الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ملحمة الحرافيش على مرفأ الواقعية

تم نشره في الجمعة 2 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً

إيمان الأشقر *



دأب نجيب محفوظ على التحرّك في أدبه حركة غير مفصولة عن حركة المجتمع بما فيه أفراده ومؤسساته وسلطاته وكل ما ينسلك فيه من العقائد والآيديولوجيات الحادثة، هذا الدّأب الذي يحلو للبعض تسميته بالنّضال لم يتجسد مرة خارج أدبه في نشاط سياسيّ أو حزبيّ معارض، فقد كانت ناحيتهُ المعارضة للسّلطة حبيسة جدرانه الشخصية على الأرض، فيما تتبختر في صفحات رواياته بخيلاء جاعلة القالب الحكائي غطاء شفافا يرينا ما وراءه بشكل كلّي.

ولكنّ تعثّر نجيب محفوظ في نشر رواية الكرنك، حين عمدت الرقابة إلى حذف أجزاء كثيرة منها جعلته يخطو خطوات حذرة إلى الوراء، فما بين الكرنك وملحمة الحرافيش زمن معقول كتب خلاله نجيب محفوظ ما لم يرق لهاتين الاثنتين شهرة، هذه الخطوات التي أظنها حذرة تمثلت في توديع نجيب محفوظ للحارة المصرية والقاهرة بمفرداتها الحديثة، إلى الحارة المصرية المملوكية البعيدة بما تحمله من مفردات خاصة بها، ومن نماذج إنسانية جماعية أو فردية ذات أثر، وأخذ يطوّعها ويرصدها ويشكلها تشكيلة جديدة تحاكي مجريات الأحداث السياسية والشكل الطبقي الاجتماعي محاكاة الحاضر الذي يستشف مستقبله من أحداث الماضي، مع النظر بعين الاعتبار أن عمدة الرواية ليست مفردة الحارة كما عهدناها في ثلاثيته وفي أولاد حارتنا، بل هي مفردة الفتوّة والحرافيش والنبوت.

وأخيرا يصح القول إن رواية الحرافيش ذات مستويات فلسفية إنسانية وأخلاقية، وربما عرفانية تعترف بالجميل للعرفان في حياة الأولياء، كما يجدر القول أيضا إن هذه الرواية التي نجت من مقص الرقيب، كانت على الأرض كالنبوءة الصادقة ففي العام نفسه الذي صدرت فيه الرواية، اندلعت المظاهرات المنددة بارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة (انتفاضة الخبز) في مصر عام 1977، والتي أطلق عليها الرئيس أنور السادات (ثورة الحرامية)، والتي كان من أبرز شعاراتها: (يا ساكنين القصور الفقرا عايشيين في قبور، عبد الناصر ياما قال: خلوا بالكم م العمال).



 البناء العام للحرافيش



ملحمة الحرافيش رواية أجيال عديدة، مقسّمة في عشر حكايات تنساب أحداثها تراتبيا وعلى التوالي: (عاشور الناجي، شمس الدين، الحب والقضبان، المطارد، قرة عيني، شهد الملكة، جلال صاحب الجلالة، الأشباح، سارق النغمة، التوت والنبوت)، ففي الحكايات العشر جيل يسلّم حكايته إلى الجيل الذي يليه، إذ ترتكز أولى الحكايات على أسطورة تظل منداحة على طول الحكايات بعدها، وهي أسطورة عاشور الناجي الذي أحقّ العدل على نفسه وعلى الحرافيش وعلى الوجهاء والأغنياء، كما تنتهي الرواية نهاية أسطورية وليدة إذا ما قيست بمعايير الواقع المحكيّ، تتمثل في ظهور عاشور جديد يحاول أن يستعيد شيئا من كرامة عاشور الأول التي تخرّمتها أهواء ورثته عبر أجيال كثيرة.

 يختبر نجيب محفوظ أدبيا وخياليا إمكانية إعادة العدالة إلى نصابها إذا ما انفلت عيار الحاكم ووهنت إرادة المحكوم، وعبر الحكايات كان نموذج الحاكم المتمثل في الفتوة يتطور تطورا ظاهرا فيما نموذج المحكوم المتمثل في الحرافيش يتطور تطورا مستترا من وراء الأحداث، كما تتبدل وظائف (النبوت) الدلالية استنادا إلى الفتوة التالي الذي سيحمله، إذ بدأ النبوت بيد عاشور الأول الضبط والعدل والتسييس المطلق الذي أشبه ما يكون بالرعي، فإذا ما صار النبّوت بيد أصحاب الأهواء من الفتوّات استحال إلى قوة مستبدة على إطلاقها، ثم ينتهي بيد عاشور ربيع الناجي بعد الثورة إلى قوة العدل والجمال، فالسيناريو الثالث الذي تقترحه خاتمة الرواية هو مسؤولية الطرفين عن تحقيق أملهم في الرخاء دون إجحاف.

الفتوة والحرافيش والنبوت

الفتوّة في الرواية ككل، ليست هي الفتوّة ذاتها في كل حكاية على انفراد، فالمعنى الكلي للفتوة هو الديكتاتورية بمعناها العام، يعالجها نجيب محفوظ معالجة خارجية تاريخية على امتداد الرواية، ومعالجة داخلية نفسية في قلب كل حكاية حيث تظهر لنا ظروف نشأة مختلفة تتفتق في كل مرة عن ديكتاتور جديد، وهكذا يكون السؤال على امتداد الرواية: من الذي يصنع الديكتاتور (الفتوة)؟ والجواب بنفس الامتداد هو الشعب (الحرافيش) كما قد نطرحه بصيغة: كيف يصنع الشعب (الحرافيش) ديكتاتورا؟ والجواب هو اختفاء الحرافيش على طول الرواية فلا قول ولافعل ولا صورة كناية عن الاستكانة والخنوع والركون والانتظار، أمّا كيف يسقط الديكتاتور؟ فالجواب هو ظهور الحرافيش مجددا في الحكاية الأخيرة بشكل انفجاري في ثورة عارمة تسقط بها كل رؤوس الفساد، يترأسها فتوة جديد بعقيدة جديدة هي نبّوت من نوع جديد، فالنبّسءوت هو العدل تارة وهو القهر تارة وهو العدل بالنسبة للمسؤول عن العدل تارة أخرى.

 ويمكن ملاحظة التقهقر والتدهور المتدرج خلال الحكايات، حكاية فحكاية ينسلخ عهد العدالة الذي أقره عاشور الناجي أسطورة العدالة الأولى، وفتوة ففتوة تتقهقر المثل والقيم والأخلاق وتتعالى فوقها الأهواء والشهوات والرغبة في الحيازة والجاه والسلطان، فالفتوة لم يعد مجرد حامٍ مفتول العضلات يحمي حارته بالنبوت من فتوات الحارات الأخرى ويشرف بالقوة على توزيع الثروة توزيعا عادلا بجمع الإتاوات من التجار والأغنياء والوجهاء وتوزيعها على الحرافيش المعوزين، ولكنه بات رمزا للحاكم المستبد الجاثم على أرض مصر منذ عهد المماليك.



كيف يميز الحرافيش فتوّتهم؟



لقد كانت كرامة عاشور الناجي في استجابته للحلم وانقطاعه إلى الجبل ونجاته من الشوطة المهلكة في حين هلك كل الخلق، هي الميزة الفارقة للفتوة عند الحرافيش، ولكن هذه الكرامات والأحلام لم تكن لمن بعده، فحلت محلها صحراء المماليك في الحكاية الثانية، حيث يتشاجر الفتوات ويماز بعضهم من بعض بالقوة والنبوت، وشيئا فشيئا صار يماز البطل بارتداده إلى أصل مرهوب الجانب، وهكذا في كل حكاية نجد معيارا جديدا لإقرارا الفتونة، يتدهور هذا المعيار ويزهد فيه إلى أبعد حد، حتى لا يعود يؤثر فيه انحلال الفتوة وترديه في القباحات والتجاوزات والظلم.

ـ في حكاية عاشور الناجي «وجد عاشور الناجي نفسه فتوة للحارة دون منازع، وكما توقع الحرافيش أقام فتونته على أصول لم تعرف من قبل، رجع إلى عمله الأول ولزم مسكنه تحت الأرض، كما ألزم كل تابع من أتباعه بعمل يرتزق منه، وبذلك محق البلطجة محقا، ولم يفرض إتاوة إلا على الأعيان والقادرين لينفقها على الفقراء والعاجزين»

ـ وفي حكاية شمس الدين «رغم ما عانى شمس الدين من انحرافات شخصية فإنه حافظ على نقاء فتونته للحارة، ظل يعمل سواق كارو رغم سطوته وتقدمه في العمر، ورعى الحرافيش بالرحمة والعدل والحب، وعرف بالتقوى والعبادة وصدق الإيمان، وتناسى الناس أخطاءه وعبدوا طيب خصاله»

ـ وفي حكاية الحب والقضبان نزع سليمان إلى الجمع بين الفتونة والوجاهة بالزواج من ابنة أحد الوجهاء «وقد امتلأ جيبه جزاء سعيه المشكور وبالرغم من أن سليمان أعلن أنه لن يتغير، لكن الحياة جادت بمذاقات جديدة وحملت السحب ماء سلسبيلا» ، لقد حافظ سليمان على مظهره المتواضع، ولكنّ كرمه على نفسه من الإتاوات كان يجب أن يغطّى بعطاءات أخرى لرجاله وأتباعه في سرية بالغة، فيما كان يعلم أنها الخطوة الأولى في طريق كريه شديد الانحدار، حتى تكاثرت عليه الأدواء وأيقن أن لا كرامة لعاجز، ثم حل محله فتوة آخر أغدق على الحرافيش كثيرا من الزجر والتأديب.

وهكذا يتوارث أولاد الناجي أخطاء بعضهم البعض كما يتوارثون اسمه وكرامته حتى ينزلوا بها واحدا واحدا إلى مقام غير محمود، حتى عادت الفتونة إلى سابق عهدها قبل عاشور الناجي بلطجة وانتهاكا، ثم سُلبوا الفتوة وصاروا وهم أهلها القدماء يدفعون الإتاوة مثل غيرهم بعد أن نزلو عن مركب الأبطال، ثم تهاوت البطولة إلى أسفل درك، فما تبلغ الحكاية الرابعة (المطارد) حتى يصبح من أبناء الناجي فلولًا مطاردة، وتكاد هذه التعاقبية تنطبق على مصير النظام الحاكم الذي يقدم نفسه لنفسه ويظل المنتفعون فيه أفرادا، ومع هذا كله فإنّ النزعة الأصولية نحو أمجاد الماضي والمتمثلة في الولاء المثالي لعاشور الناجي صاحب الكرامات، تظل شكلا من أشكال الخديعة لأن ما حدث بالأمس في ظروف مغايرة لا يخدم الحاضر إلا إذا تحضّر معه!

وإذا أردنا أن نتعقب تطور الفتوات الداخلي عبر الصفحات فإننا ما إن نصل إلى الفتوة عزيز في حكاية (جلال صاحب الجلالة)، حتى نجده قد بحث لنفسه عن الخلود والزهو الدائم، وصرّح بازدرائه للحرافيش المساكين الذين لا تشغلهم إلا لقمة العيش، وإذا ما بلغنا الحكاية قبل الأخيرة (سارق النعمة) وجدنا الفتوات قد أسرفوا في الظلم والاضطهاد حتى صاروا مضرب مثل في الغدر والخيانة والسفه والشره، أما في الحكاية الأخيرة فتثور الأسئلة كالزوبعة في ضمير (فتح الباب) شقيق سماحة الفتوة الطاغية، كيف تكون مخازن الفتوة ملآنة بالغلال والناس جوعى والأسعار في غلاء متماد؟ كيف يقام حفل عرس خيالي أمام الجوعى والعراة؟ وفوق هذا وذاك، كيف تنتهك ما تبقى من حرمات الحرافيش عندما يجول أتباع الفتوة في الحارة يؤدبون ويرهبون فلا يبقى حرفوش إلا وينال منه الهوان؟

ما فعله (فتح الباب) هو أنه رفض الركون إلى منقذ من الغيب، فراح يسرق مخازن أخيه (سماحة) الفتوة المتجبر، ويوزعها على الحرافيش في الليل بدعوى أنها قادمة من الغيب، حتى اكتشف أمره وهبّ الحرافيش معه في ثورة طاحنة، وهكذا يكتشف الحرافيش قوتهم المدمرة ويكتشف فتوتهم الجديد أنّ العدل لا يقبل التأجيل، فيحقق عدالة من نوع جديد حتى إنها لتتفوق على عدالة جده الأول عاشور الناجي، فإذا كان عاشور الناجي اعتمد في تحقيق العدل على نفسه، فقد خلق عاشور ربيع الناجي من الحرافيش قوة لا تقهر.



 واقعية وأشياء أخرى



ربما كانت رواية الحرافيش مصنعا للعادات الجديدة وطريقا لتحويل السلوك في المجتمع، ونقدا للسلطة الجائرة، كما للعقائد والأفكار الاجتماعية، وهي بهذا المعنى واقعية نقدية مثل كثير من أدب نجيب محفوظ الذي يمثل الحياة على المستوى الجماعي ويرى مهمته الأصيلة في تصويب الواقع عن طريق الاصطدام المباشر مع السياسي والموروث والأخلاقي، ففيما كان نجيب محفوظ منهمكا في وضع إطار حكائي عام لجدلية الحاكم والمحكوم في مجتمع مصر الطبقي آنذاك، كان أيضا مشغولا بإدهاشنا ساعة يملأ فضاءه السردي، إذ لا يمكن القول إن الحافز للفعل في الرواية كان مرتبطا على طول الخط بقضيته الواقعية الكبرى، بل كان ينزاح في كثير من الأحيان إلى مسائل اجتماعية دينية كما في حكاية (الحب والقضبان)، حين يخنق الأخ أخته الراغبة في الزواج بحجة أن بعض الزواج يتساوى مع الزنا، فهي في جزء منها حكاية استبدال المفاهيم الدينية بالتقاليد المروّعة. أو حقوقية كما في حكاية (المطارد) تتعلق بعجز القوانين عن إحقاق العدالة أحيانا، حيث يظل سماحة هاربا طوال حياته من حكم الإعدام الجائر الذي أنزله به الفتوة الجبار، وكما في حكاية (قرة عيني) حيث يقتل الأخ أخاه طمعا في المال، أو عقديّة اجتماعية كما في حكاية (شهد الملكة) تتعلق بفرضية إغواء المرأة  لكثير من الرجال وسقوطهم ضحايا لها، أو فلسفية كما في حكاية (جلال صاحب الجلالة) تتعلق بحكمة وجود الإنسان وحكمة موته، حيث أراد جلال لنفسه الخلود في الحياة والسلطان.



 الواقعية في سمت الحرافيش



كان ولا يزال الأدب الواقعي يشف عن عروق المجتمع كما أقرّ أهله ونقاده، وما عروق الحارة المصرية المملوكية إلا عروق القاهرة الجديدة مع دماء جديدة؛ اليد التي استحلت محصول الفلاح بملكية الأرض، هي ذات اليد التي أثقلت كاهل الموظف بالضرائب، فتوة الأمس هو رئيس اليوم، والواقع الطبقي الذي أولاه رعايته هو ذات الواقع، وإذا كان نجيب محفوظ لم يقف على الواقع الطبقي الحرفي المعاصر في مصر والذي اشتمل على الطبقة الوسطى أو الوسيطة المعلقة بين الطبقة المسحوقة والبجوازية، فما ذلك إلا لأن هذه الطبقة مهددة بالسقوط للأسفل والانسحاق لا مؤملة بالترقي إلى مصافّ البرجوازيين، ونجيب محفوظ هو ابن هذه الطبقة الوسيطة وعاقل همومها وآلامها وهواجسها وأحلامها، وقد لا يمنع هذا الفارق من القول أنه قد نسخ الواقع بالصدق الواقعي المطلوب كسمة من سمات هذا الأدب، وأبرز هموم البناء الجديد على البناء القديم المؤلف من الفلاح من جهة والإقطاعي والفتوة من جهة أخرى.

وإذا كان عنوان الرواية (ملحمة الحرافيش) يوحي بكونها أسطورة سقطت من التاريخ الماضي على الأدب الحاضر، فإنّ جوهر السرد فيها  يقتفي أثر مجتمع تحكمه عوامل اقتصادية ودينية شتى يسير معه محفوظ على خط واحد، ويجمع فيه بين اهتماماته الوطنية والمجتمعية، ويكشف فيه عن عداء مقصود للطبقة البرجوازية وما تخلّفه في المجتمع من انعدام الاتزان، حيث نجد ثراء الوجهاء والأغنياء الفاحش إلى جانب فقر الحرافيش ضدان لا يتعايشان، وهنا تتجلى دعوته إلى الإطاحة بالطبقة المتفوقة على حساب طبقة من خلال ثورة الحرافيش الواعدة، وفي الثورة أيضا تبرز سمة الشعبية في الأدب الواقعي، فقد كان العمل بأكملة تجريدا لحقيقة الجمهور من الشعب المصري، وتعبيرا عن ميوله وتطلعاته إلى حياة أفضل، بعد أن واصلت الطبقة البرجوازية لعبتها على مسرح المجتمع السياسي المصري منذ العصر المملوكي حتى الآن.

وعلى مستوى آخر انصرف نجيب محفوظ إلى بناء شخصية الإنسان الكاملة أو التي تسير نحو الكمال، والمتمثلة في (عاشور ربيع الناجي) والحرافيش بعد الثورة، ففي حين امتلك عاشور الجرأة على مجابهة الواقع وفهم العوامل التي صنعته والتخطيط لإزالته واستبداله بأحسن منه، امتلك الحرافيش زمام قوتهم، ما يعني أنه نهض في عمله هذا على ملاحظة التصرف الإنساني، حين قام على تشكيل الشخصيات الإنسانية النابضة بالحياة والنزعات والتي تضطرب في سبيل الحياة والمعيشة من خلال الملابسات الحقيقية التي تحدث على الأرض، وكل فرد في الرواية يكاد يكون نموذجا نوعيّا يضم كل الأفراد الذين هم على شاكلته (الفتوة، شيخ الحارة، الوجيه الغني صاحب الأرض، الحرافيش)، وقد وقف نجيب محفوظ على إبراز شخصياته بلحمها ودمها ومشاعرها وحاجاتها ومطامعها وأفراحها وأتراحها، ومما يعزز واقعية هذه الشخصيات اعتناؤه بالتفصيلات الدقيقة والثانوية كالألبسة والألوان والحركات ولون البشرة وبنية الجسد والعاهات، وإمعانا في هذا الجانب نجده يصب تركيزه على الخير والشر في جنبات هذه الشخصيّات ويعرّيها تعرية كاملة، وربما وجدنا أنفسنا متعاطفين مع بعض الطغاة لما ألم بهم لأنّهم يحملون في نفوسهم هذه الثنائية التي تحملها كل نفس حقيقية، كما قال المولى جلّ وعلا: «فألهمها فجورها وتقواها»، ومهما يكن من أمر فقد انتزع مني هذا الميل اعترافًا باستعصاء البطولة والبطولة المضادة هنا على التحديد، فرحت أرجّح أن تكون النزعات الإنسانية هي بطلة الرواية المتعادلة حيث يستوي السلب والإيجاب في الحكي والواقع!

 وبوجه عام فإن أدب نجيب محفوظ لم يكن إلهاما روحيا، فقد مثّل الواجهة التقدمية النضالية للحركة الأدبية في مصر، ساعة وضع فنه مع الذين وضعوه في خدمة الجماهير الكادحة، ومن هنا لا يستقيم نقد وتحليل أعماله دون إبراز هذه القيم النضالية، ودون تلمس محالّ  تحريض الفكر ومراكز شحذ الإرادة التي يفترض في الكاتب الواقعي أن يكون مسؤولا عنها بوجه من الوجوه ومشاركا فيها حبّا لأبناء وطنه قبل أن يكون حبّا في النهوض بأدبه وتلوينه.



* باحثة من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش