الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«مقاه شعبية» تحرس ذاكرة عمان القديمة وتقاوم الموت

تم نشره في الأربعاء 16 نيسان / أبريل 2014. 03:00 مـساءً

 كتب: فارس الحباشنة
 مقاه في عمان لم تتغير، رغم تغيُّر كل شيء من حولها، ما زالت تُنجب قصصا مكرَّرة تدور في فلك «أوراق الشدة « وطاولة الزهر و»الأرجيلة «، روادها يموتون على الطاولات أحيانا، أو يغيبون عنها لبرهة من الوقت ولا يعودون.. يبدون رجالا أهلكتهم حقب العمر ، و وجوهم مشبَّعة بعتق وروتين الزمن.
منذ عشرات السنين، وتلك المقاهي تنازع على ضفاف شوارع عمان تقاوم التغيير الإجباري، كأنها ذاكرة احتياطية تنتظر تلفها تباعا، عدد قليل من مقاهي عمان ما زالت تحتفظ بشيء من تاريخ المدينة القديم.
 في أي مقهى عماني تجاوز عمره الستين، ليس عليك أن تُطيل النظر كثيرا، كأن أولئك الجالسون فيها رجل واحد، أي متابعة للتفاصيل فإنها بلا جدوى، ولن تحدث فرقا لامعا ونوعيا، قد يكون أحدهم أفرط بصبغ شعره أو أنه نسي أن يصبغه، الأشكال كما هي.. تغييرات يومية طفيفة يصعب تمييزها.
يبدو الجالسون في المقهى، - سواء أكان ذلك المقهى في عمان القديمة أم جبل الحسين أم اللويبدة- عائلة واحدة بديلة لعائلة كل واحد منهم،.. يبدون مقطوعين من عائلة نسوها في بيوتهم، أو مقطوعين من مقهى آخر أُغلق للإصلاح أو الترميم أو لوفاة مالكه، فانتلقوا إلى أقرب شبيه له.
معاقلهم « المقاهي « تسقط تباعا في عمان، بين فترة وأخرى، تسمع عن إغلاق أو بيع مقهى وتحويله إلى مطعم سياحي أو محل بيع للوجبات السريعة وغيرها...في سباقهم مع الزمن هم الخاسرون دائما آخر مواقع مسقوفة تؤيهم على الأرض.
ربما اكثر ما يربحونه، هو وقت يمضي برتابة، لكل واحد منهم طاولته وشريكه في لعب الورق والزهر، يعرفون بعضهم بالحدس والإيماء، والصوت ايضا، هم أهل المكان واصحابه الحقيقون.
تلك المقاهي اطوارها غريبة، فهي ليست للعابرين كما هي المقاهي عادة، مساحة مصادرة بطيبة الخاطر من روادها، قلما يدخل عليها ضيف جديد، وحتى إن دخل فإنه يشعر بالوحشة والغربة، فهم لا يحبون الصحبة الغريبة، رغم كل الود الذي يبدونه، وإن كانت مظاهرهم تدل على أن أحوالهم لم تتغير من زمن بعيد.
في مناطق من عمان « الفوقانية «» كما يُصْطَلح على تسمية العبدلي وجبل عمان والشميساني وشارع الجامعة الأردنية، تحاول مقاه أن تلتقط انفاسها لتحافظ على هوية المقهى الشعبي في عمان، حالة من «الكر والفر « لمقاومة أنماط المقاهي العصرية « الكافي شوب «وغيرها.
 تغيير في شكل المدينة يحاول اغتصاب مقاه شعبية عمرها تجاوز عشرين عاما واكثر، لم يعد مرغوبا لدى أهل المال والمستثمرين وتجار العقار الرغبة بترك المقاهي على حالها، عرض يلي الثاني لإخلاء تلك المقاهي وتحويلها الى منشآت اخرى، «خلوات « تدفع بجنون لإفلاس تلك المقاهي من قيمتها التراثية والاجتماعية ورمزيتها في ذاكرة عمان، جشع في انتهاك روح الحجارة.
اليوم في شارع الجامعة الأردنية يقاوم مقهى « الشريف الدولي « عدم التجانس العمراني الذي اصاب عمان الجديدة، مقهى ما زال محتفظا بروح وشكل المقاهي الشعبية القديمة : الكراسي والطاولات والأراجيل و ورق اللعب والزهر، وصوت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفيروز وفريد الاطرش، وجو المقهى بشكل عام، وحتى زبائنه الممزوجين بجيلين :الأول تقاعد ولازم المقهى، والثاني يمضى اوقات فراغه بعد العمل في المقهى.
على حائط المقهى صورة لسمو الأمير الحسن بن طلال عمرها يقارب 20 عاما، وهو يجلس في صدر المقهى يتناول ارجيلة « التوباكو « وابتسامته المعهودة تملأ الصورة فرحا وشعورا بالأمان والاطمئان لأمير هاشمي يجلس بين «الشعب «.
اختلف شكل المدينة كثيرا، وأفرغت هويتها، والمقاهي الشعبية تقاوم الموت والاندثار، اصحاب المقاهي وروادها صامدون، رغم صعوبة التحدي الذي يواجههم، وسط مشاهد تؤكد أن رواد المقاهي ما زالوا متشبثين ببريش الأرجيلة، ويعضون عليه بنهم عفوي ليحشروا ما امكن من دخانها في صدورهم، فربما ذلك ينسيهم هموم الزمن.
حتى مالك المقهى، يقاوم بصمود كل الارتفعات التي اصابت الاسعار وكلف المعيشة، ويبقي على سعر الأرجيبلة وفنجان القهوة وكأس الشاي على سعره كما كان قبل عشرة أعوام، صمود مشترك بين صاحب المقهى وروادها، كلهم لا يريدون أن تُسحق ذاكرتهم... القصة يبدو أنها ليست ارجيلة وفنجان قهوة، بل ذكريات وأحلام.. فأحد مرتادي المقهى ثمانيني ذرف دموعه وتشبث بالكرسي كمن يتشبث بذاكرته عندما تذكر مؤسس المقهى الحاج غازي الشريف رحمه الله.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش