .
لكن تغيراً في ترتيب الأولويات، أو بمعنى آخر انقلاباً في السياسة الخارجية، قد حدث بمجيء جورج دبليو بوش (الابن) إلى الرئاسة في عام ،2001 منتهجاً ما سماه خبراء أمريكيون بالسياسة الخارجية الهجومية، وابتعاده عن مبدأ الاستقرار الإقليمي، بتأثير مبادئ استراتيجية الأمن القومي الجديدة، التي أعلنها البيت الأبيض في 20 سبتمبر/ أيلول ،2002 والتي تضمنت: سياسة الضربة الوقائية الاستباقية، وتغيير المجتمعات من داخلها، وعدم السماح بقيام قوى منافسة سواء دولية أو إقليمية، ثم التحرك نحو خطة مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي استهدف توسيع الإطار السياسي للمنطقة لتمتد من أفغانستان إلى المغرب، وبحيث تتوه وتتضاءل في إطارها الواسع، قضايا العالم العربي، ومنها القضية الفلسطينية .
في إدارة بوش كان المحافظون الجدد يهيمنون على السياستين الخارجية، والدفاعية، ولأن ما كانوا يعلنونه عن أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة، يختلف تماماً مع أهدافهم الخفية، لهذا ظهر كثير من التناقضات في أداء سياساتهم، خاصة أنهم كانوا مرتبطين كلياً ب»إسرائيل»، وأهدافها في المنطقة، بحكم كونهم «صهاينة» في توجههم السياسي، بحسب الوصف الذي يوصفون به في المصطلحات السياسية في الولايات المتحدة . ولهذا لم يكن منطقياً بالنسبة لهم الكشف عن أن مشروع الشرق الأوسط الكبير، كان يهدف أساساً إلى خدمة «إسرائيل» وتمكينها من المنطقة، بإدخالها ضمن تركيبة عمل منظومة الشرق الأوسط الكبير، وجعلها قوة محورية في هذا المشروع .
ولعل من أبرز مظاهر هذه التناقضات أن بوش أعلن - من ناحيته - أن الإرهاب يتصدر أولويات سياسته الخارجية، وأن أمريكا دولة في زمن حرب على الإرهاب، من دون تحديد قاطع لما هو الإرهاب، ومن ناحية أخرى فهو يتعامل مع الإرهاب من الباب الخلفي . وهو ما كشفت عنه مصادر دبلوماسية أمريكية، من اتصال إدارة بوش بممثلين عن الإخوان المسلمين لتنظيم إيفاد مقاتلين من أفغانستان، إلى ألبانيا والبوسنة، مع قيام الولايات المتحدة بتسليمهم وتمويلهم .
وكذلك ما قامت به وزارة الخارجية الأمريكية بتنظيم مؤتمر في بروكسل عام ،2006 بدعم من المخابرات المركزية، حضرته عناصر من الإخوان المقيمين في أوروبا، وممثلون لمنظمات مثل الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، الوثيقة الصلة بالإخوان، للتنسيق والتعاون بينهما وهو ما دفع كتاباً أمريكيين لرفض هذا التوجه، والكتابة عن علاقة الإخوان بأعمال إرهابية، وبالأخص مع تنظيم القاعدة .
كانت توجهات السياسة الأمريكية التي اعتمدت تراجع مبدأ الاستقرار الإقليمي، من شأنها أن تدفع نحو إيجاد جبهات جديدة للنزاع، دعماً لمبدأ تغيير المناطق الإقليمية من داخلها . وارتبط بذلك تنشيط مفهوم انتقال خط المواجهة إلى الداخل، بما يعني أن مواجهة دول المنطقة للتهديدات الخارجية، لم تعد تتوقف عند خط حدودها الخارجية، بل أصبح هناك زرع واستخدام عناصر تعمل من الداخل، في خدمة استراتيجيات القوى الخارجية، ولعل ما كشف عن التركيز على هذا المفهوم، ما كان قد أفصح عنه دونالد رمسفيلد وزير الدفاع في عهد بوش بقوله: إننا قد نستخدم عناصر خاصة، للقيام بعمليات داخل دول، من دون علم حكومات هذه الدول .
هذا التوجه، تطور بشكل كبير نتيجة تكاثر منظمات شاردة، معادية لأوطانها، ورافضة لفكرة الدولة أساساً، وهو ما جعلها في خدمة القوى الخارجية، حتى ولو لم يكن هناك ترتيب أو اتفاق مباشر بينهما . وهي حقيقة كشفت عنها كتابات عدد من الضباط السابقين في المخابرات المركزية الأمريكية . وكانت أبرز مظاهرة حالياً الانتشار المريب لهذه المنظمات في سيناء، وإعلانها العداء التام، ضد الدولة، وجيشها، وشرطتها، وجميع مؤسساتها . وكان ذلك تأكيداً لمبدأ انتقال خط المواجهة إلى الداخل .
وفي عملية إعادة ترتيب أولويات استراتيجيات القوى الخارجية، كان العالم العربي تحديداً يتصدر بنودها، كونه توجد فيه أهم مكونين استراتيجيين للمصالح الأمريكية وهما: «إسرائيل» والبترول . وهو ما يجعل المنطقة محل اهتمام أساسي، رغم التوجه الاستراتيجي أخيراً للولايات المتحدة نحو منطقة آسيا، نتيجة صعود الصين، وما أحدثه من تغيير جوهري في موازين القوى في العالم . ولعلنا لا نزال نذكر ما كان قد صرح به نيكولاس بيرنز، السفير الأمريكي السابق بمقر قيادة حلف الأطلسي في بروكسل، من أن الشرق الأوسط، سيكون منطقة اهتمام السياسات العالمية، لعشرات السنين المقبلة .
وفي هذا الإطار، يظل مبدأ عدم السماح بقيام قوى إقليمية منافسة، مقصود به مصر، باعتبارها قوة مركزية في المنطقة، وهو وضع يتعارض مع هدف جعل «إسرائيل» القوة المركزية المحورية في المنطقة . وهو ما كانت قد تحدثت عنه أقطاب حركة المحافظين الجدد بصراحة، بقولها إنّ تحقيق هذا الهدف يحول دون وجود مصر دولة قوية مؤثرة .
ولأن «إسرائيل» ليست مجرد دولة صديقة للولايات المتحدة، لكنها حليف استراتيجي، وإنها في حساباتها تعد مصلحة استراتيجية أمريكية، لهذا تشتد الحملة على مصر، خاصة بعد أن لاحت بوادر إمكانية صحوة وتقدم في مصر . وفي هذا تطبيق لمبدأ إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، بالابتعاد عملياً عن واقع علاقات متبينة مع مصر .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش