الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لماذا نكتب القصّة القصيرة في «زمن الرواية»

تم نشره في الجمعة 4 نيسان / أبريل 2014. 03:00 مـساءً

هشام البستاني

القصة، أقرب إلى كونها «نص كتابة»: لا تمتلك وجوداً واحداً، بل هي توجد في كل حالة أو نسخة ممكنة من التأويل أو التخييل أو التهويم، بحسب كلّ قارئ، وبحسب عمق كل قراءة.

هل ما ينجح مبيعاً وانتشاراً يعني بالضرورة نجاحه وتفوّقه الفنيّ؟

في ورقة قدّمها ضمن فعاليات مؤتمر جمعيّة النقاد الأردنيين عام 2008، يذهب الناقد العراقيّ عبد الله إبراهيم إلى نفي أن تكون القصة القصيرة جنساً أدبياً مستقلاً بذاته، بل يقول باستحالة ارتقائها إلى «رتبة النوع القابل لتحوّلات حقيقيّة...كما نجد ذلك في الرواية،» وهو يعتبر القصة القصيرة شكلاً سردياً ثانوياً مُغلقاً، مضيفاً أن الأدب لم يعد يحتمل «الحكاية المتخيّلة القصيرة المغلقة، لأنه انخرط في البحث، والتقصّي، وتمثيل المشكلات السياسيّة، والاجتماعيّة، والدينيّة،» ويزيد على أن محاولة الانفتاح في القصّة «ستجعل منها مشهداً سردياً في نصّ روائي.»
بينما يقول الناقد فخري صالح في مقدمة الكتاب الذي جمع أوراق المؤتمر ذاته، أن القصّة صارت «نوعاً أدبيّاً هامشياً،» وأن وضعها «يدعو إلى التساؤل،» وأنها «أخذت في التراجع واحتلال الصفوف الخلفيّة» مقابل أن «الزمن أصبح زمن الرواية لا زمن القصة القصيرة، وتوجّه اهتمام القرّاء الى الرواية كنوع يحتلّ الصدارة في النشر والتوزيع،» في رجع صدىً لما ذهب إليه جابر عصفور حين وصف الحقبة كلّها بأنها «زمن الرواية».
في هذه الورقة، سأخضع هذه المقولات وأشباهها للنقد، وسأحاول الإجابة عن الأسئلة المركزيّة المتعلقة بماهيّة القصّة، ولماذا نكتبها، ولماذا نكتبها اليوم، ولماذا تنتشر الرواية وتتصدّر المشهد الأدبي بينما تتراجع القصّة والشعر إلى مراتب أقل في الانتشار والنجوميّة، وسأحاول في النهاية تقديم عرض للاتجاهات الجديدة أو المعاصرة في كتابة القصة وتطوّراتها.
ما هي القصّة القصيرة؟
القصة القصيرة تحدٍّ جماليٍّ كبير وأدبي كبير: جغرافيا ضيّقةٌ يُصنع فيها تاريخ طويل بشكل توسّعي متسارع يشبه الانفجار الكبير، ومساحة محدودة ثلاثية الأبعاد ينبغي للكاتب أن يصنع فيها عوالمه وشخصياته بأبعاد الفيزياء المعاصرة الإحدى عشرة، مُحققاً الإدهاش أو التأمل أو كليهما في ذات الوقت. لذلك فهي فنٌّ صعبٌ يتطلب حساسيّة عالية، مضافاً إليها إمكانيّات التكثيف والاستعارة والكتابة المتعددة الطبقات، والتوظيف غير المبتذل أو المستهلك للمفارقة. القصة القصيرة لا علاقة لها بالتقاط «مشهد» كما يُقال، بل هي تفجير المشهد وإعادة إنتاج عناصره.
القصة القصيرة ليست تسجيلاً لـ»لقطة»، تلك مهمة الصحفي لا الأديب، الأديب ينفذ من اللقطة إلى عوالم وطبقات متعددة. القاص لا يسجّل، بل يسبر الأعماق والإمكانات والتشعبات.
بتميّز عن شقيقاتها من فنون السّرد، تفتح القصة القصيرة مجالاً أوسع للاشتباك مع الأجناس الأدبية الأخرى، وفي مقدّمتها الشعر -ابن عمّها الأقرب منها كثيراً، برأيي، من شقيقتها الرواية-، بالإضافة إلى سهولة إدماجها أو استعمالها في الأنماط الكتابيّة التجريبيّة أو الهجينة. وتجنح القصّة إلى تحفيز التخييل عند المتلقي، وتعمل على إشراكه في النص، أو لنقل: صناعة النص. وإذا كان النص مُلكا للمتلقيّ، أو «يَخلقه» المتلقّي -بالمعنى الفرديّ المحض، أو بمعنى الفرد المتشكل داخل الجماعة أو المجتمع، بحسب فيرديناند دي سوسير وستانلي فِش-، فإن القصة تقف متميّزة في هذا المجال من حيث قدرتها على دفع القارئ إلى الشراكة في النص وتخليق ما بعده (ما بعد النص)، وينطبق عليها ما يسميّه أُمبرتو إيكو: «نظام التعبير/الترميز المرن» (flexible system of signification) حيث «يعتمد وجود النص نفسه لا على مجرّد التأويل الحرّ فقط، بل وأيضاً على التوليد التعاضديّ (cooperative generation) من قبل المتلقّي.»
قام رولان بارت (الذي أنبأنا في مقاله الشهير عام 1967 بموت المؤلف بصفته سيّداً على النص، وقيامة القارئ بصفته فاهماً ومؤّلاً للنص وبالتالي خالقاً له) بتصنيف النصوص في نوعين بحسب درجة إشراكها للقارئ: «نص القراءة» الذي لا يترك للقارئ سوى حرية رفضه أو قبوله، والذي يكون فيه الكاتب «مُنتجاً»، والقارئ «مُستهلكاً خاضعاً»، والكتابة «انعكاساً للعالم الحقيقي (الواقعي)»؛ و»نص الكتابة» الذي يدعو القارئ إلى المشاركة الفعّالة فيه، وإلى المشاركة في بناء الحقيقة (الواقع). القصّة بعوالمها المكثّفة والموحية وبأعماقها المستنبطة ودلالاتها المتعددة المسكوت عنها تندرج ضمن النوع الثاني (نص الكتابة)، بينما تندرج الرواية بعوالمها المتكاملة، الموسّعة، البطيئة النموّ والتشكّل، والمكتملة الاستواء، في النوع الأول.
يخبرنا عالم الرياضيات والفيزياء البريطاني ستيفن هوكنج في كتابه «التصميم العظيم» كيف أن مجلس مدينة مونزا في إيطاليا منع مالكي أسماك الزينة من وضعها في أحواض كرويّة، لأن من شأن ذلك أن يقدّم لها صورة مشوّهة عن الحقيقة (الواقع)، حيث يعمل سطح الحوض الزجاجي الكروي كعدسة تعيد إنتاج العالم الخارجي بشكل مغاير في عينيّ السمكة. ويسترسل هوكنج بعدها، وعلى مدار فصل كامل عنوانه «ما هي الحقيقة (الواقع)»، ليشرح أن منظورنا للكون ليس أكثر حقيقيّة من منظور سمكة الحوض الكروي، وأن المنظورين متساويان في «الحقيقيّة» خاصّة وأن باستطاعتنا وضع نظريّة تصف العالم -من داخل الحوض- كما يُرى -من داخل الحوض-، ويخلص إلى القول بأنه «لا يوجد مفهوم للحقيقة (الواقع) مستقل عن الصورة التي نمتلكها عنها أو النظرية التي نفسّرها بها.» ويختم هوكنج الفصل بإيراد قاعدة هامّة وأساسية من قواعد الفيزياء الكمومية المعاصرة، وهي قاعدة «التواريخ المتعددة» أو «مجموع التواريخ» للحدث الفيزيائي، وهي تفيد بأن الكون (أو أي حدث فيه) لا يمتلك وجوداً واحداً أو تاريخاً واحداً فحسب، بل إنه يوجد -وبشكل متزامن- في كل حالة أو نسخة أو تاريخ ممكن.
قدّمتُ هذه المقاربة الفيزيائية لأربط بينها وبين مقولات بارت حول حول أنواع النص، فالرواية وعلاقتها بالقارئ الأقرب إلى «نص القراءة»، تشبه منظور حوض السمكة للعالم، (أو منظورنا نحن للعالم خارج الحوض): منظور أحاديّ مرتبط بـِ، وغير مستقل عن، الصورة التي تقدّمها الرواية ككلّ متكامل. أما القصة، فهي أقرب إلى كونها «نص كتابة»: لا تمتلك وجوداً واحداً، بل هي توجد في كل حالة أو نسخة ممكنة من التأويل أو التخييل أو التهويم، بحسب كلّ قارئ، وبحسب عمق كل قراءة.
كنتُ -في مقابلة مع مجلة «وورلد ليتريتشر توداي» عام 2012- قد أشرت إلى هذه العلاقة الوطيدة بين القصة القصيرة (وتحديداً: القصة القصيرة جداً) وفيزياء الكم. فيرنر هيرتزوج، أحد أبرز الفيزيائيين في القرن الماضي وأحد أعمدة الفيزياء الكموميّة وواضع مبدأ اللايقين (the uncertainty principle)، يقول: «إن الذرّات والجزيئات الأوّلية نفسها غير حقيقيّة، بل هي تشكل عالماً من الإمكانات والاحتمالات بدلاً من عالم من الأشياء والحقائق.» تلك المقاربة أراها تنطبق على القصة القصيرة التي تعمل على الاشتباك مع القارئ وتوليد عوالم من الامكانات والاحتمالات. كارل بوبر -أحد أهم فلاسفة العلوم- كان يقول: «نحن لا نعلم [على وجه اليقين]: بإمكاننا أن نحزر فقط.»هذا ينطبق أيضاً على القصة القصيرة التي «لا تعلم»، لكنها تعمل على فتح المساحات والفضاءات، بدلاً مصادرتها.
فرانك أوكونر، القاصّ والناقد الأيرلندي، يقول مثل هذا الكلام بطريقته الحاذقة في كتابه الهام «الصوت المنفرد [المتوحّد]» الصادر عام 1963. فهو يرى أن صوت الرواية هو «صوت المجتمع»، أي صوت تسجيليّ، بينما صوت القصة القصيرة هو «صوت الفرد»: صوتٌ مستوحشٌ متأمّل يعبّر عن موقف من، أو قراءة في، المجتمع أو الحدث الذي يقاربه الكاتب. ويرى أوكونر أن الرواية «فن تطبيقي»، بينما القصّة القصيرة «فن خالص»، تتناول موضوعها بشكل «رأسي» أو عموديّ - وهذا يحيلنا إلى ما قلته حول العمق وتعدد المستويات والدلالات في القصة-، بينما تتحرّك الرواية بأفقيّة. ويؤكد أوكونر أن عنصر الزمن لدى الروائي «يشكل قالباً جوهرياً من حيث النمو التاريخي للشخصية أو الحوادث»، لكن هذا العنصر غير جوهريّ على الإطلاق للقاص، لأن القاص غالباً ما يختار «زاوية رؤية» للنظر إلى حادثة واحدة «تسع الماضي والحاضر والمستقبل» معاً، وهو أمرٌ يحيلنا إلى التاريخ ذي البعد أو الاتجاه الواحد، والمنظور الأحادي للحقيقة (الرواية)، مقابل الوجود المتزامن في كل حالة أو تاريخ ممكن (القصة).
الفرق بين الرواية والقصة القصيرة -بحسب أوكونر- ليس فرقاً في القالب (الطول والقصر)، بل هو فرق «أيديولوجي» من حيث أن الرواية ترتبط بالفكرة التقليدية «عن المجتمع المتحضر وعن الإنسان بوصفه حيواناً يعيش في جماعة»، بينما ترتبط القصة بما يسميه أوكونر «الجماعات المغمورة»، أي المأزومة والمتوتّرة والهامشيّة والمضطهدة والمعزولة، التي تعاني من الضغوط الاجتماعية (البغايا عند موباسان، المثقفون من أطباء ومدرسين عند تشيخوف، الموظفون عند جوجول)، وهذه الجماعات تتكاثر في المجتمعات الحافلة بالمتناقضات والتعقيدات الاجتماعية، لهذا ازدهرت القصة في روسيا وأيرلندا وأميركا حيث تتوافر هذه التناقضات، بينما فشلت إنجلترا -وهي مهد الرواية- في تقديم قاصّين عظام لأن المجتمع الانجليزي مستقر نسبياً ويتمتع أفراده بثقة عالية بالنفس. يقول أوكونر: «يوجد في القصة القصيرة ذلك الإحساس بالشخصيات الخارجة على القانون والتي تهيم على حواف المجتمع.. ويوجد ضمن الخصائص الغالبة للقصة القصيرة شيء لا نجده كثيراً في الرواية: إنه الوعي الحاد باستيحاش الإنسان.» هكذا نفهم من أوكونر أن الرواية ترتبط باسترخاء الكتابة، بينما ترتبط القصة القصيرة بتوتّرها.

لماذا نكتب القصّة القصيرة،
 ولماذا نكتبها الآن؟
ليس من عالم غارق في الاستيحاش والوحدة أكثر من عالمنا المعاصر الآن: الاستهلاك يدفع الأفراد والمجتمعات دفعاً إلى الغرق في قوقعة الأنانيّة الخاصة، وبينما نشهد «ثورة» في عالم الاتصال، نشهد بالمقابل «ثورة مضادة» ناتجة عنها تتعلّق بالعزلة والانعزال داخل عوالم افتراضية محشورة في أجهزة الكترونية، وعزلة وانعزالاً أنانيّاً ناتجة عن مجتمع التنافس.
ليس من عالم موغلٍ في الخراب والاضطراب والتدمير الذاتي أكثر من عالمنا المعاصر الآن: بانفجاره السكاني، بحروبه ومجاعاته، بانهياره البيئي، بمذابحه واحتلالاته. مثل هذا العالم يمتلئ بجماعات أوكونر المغمورة، ويمتلئ بالمأزومين والمتوتّرين والهامشيّين والمضطهدين، الخارجين على القانون الهائمين على حواف المجتمع.
هذا هو عالم القصة القصيرة المثالي، من حيث هي أداة متميّزة فنيّاً وإبداعياً على مقاربة مثل هذا العالم. نعود إلى أوكونر مرّة أخرى: «الرواية بالضرورة هي نسقٌ من توحيد الهويّة بين القارئ والشخصيّة، ولا بدّ أن يمثّل واحد على الأقل من شخصيّات الرواية القارئ في بعض نواحي فكرته عن نفسه، وعمليّة التعرّف هذه تقود دائماً إلى بعض الأفكار عن مفهوم الحياة السويّة وبعض الصلات مع المجتمع ككل... وبدون فكرة المجتمع السويّ، فإن إنتاج الرواية غير ممكن،» أما في القصّة «[فـ]لا يوجد قالب اجتماعيّ يستطيع المرء أن يرتبط به ويعتبره مجتمعاً سويّاً.. القصّة القصيرة لم يحدث أن كان لها بطل قط، وإنما لها بدلاً من ذلك مجموعة من الناس المغمورين.»
عندما ننظر إلى مجتمعاتنا المعاصرة المفككة، خصوصاً في بلدان الجنوب والكثير من بلدان الشمال، سنرى كم أن هذه المجتمعات هي أبعد ما تكون عن «المجتمعات السويّة»، وسنفهم كيف أن الرواية تشكل إنتاجاً للمخيال الرومانسي: العالم الذي يصنعه الروائيّ بديلاً عن أو موازياً أو انعكاساً للعالم الواقعي، بينما تذهب القصّة إلى منطقة الاصطدام.
بعد كل هذا الكلام عن تميّز القصّة القصيرة وراهنيّتها، بل وضرورتها، لماذا فقد هذا الفن الكتابيّ مركزيّته التي كان يتمتع بها، وصار هامشياً أمام اكتساح الرواية؟
الرواية، أو الكتابة بصفتها وحدة استهلاكية سلعيّة.
مقاربة الرواية في ورقة موضوعها الأساسي: «القصّة القصيرة»، ليس أمراً اعتباطياً لاعتبارين: الأول هو أن كلا الجنسين ينتميان لجذر «السّرد»، وإن تشعّبا عنه ليصيرا نوعين مُستقلين، ولكن يظلّ ذكر الواحد منهما يستدعي الآخر حتى على مستوى التعريف مثلما يحصل في كتاب فرانك أوكونر الذي ذكرته سابقاً، وهو كتاب عن القصة القصيرة، لكنه -ولإيضاح مقولاته الرئيسية- يستند دائماً على مقارنات مع الرواية؛ الثاني هو أن القائلين بأهمية الرواية ومركزيّتها في عصرنا الحاليّ يدلّلون على مقولتهم هذه بـ»هامشيّة القصّة القصيرة» وأفول عصرها.
طبعاً لن يستطيع أحد إنكار حجم اهتمام القرّاء والنقّاد والناشرين بالرواية، ولن يستطيع أحد التعامي عن نسب المبيعات الأعلى التي تحققها الرواية عموماً، وهنا سأطرح سؤالين لأجيب عنهما: لماذا نجحت الرواية في الانتشار؟ وهل ما ينجح مبيعاً وانتشاراً يعني بالضرورة نجاحه وتفوّقه الفنيّ؟
تنتشر الرواية لأنها أيسر أنواع الأدب على المتلقّين. وبخلاف القصة القصيرة والشعر اللذان يعتمدان على التكثيف والرمز وتعدد المستويات الدلالية والتخييل والايحاء والاستبطان ودفع القارئ والمتلقّي إلى إرهاق نفسه في توليد الصور والأخيلة والإمكانات والاحتمالات التي يستنبطها بنفسه ضمن مساحة أفقية محدودة من الصفحات والأحداث والشخصيات، وفي سياق زمنيّ مندغم أو متفجّر؛ تفرد الرواية نفسها على مهل، وعلى صفحات كثيرة، وتبنى فيها الأحداث والشخصيات وتنضج ببطء، وتبنى العلاقات بين الشخصيات الرئيسية والفرعية وبين الأحداث الرئيسية والفرعية بمنطقيّة، وتبنى أيضاً العلاقات بين الشخصيات الروائية والقارئ على مهل وضمن سياق زمنيّ أطول -نسترجع هنا ما أورده أوكونر حول «توحّد الهويّة» بين القارئ والشخصيّة الروائية، وانعدام ذلك في القصّة-. وتلتزم الرواية بتراتبية زمنية أقرب إلى المنطقية أو الحتميّة حتى ولو استعملت فيها تقنيات الاسترجاع أو القفز في الزمن، فلا بدّ من العودة دائماً إلى السياق الكرونولوجيّ الأساسي العام للحكاية والذي يسير باتجاه واحد إلى الأمام.
ولعل المقولة المقتبسة عن الروائي الأميركي توم كلانسي تقدّم لنا تكثيفاً عن الرؤية الروائية: «الفرق بين السرد المتخيّل والواقع؟ السرد المتخيّل يجب أن يكون منطقيّاً.» هذا منطق الرواية وليس منطق القصّة أو الشعر.
كل ما ورد من تقنيّات الرواية، يُسهّل فعل التلقّي، ويزيد من جرعة التشويق (الرغبة في معرفة ما سيلي من أحداث). ولأن الرواية أطول، فالقارئ يقضي زمناً أكثر معها ومع شخصيّاتها مما يسهّل أيضاً ارتباط المتلقّي بالشخصيّة/ الشخصيّات، وتأثره بها، وتذكّره لها (على مستوى الوعي المباشر)، وهذا لا يتحقّق في القصّة القصيرة إلا في نصوصها الطويلة مثل «المعطف الثقيل» لنيكولاي جوجول الذي سيتذكر من يقرأها أكاكي أكاكييفتش ومأساته مع معطفه الجديد، أو جريجور سامسا الذي مُسخ صرصاراً في قصّة فرانتز كافكا: «التحوّل».
النصوص الأقصر لا تعلق شخصيّاتها ولا أحداثها في الذاكرة المباشرة، لكنّها تعمل على مستويات الوعي الأعمق. فمن -مثلاً- سيتذكر أية شخصية من شخصيات كتاب إيتالو كالفينو القصصي «المدن اللامرئية»؟ باسثناء ماركو بولو (الراوي) وقبلاي خان (المستمع) اللذين لا دور لهما على الإطلاق في قصص الكتاب الخمسة والخمسين القصيرة جداً، لا توجد شخصيات على الأطلاق، فأبطال القصص مدنٌ متخيّلة. لكن قوّة هذا الكتاب القصصي الصغير، وتأثيره العميق من خلال حفره في العلاقة بين الإنسان والبيئة والمكان، وتحفيزه للخيال الفراغيّ، واشتغاله على تخييل الأبعاد الجيوميتريّة، حوّلته إلى علامة من علامات الأدب، ومقرّراً في أغلب كليات الهندسة المعمارية في أوروبا والولايات المتحدة. لن يستطيع «جمهور القارئين الواسع» أن يبني علاقات شخصيّة مع مثل هذا الكتاب، وربما لن «يتشوّقوا» لقلب صفحاته أبداً.
العوامل التي تجعل من الرواية الجنس الأدبي الأكثر قرباً من القارئ لم تغب عن صناعة النشر وهي -مثلها مثل صناعات العالم الرأسمالي الأخرى- تبحث عن الربح، وتبحث عن إيجاد «سلعة» للاستهلاك الواسع والجماعيّ. انتبهت صناعة النشر إلى أن الرواية في إطارها العام وجبة كتابية أسهل للهضم، وبالتالي ثمة إمكانية لتحويلها الى وحدة استهلاكية ذات انتشار أوسع. هكذا صارت الرواية -من حيث هي أكثر الأجناس الأدبيّة سهولة للاستهلاك القرائيّ وبالتالي أقدر الأجناس الأدبية على الانتشار الواسع-، الابنة المدللة للناشرين، وتحوّلت بإمكاناتهم إلى «السلعة الأدبية»، وفردت لها مساحات الترويج الصحفي والإعلان والنجوميّة والجوائز، وخصصت لها الصفوف الأولى في معارض الكتب والأنشطة الملحقة بها، وهذه كلّها وسائط يتحكّم بها الناشر وصناعة النشر.
ولحق كثرةٌ من النقّاد -بشكل مباشر أو غير مباشر- بذلك القطار، مع ما حصل من تسطيح للنقد وتحويله إلى كتابة انطباعية مجاملاتيّة: ففي عالم الترويج، لا مكان للنقد العميق؛ والكتابة عن الرواية مطلوبة، ويضمن بها الناقد «نجومية» -أقلّ- من خلال نجوميّة الرواية، وقد يُستدعى الناقد للتحكيم في جوائز الرواية الكثيرة، أو يُدعى إلى مؤتمرات وورشات وندوات الرواية التي لا تنتهي، وهذه كلّها مدفوعة الأجر وتحقق شيئاً من المنفعة المالية إضافة إلى «النجومية».
كل تلك العوامل تضافرت بشكل تعاضديّ وتراكميّ في سلسلة من التغذية الذاتيّة المستمرّة لترويج الرواية والروائيين أكثر فأكثر: الدعاية والترويج والصحافة والجوائز المالية والمعارض والمؤتمرات والنجوميّة والترجمة وتحويل النصوص الروائية إلى أفلام ومسلسلات تدرّ المزيد من الأموال والنجوميّة (أو تحفّز الحلم بها). هكذا اندفع قصّاصون وشعراء إلى الهجرة إلى الرواية وإهمال ما كانوا يشتغلون به قبل صعود أرض الأحلام الجديدة تلك، بل عكف كثير ممن لا يملكون لا الموهبة ولا الحرفيّة ولا أدوات الكتابة البسيطة إلى اقتراف الرواية، لعل وعسى أن تضيء نجمة الحظ، وفي حالة البعض: أضاءت.
ولا علاقة للنجاح التجاري للرواية بالحرفيّة الأدبية، بل قد نلمس العكس في كثير من الحالات، فالروايات الناجحة تجارياً كثيراً ما تكون ضعيفة فنيّاً، مثل روايات أحلام مستغانمي المختلفة، و»بنات الرياض» لرجاء الصانع، و»أحببتك أكثر مما ينبغي» لأثير عبد الله النشمي ورواياتها اللاحقة؛ فيما قد تنجح روايات أخرى من خلال قضايا غير إبداعية تحمل الكتابة على ظهرها، مثل القضية الفلسطينية، أو المأساة السوريّة، أو المنع والمصادرة، أو جنس الكاتب، أو علاقات الكاتب العامة وقدرته على ترويج نفسه بوسائل الترويج المختلفة.
«زمن الرواية» لا يعني -والحال هكذا- أن الرواية «متفوقة» بالمعنى الجمالي أو الوظيفي، ولا يعني أنها الجنس الأدبي الأكثر شرعية في حقبة زمنيّة ما هي عالمنا المعاصر، لكنّني لا أبتعد كثيراً عن الواقع إن قلت أنه يؤشر على أمرين هامّين:
1-أنه زمن الرضوخ لطلب المستهلك (القارئ) المتعلّق بالتشويق وتمهّل البناء والتسلسل والارتباط العاطفيّ بالشخصيات أو التمثّل بها. يعلّق الكاتب ستيفن آر لَندِن على جملة توم كلانسي السابقة: «وحتى يكون السرد المتخيّل منطقيّاً، على المؤلف أن يكتب كقارئ» أعتقد أن هذا التعليق يلخّص الأزمة.
2- أنه زمن الادّعاء والبحث عن النجومية والسعي للتكسّب المالي، وهو أمر ينسحب على كثير من جوانب الحياة الأخرى وعلى رأسها السياسة والعلاقات الاجتماعية.
اتجاهات تطوّر القصة
 القصيرة العربية ومستقبلها
خلال ملتقى عمّان الثاني للقصة القصيرة (أيلول 2010)، طالب روائيون ونقّاد بفكّ الاشتباك بين القصة والشعر، وتنظيف القصة من اللغة الشعريّة، واعترضوا على مساحات التجريب في القصة، واعترضوا على «القصة القصيرة جداً»، ودعوا للعودة إلى لغة متقشفة في الكتابة، وضرورة وضع «ضوابط» للقصة ورسم حدود واضحة ومحددة للنوع القصصي. كان هذا ما سمّيته في مقال لي نشر حينها: محاولةً لـ»قتل» القصة القصيرة، وأدى إلى سجال أدبي صار نادراً هذه الأيام مع الصديق القاص المخضرم محمود الريماوي.
في البيولوجيا، تعتبر قدرة الكائن على التطور أو عدمها، واحدة من السمات الاساسية التي يتم من خلالها تعريف ما هو «حيّ» وما هو «غير حيّ». لكي يصنّف الكائن «حيّاً»، ومن ضمن خواص أخرى، عليه أن يمتلك القدرة على التطور. الكائن الذي لا يمتلك القدرة على التطوّر، لا ينظر إليه بصفته كائناً حيّاً. يصبح «غير حيّ»، أو ميّت. التجريب والتجديد في الشكل والموضوع هو الآلية الوحيدة لتطوّر القصة القصيرة. ولذلك فإن الكتّاب والنقّاد الذين يطالبون بالتوقف عن التجريب وإلغاء أدواته، يُلغون أدوات تطور القصة، وبالتالي يلغون أحد أهم سمات حياتها واستمرايتها، وبالتالي يقتلونها.
الكتابة التي تسمى الآن «كلاسيكية» لم تكن عند ظهورها كذلك، بل كانت كتابة جديدة. في اللحظة التي تنضج فيها الكتابة الجديدة وتستنفد إمكاناتها، تصير «كلاسيكية»، ويصير من الضرورة تجاوزها لبقاء النوع الأدبي واستمراره. وكما أن تطور الأنواع البيولوجية واندثارها لا يخضع لقصدية ما، فإن ذلك ينطبق تماماً على تطور واستمرارية أو اندثار الأنواع الادبية، فهو أيضاً لا يخضع لقصدية ما، بل يخضع لصيرورة تطوريّة تجعلها قادرة على الاستمرار، أو تكون عاجزة عن التطوّر فتندثر مثلما اندثرت العديد من الأنواع البيولوجية. الانواع الأدبية التي انقرضت لم تخضع لعملية إعدام ما في لحظةٍ ما على يد شخصٍ ما، بل تدهورت على مسار انعدام تطوّرها الى أن اندثرت. التنظير ضد امكانيات وآفاق التجريب في القصة سيحرمها من أهم أدواتها التطورية، وسيقتلها.
بعيداً عن بدايات القصة القصيرة في العالم العربي (من أول من كتبها وأين أوّل ما ظهرت)، سأبدأ مما أعتقده نضوجاً كبيراً في قصتين مبكرتين لدى شحاته عبيد («الغيرة العمياء»، 1922) ومحمود طاهر لاشين («يحكى أن..»، 1925)، وكلاهما من مصر، خصوصاً من حيث الشكل والبناء والفكرة، وكأنهما مكتوبتان اليوم، وأعتقد أن مثل هاتين القصّتين كانتا مقدّمة لظهور أستاذي القصة القصيرة «الكلاسيكيّة» في مصر: نجيب محفوظ ويوسف إدريس. أعتقد أن مثل هذه القصص المدهشة المبكرة كان لها تأثير مشابه لتأثير القاصّ البرازيلي «ماشادو دي أسيس» (1839-1908) «الأكثر حداثة من معظم الحداثيين أنفسهم» (برأي جاك شميت ولوري إيشيماتسو، ونحن نتحدث هنا عن قصص كتبت نهاية القرن التاسع عشر) على صعود الكتابة الغرائبية المميّزة لأميركا اللاتينية، ومعلّمها الأول القصّاص خورخي بورخيس (1899-1986) الذي أثر بدوره -وبعمق- على كتاب تلك القارة اللاحقين؛ أو تأثير القاص الروسيّ العظيم نيكولاي غوغول (1809-1852) الذي قيلت فيه عبارة: «كلنا خرجنا من معطف جوجول» المنسوبة حيناً إلى تيرجنيف وحيناً إلى دوستويفسكي، والإحالة هنا طبعاً إلى قصة جوجول الشهيرة «المعطف الثقيل» ومنجزه القصصي بشكله العام.
الشكل «الكلاسيكي» الخاص بالكتابة القصصيّة في مصر لم يجد منفذاً تطوريّاً رغم حفاظه على مستواه العالي على يد قصّاصين من أجيال مختلفة (مثل خيري شلبي وسعيد الكفراوي)، بينما كان الكتاب خارج مصر أكثر انفتاحاً على التجريب فانتقلت «أستذة القصة القصيرة» إن جاز لنا التعبير إلى كتّاب خارج مصر مثل زكريا تامر وحيدر حيدر في سوريا، ومحمد زفزاف في المغرب، ومحمد خضيّر في العراق، الذين قاربوا الكتابة القصصية بأساليب جديدة مبتكرة اعتمدت على الفانتازيا والتخييل، وعلى مقاربة مواضيع القمع والاضطهاد والأزمات الاجتماعية والسياسية من زوايا جديدة تختلف كثيراً عن زوايا الرؤية المعروفة في المدرسة الواقعية.
في الثمانينيات ظهر في مصر قاصّ أستاذ ومجدّد اسمه محمد المخزنجي، امتاز بحساسيّة مغايرة، وترك علامات أسلوبيّة في الكتابة القصصية أسّست لكتابة جديدة «تجاوزيّة» للواقعيّة الكلاسيكيّة التي طبعت الكتابة في مصر؛ وتحرك نجيب محفوظ نفسه (وهو الذي ختم حياته قاصّاً بست مجموعات قصصيّة) إلى مواقع تجريبية  عندما قدّم عام 1995 كتاباً رائعاً في القصة القصيرة جداً والكتابة الهجينة هو «أصداء السيرة الذاتيّة»، وهو ما يشير إلى انزياح نجد صداه اليوم في اتجاهات كتابية جديدة وطازجة هناك.
القصة القصيرة اليوم تعمل على تفجير طاقات سرديّة مختلفة في النص القصصي عبر آليات متعددة منها على سبيل المثال لا الحصر: اللغة أو الموضوعات أو الحساسيّات الشعرية والاستفادة من شعر النثر، استعمال تقنيات الصدمة والصفعة والفجاجة، التفاعل مع القارئ وادخاله في بناء النص القصصي، الاختصار والتكثيف، استعمال الطبقات المتعددة والمتداخلة في بناء النص القصصي، اللولبيّة في بناء زمن النص والحدث ومكانه وشخوصه وأحداثه، المشهدية واستعمال تقنيات حركة الكاميرا السينمائية، الغرائبية والسوريالية والهلوسة والأحلام، غياب الشخصيات وتواريها وذوبانها، الالتباس في الشخصيات أو الأحداث، ادخال عناصر غير كتابية إلى داخل النص الكتابي مثل الجرافيك أو الصورة أو اللوحة، عدم التقيد بزمن تقليدي لصيرورة القصة، استعمال الهوامش كامتدادات أو اضافات للنص الأصلي.
«تجريبيّة» القصة القصيرة يجب أن تبنى على القصديّة، أيْ أن الكاتب يعي ويقصد الأدوات التي يستعملها والأشكالَ التي يتبنّاها في مقارباته الكتابيّة، أو أنه يكتب مستبطناً في عقله كمّاً كبيراً من القراءات في الفلسفة والعلوم والآداب وباقي مناحي المعرفة، وعلى الكاتب أن يمتلك فلسفة الانتقال ووعيه، وفلسفة تبنّي الشكل الفني الجديد ومبرراته، وبخلاف ذلك، يكون الكاتب مُدّعياً وسطحياً. القاصون غير المتمكنين فنياً و/أو لغوياً، وأضيف إليهم اولئك غير المتمكنين معرفياً وغير المطلعين بمثابرة على جديد العلوم والفلسفة وفنون السينما والمسرح والتشكيل والموسيقى وتطوّراتها المتسارعة، يهربون إلى التجريب السطحي في الشكل و/أو الموضوع، فتخرج قصصهم بلا معنى، وبلا عمق، وبلا دهشة، وبلا متعة، وبلا موضوع، يصبح الافتعال فيها واضحاً، والقصدية غائبة، فتخرج القصص رديئة ومثيرة للشفقة.
القصة القصيرة فن هائل الامكانات، وتطوّر بشكل كبير منذ كبار الكتاب الكلاسيكيين وحتى الكتاب التجريبين من المراحل المختلفة اللاحقة. بل إني أزعم أن القصة القصيرة تطوّرت نوعيّاً أكثر من الشعر والرواية، من جهة البُنية على الأقل: فهناك القصة الطويلة القصيرة، والمتتاليات القصصية، والقصة القصيرة جداً، والقصة الومضة، وما يسميّة ادوار الخراط «القصة - القصيدة»، وتم توظيف اللغة الشعريّة؛ وطاقات السرد القصير الكامنة ما زالت كثيرة ومتنوعة، ولأنه منفتح على التهجين والتجريب، فستظل آفاقه غير محدودة. لذا ستظل القصة القصيرة حيّة طالما امتلكت أكسيرها الأهم وهو القدرة على التطور. وعلى العكس من التوقعات المتشائمة السائدة، فإنني أتوقع للقصة انبعاثاً جديداً خلال السنوات القادمة، وما فوز القاصّة أليس مونرو بنوبل الآداب للعام 2013، وجائزة البوكر الدوليّة للسرد لعام 2009؛ وفوز القاصة ليديا ديفيز العام 2013 بنفس هذه الجائزة الأخيرة، لمؤشر واضح على عودة الاعتراف بأهميّة هذا الجنس الأدبي وامكانياته، رغم أن الخطر الواقع عليه كبير من جهة النصوص القصيرة السطحية والسخيفة والمبتذلة والجاهلة التي تطبع اليوم شكل الكتابة في وسائل التواصل الاجتماعي.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش