الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مراوغة السرد

تم نشره في الجمعة 2 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً



د. محمد عبدالله القواسمة *

المراوغة من الأساليب المستخدمة في السرد، وبخاصة النوع القصصيّ بتفريعاته المختلفة من رواية، وقصة طويلة، وقصة قصيرة، وقصة قصيرة جدًا. وكلمة المراوغة قد تستخدم في الدراسات النقدية بمعنى الغموض، أو الفراغ، أو الصمت، الذي يترك فيه الكاتب للمتلقي آفاقًا لفهم النص، وإدراك دلالاته، ومؤشراته الخفية وفق رؤيته الخاصة، التي استقاها من تجارب الحياة، واطلاعه على نصوص أخرى. ربما بهذا المعنى أو قريب منه كانت الكلمة مركزيّة في بعض عناوين الأعمال النقدية، مثل كتاب الدكتور إبراهيم خليل الموسوم بـ «مراوغة السرد وتحولات المعنى».

أما ما نقصده هنا بكلمة المراوغة فليس بعيدًا عن معنى الكلمة في اللغة؛ فهي تعني عدم الصراحة والوضوح، وتتمثل في الممارسة النقديّة باستخدام الحقائق التي أدركها وعاينها الكاتب أو الروائي على أرض الواقع، وبتوظيف التجارب التي خبرها في حياته بطريقة غامضة أو غير صريحة في عمله الإبداعي. وهذا الاستخدام أو التوظيف ليس عيبًا أو نقصًا بل هو تقنية محببة في يد الروائي أو القاص لبناء عالمه، الذي لا يمكن فصله تمامًا عن واقع الحياة، إذ يوجد بينهما ما يشبه الحبل السري بين الأم وجنينها، وعلى المهارة في استخدام تقنية المراوغة تتوقف عملية الإيهام بالواقع، التي يترب عليها نجاح العملية الإبداعية برمتها بوصف العمل السردي واقعًا موهومًا بواقعيته.

وإذا كان الهدف الواضح من المراوغة الإيهام بواقعية الأحداث والشخوص فتوجد أسباب أخرى لاستخدام هذه التقنية. فالمبدع يستطيع أن يعبر بوساطتها عما لا يستطع أن يعبر عنه مباشرة؛ إما خوفًا من تقاليد المجتمع ومراعاة لعاداته، وإما رهبة من سلطة سياسية مقيدة لحريته، أو ربما الرغبة في إفراغ ما في قلبه من مشاعر الغضب أو الكره لشخص ما أو لسلوك معين. إنّه يحسّ بارتياح عندما يعاقب من يعرقله بالحياة، أومن يتسبب له بكارثة ما. ذلك حين يصوره في وضع سيئ، أو موقف محرج في عمله السردي. وهذا يشبه الهجاء الذي عرفه الشعر العربي لكنه يختلف عنه بأنه لا يمكن إقامة الحجة في إدانة الكاتب، أو إثبات سوء عمله.

هكذا يعمد الروائي والقاص إلى استخدام تقنية المراوغة في رسم الشخوص وتصوير الأحداث، فيختار بعض صفات الذين يعرفهم حق المعرفة ليصنع منها شخصيات خيالية. وربما تعدى الأمر إلى أن يفضح الروائي شخصًا أساء إليه في الحياة ولم يستطع أن يواجهه بجعله شخصية كاريكاتيرية في روايته. وهو في هذه الحالة مثل الطفل الذي يشبع لعبته صفعًا وتحقيرًا احتجاجًا على ما تعرض له من ظلم الكبار.

وقد يلجأ بعض الروائيين إلى المزج بين المراوغة والوضوح، كما فعل الروائي غالب هلسا فظهر شخصية روائية رئيسية باسمه الحقيقي في روايتيه: الخماسين، وثلاثة وجوه لبغداد. وكما كشف الروائي الأمريكيّ تشارلز بوكوفسكي في روايته «نساء» التي نقلها شارل شهوان إلى العربيّة، وصدرت عن دار الجمل في بيروت ــ بغداد عام 2015 أسرار حياته ومغامراته الغرامية، وأورد شخصيات نسائية كثيرة بأسمائهن الحقيقية. ولعل في هذا المزج إضعافًا للجانب الفني للرواية وتقريبها من السيرة الذاتية.

يعترف الروائي حنا مينا في كتابه» هواجس في التجربة الروائية» أنه تناول أسرار أسرته وتاريخها في رواياته الثلاث: بقايا صور، والمستنقع، والقطاف، ويقول إن بعض أفراد العائلة احتجوا على كشف جوانب من حيواتهم الخاصة في رواياته. وكذلك صرح عبد الرحمن منيف في إحدى لقاءاته بأن الروائي وهو يرسم شخصياته كمن يقوم بعملية تلبيس الطواقي يأخذ من صفات هذه الشخصية الحقيقية؛ ليلصقها بشخصية اختلقها في رواياته. وما قاله الروائي الطيب صالح صاحب الهجرة إلى الشمال بأن روايته فيها جزء من الواقع وجزء من الخيال. من هنا يمكن القول إن شخصية مصطفى سعيد ما هي إلا شخصية مركبة من صفات شخصيات أخرى عرفها الطيب صالح في قريته.

والخلاصة، إن المراوغة وسيلة مهمة من الوسائل التي يستخدمها الروائي أو القاص؛ للاقتراب من عالم الناس، ولإخفاء أسرار صناعته السردية، والتعبير بطريقة غير مباشرة عن رغباته المكبوتة، وتطلعاته التي لا يستطيع التعبير عنها بطريقة أخرى. وتظل المراوغة ملح السرد، ويظل السرد ربما هو المجال الوحيد الذي تحسن فيه المراوغة، وتُحمد.



* روائي وناقد من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش