الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«كأنها مزحة» نصّ المرأة من جديد

تم نشره في الجمعة 9 أيار / مايو 2014. 03:00 مـساءً

1. الكتابة تتأمل ذاتها وتراجعها
لافتةٌ وعميقةٌ هي النصوص التي توقف المرء وتستمهله، أثناء قراءته لها، حاثّةً إيّاه لأن يتأمل ما قطعه من صفحات. وهذا إنْ حدث، فإنَّها بالضرورة النصوص ذات المعطيات الفكريّة الخالصة (فلسفة، نقد ثقافي، تحليلات سياسية، أو تاريخيّة، أو مسائل نظرية إشكالية أخرى، إلخ)؛ إذ أنها بسبب طبيعتها الحِوارية تتطلّب البطءَ وإجراء وقفات للمراجعة. أما النصوص الأدبية بعامة، والروائية بخاصة، المعتمدة للحكاية وأحداثها مادةَ بناءٍ وتشويق أدبيّ؛ فغالباً لا تضطر القارئَ للتوقف وتأمل المخفيّ من المقروء، ونَسْج التأويل - إنْ لم يكن التأويلات.

 

«كأنها مزحة»، لفيروز التميمي، واحدة من تلك الروايات العربية اللافتة التي استدعتني لأن أُجري أكثر من وقفة. أنسحبُ للصفحات المقروءة الأولى لأُعيدَ قراءتها على ضوء ما تبعها، لاحتوائها على ما أجيز لنفسي تسميتها بـ»مراكز إضاءة»، تسعفني في لملمة الجزئيات وضفرها داخل معنى قيد التكوّن. جزئيات كانت مكتفية بذاتها حين كتابتها/ قراءتها، غير أنها، لمّـا باتت في «الوراء»؛ تَبَدَّتْ (لي على الأقلّ) ناقصة إنْ لم أقُل: خادعة أو مخاتلة! وظّني أنّ أسلوب الكتابة نفسه، أو إجراءاته في عملية التناسل والتتابع، ولعلّها كذلك إعادة التركيب، عند فيروز التميمي، إنما اعتمدَت رَصْف الفكرة/ الحالة/ الجزئية وكأنها تُرِكَتْ لتُكْتَب كما هي «عفوية» التوالد، ثم ما لبثت، عبر سيرورة الكتابة والتفكُّر بها، أن استحالت إلى مادةٍ تستوجب المراجعة والحوار؛ فكانت «الدفقات» الكتابية التالية بمثابة عملية تأمل هي أيضاً.
حين لا يتصف المعنى بالوضوح والمباشرة كونه ليس مُعطىً ناجزاً، أو جاهزاً، أو مكتملاً داخل يقين مستريح إلى رسوخه؛ فإنَّ عمليات المناورة، وأحياناً المساجَلة والتدقيق في كتابته، تتحوّل لتصبحَ شَراكةً يتقاسمها القارئ مع صاحبة هذا النصّ علّهما، معاً، يظفران باكتمالٍ ما يُرضيهما. أو يُرضي أحدهما (ولو بالمعيار النسبي)، تاركاً للثاني النَبْشَ في أسئلته/ها.
أدركُ أني، في بلوغي هذا الحدّ من القراءة أو التحليل، قد ساويتُ بين منتج النصّ وكاتبه من جهة، ومستهلكه وقارئه من جهة مقابلة، وأدخلتهما مساحةً لم يسبق وأن وُضعا فيها من قبل: مساحة السؤال المعلَّق ما يزال، رغم مثول النصّ بتمامه أمامهما. وإني بهذا أغامرُ بقراءةٍ قد تبدو هجينة، لكنها، ربما لأنها صادرة عن كاتبٍ اعتاد مناورة نصوصه ومساجلتها؛ فإنّ أُلفةً ما، بمعنى ما، كان أن صاحَبَتْ قراءاته لـ»كأنها مزحة»!
وإنها ليست بالرواية الصعبة، الشائكة المعقدة على مستوى البناء الكُلِّيّ، بحيث تتطلّب كلّ ما سبق من إشارة لوجوب الوقفات. ففيها، ضمن مفهوم الشخصيات وحركتها ومسرح أحداثها ومناخاتها الاجتماعية، جميع «متطلبات» القراءة السريعة، الماسحة scanning، والمؤدية إلى شِفاء الغليل العَطِش لقراءة حكايات صغيرة منمنمة عن امرأة صغيرة تتحرك في مدينة صغيرة (عمّان) وصديقتها، الصغيرة أيضاً، وعلاقتهما بالرجل وسط عالم «المكاتب المغلقة، في زمن التكنولوجيا، وبثّها التمرّد في نفوس من تسميهم «فئران المكاتب»!» – بحسب كلمة الناشر المختَصِّرة للرواية على غلافها الأخير.
2. التمرّد في إبدالاته الضديّة
يشكّل التمرّد - بمعنىً متقلقل -، وكحالات متناثرة موزعَة على الشخصيات الثلاث الأساسية (ليلى، رنا، خالد) خيطاً ناظماً لها في تقلبات أمزجتها، وخيباتها، وسورات غضبها، وأحلامها المكسورة، واندفاعاتها ونكوصاتها. غير أنّ اللافت في هذا كلّه، أنَّ الشروط العامة المجتمعية، المتحكمة بما ينتج عنها من مظاهر كابحة للحريّة الخالصة المتحققة بشفافية تحت الشمس، والعاملة على تشويه العلاقات ولَغْمها باحتقانات عميقة، كان أن اخْتُصِرَت في حيّز صغير وضيّق تمثَّلَ في عالم المكاتب المعتمدة لغات الكمبيوتر المتغيرة باستمرار وشاشته الصامتة. عالم مغلَق مسدود بوجوباته الخاصّة، أُجْبِرِت كائناتُه على أن تكتفي بنفسها وبه، بوصفه قاعدة انطلاق صوب «النجاح» الذي بدا مستحيل التحقق! فكلّما ظنَّ الكائنُ أنه أنجزَ خطوةً مهمة، سرعان ما يواجَه بضرورة الكدّ أكثر لإنجاز خطوات وخطوات لاحقة في متوالية لا تنتهي. كأنما الجميع (ونحن كأفراد داخل هذا المجتمع) نعيش حالةً كبرى من اللاحركة، أو قُلْ الحركة المُعَطََّّلة قياساً على مبدأ الإيلييَن: «زينون» و»بارمنيدس»، القائلين باستحالتها وفق رؤيتهما للعالم بوصفه مجالاً ثابتاً.
هل العالم مجالٌ ثابتٌ حقاً؟
يبدو أنّ الإجابةَ عن هذا السؤال اقتضت من فيروز التميمي الحَفْرَ للخروج بـ»قَوْلٍ» ما تطرحه في وجه هذا العالم. لكنَّها، وبالرؤية التي اعتمدتها الشخصيّة الأساسية (ليلى)، اتجهَت للذات موضوعاً للسبر لا للعالم. أو كأنما الذات باتت هي العالم/ المجال الثابت (المُغلق هنا) في عملية إبدال. فلكي تصبح الحركة قيد التحقق الفعلي، ينبغي لكلّ المخبوء في أعماق الروح أن يطلع وأن يتنفس. ينبغي للمكبوت المكبوح أن يحكي حكايته المتكررة في حلم واحد، وأن يتجلّى البديلُ عن الغائب الواقعي رجلاً محلوماً به أسمتهُ «راء»! 
ثمّة آلية جهنميّة ساحقة للروح، وللجسد أيضاً، تتكرر عبر تكرار حلم تكون الرغبات داخله في أوج صبواتها الجنسية المتحررة بكل صراحتها وعنفوانها، وبمحمولها الصادم أيضاً. غير أنّ هذا، لوحده، لا يكفي لترتاح الروح وتطمئن النفس.. ولو قليلاً؛ فباتَ البوحُ به لـ»آخر» لعبةً بدأت تستهوي الحالمة الساردة له، إذ تتخفف من وقعه اليومي، ومجالاً للمسرود له (خالد) لأن يحاول التسرب إلى عمق شخصيتها عساه يصل إلى فهمها. لكنّ الفهم لا يلبث أن يُصاب بالشواش والقصور حين يتدخّل الحبّ بغيرته العمياء، فترتبك العلاقة وتختلّ، وتتكشَّف اللانِديَّة بين طرفيها، وتستحيل حالةُ الفهم عَصيَّةً عليهما معاً، بل داعيةً لليلى أن تقوم بتوجيه غيظها ومللها من شكوك خالد (ولِمَ لا يكون غيظها ومللها وشكوكها هي نفسها من نفسها؟) كلاماً يتقصّد جرحه بالعبث بمشاعره وكرامته كعاشق: «.. صارت تتعمّد إيلامه فتشرح له كيف أنها تسقط في الفجوة بين راء وبينه، وكيف تحسّ أنها ناقصة ولا تكتمل إلّا حين تلتجئ إلى النوم، كيف تهرب منه هو الماديّ إلى المتخيَّل.»
الهروب من الماديّ إلى المتخيَّل!
 أيّ جُملةٍ ذات طاقة تعبير
 هائلة هذه!

فإذا كانت الحياةُ (هذه الحياة) بكلّيتها تبدو و»كأنها مزحة»، وكذا الخيانات والتواطآت والخيبات من ضمنها، تلك الواردة في الرواية؛ فإنّ جعلها تستقيم فوق «جادة الصواب» لأمرٌ يستوجبُ إحالتها على الأحلام، ما دامت تستعصي على الواقع. إحالتها على المتخيَّل. إحالتها على الكتابة نفسها. وإنها لمناسبةٌ أسوق من خلالها فَرَضيَة أن الأحلام/ المتخيّل ليست سوى سرد مجزأ متقطِّع متناثر للعالم الساحق للذات وقد تحطّمت قضبان سجونه بفعل الرغبات في إعلان حريتها وإعلاء أصواتها! وبالتالي فإنّ الكتابة، كفعلٍ ممارَس، هي أحلامنا وقد ترجمناها كلمات ليصار لنا فهمها.
ها نحن حيال شبكة من الإبدالات كالمرايا المُشَفَرَّة. شبكة من الإحالات كاحتيالات. شبكة من الخيانات لتصحيح ما تمت خيانته قَبْلاً. أفعال تتعمّد أن تجرح علّها تضمّد جراحاً ما زالت مفتوحة. الرمي بالآخرين في أتون الارتيابات والشكوك والإهمال سعياً، بلا أمل، لبلوغ يقين الذات عن ذاتها.
وهيهات. ثمّة فاصلة في جُملةٍ لا تكتمل بنقطةٍ تختمها. أبداً. فهل ترانا نستسلم، والحالة هذه، أم «نتمرّد» على نحونا فنحوّل حياتنا بأكملها في هذا العالم إلى مجرد «كأنَّها حياة»! ولكن، كيف التمرّد على واقعٍ أملى شروطه علينا فَصُرْنا ما نحن عليه؟ كيف وقد أقَرَّت الراوية: «لم يكن أحد منهم حُرَّاً، لم يكن خالد ولم تكن ليلى ولم تكن رنا.»
تُسْتَهَلّ الرواية بتعريّة الذات الراوية (المدرِّبة) لحقيقة المستوى الاقتصادي الرثّ للشخصيات الطامحة الطموحة (المتدربين)، على نحوٍ صادم في صراحته ، دون تورية الحقيقة الأخرى القائلة بـ»نحن أولاد شوارع.. وأنا مثلكم.. أنا بنت كلب وبنت شوارع وبنت حرام.» إنَّ مفتتح الرواية هذا، وكذا بقية الإشارات الشبيهة اللفظيّة والمسلكية المؤكدة للمعنى ذاته: «هذا العالم ليس لنا، أقصى ما نستطيعه هو أن نحاول أن نكون على هامشه، سأعلّمكم كيف تصيرون من الطفيليّات.»، لا يشير على الإطلاق إلى أيّ مسعىً «لِبَثّ التمرد في نفوس الآخرين» – كما جاءت كلمة الناشر على غلاف الرواية الأخير، بقدر ما أفسحَت المجال للتكيُّف بالخضوع للشرط العام. وإذا ما بحثنا عمّا قد يشي بالتمرّد، كحالات تومض هنا أو هناك؛ فإنها تلك الانتفاضات الأقرب لِهَبَّات انتقامية تصل حدّ التجريح التي تشنّها الراوية ضد ذاتها: «سأترك أمكنتي غفلاً مني بكلّ قصديّة، كما يليق بتافهٍ أزليّ.»
أبسببٍ من استحالة تخليق حالات تمرّد فاعلة مؤثرة في الواقع، ينحرف مفهوم «الثورة» على هذا الواقع وشروطه المجحفة باتجاه سلسلة من «السورات» ضد الأقربين والذات وإيلامها درجة التحقير! فإنْ صحَّ هذا؛ فمعناه أننا ولجنا منطقةَ تآكل الذات من داخلها، وهنا تحديداً تتحوّل أعماقُنا لتصبح جحيمنا، كإبدالٍ منطقيّ عن تلك المقولة الوجودية الشائعة القائلة بأن الآخرين هم الجحيم!
3. العاميَّة كتعبير بليغ عن
 رداءة اليوميّ وقسوته 

لا يسع قارئ «كأنها مزحة» تجاهل لجوء فيروز التميمي إلى إدخال المفردات العاميّة جزءاً مكوِّناً ولاحماً في سياق السرد الفني. وهي بذلك تخالف ما اعتدناه في النصوص السرديّة، القصصية والروائية العربية، التي إنْ فَعَلَت فغالباً ما تلجأ إلى استثمار العاميّة في المنطوق (الحكي) عبر الحوارات، مكتفية بهذا، دون إغفال عدم نجاتها من نقدٍ تتعرض له من قِبَل مَن يرونها انتقاصاً من الفصحى، وبالتالي انتقاصاً من قيمة النصّ نفسه – في مستواه اللغوي، على الأقلّ.
غير أن مسألة التحام المفردة العاميّة بالفصحى ضمن الجملة السرديّة الواحدة، لدى فيروز، وتحريرها من سجنها داخل القوسين الصغيرين، لا تكون بِنِيَّة أو لغاية التقرُّب من «روح» القول أو الحكي المصاحب لطبيعة الشخصيات في حواراتها العابرة العفوية مع بعضها؛ بل «إنطاقٌ فَصيحٌ» للسرد البالغ أعماقاً لا تحتمل التعبير عنها بغير «لغتها» كما هي: بفجاجتها، بمباشريتها، بمألوفها اليومي السائر، بشوارعيتها الشائعة، بعدم احتمالها لأيّ «تهذيب أو تأدُّب» يقلل من وقعها لا لدى ناطقها/ كاتبها وحسب؛ بل أيضاً على المنصت/ القارئ لها. ولقد حاولتُ أكثر من مرّة استبدال تلك المفردات بأخرى فصيحة، غير أنّ الأصل «الحوشي» كان أبلغ. وربما شكَّلَ هذا، في خُلاصته، تميّزاً لافتاً لكُلِّية النصّ الروائي، ومَنَحه «مَذاقاً لاذعاً» بحق!
كيف يمكن للواحد منّا «فَصْحَنَة» المفردات التالية واشتقاقاتها، على سبيل المثال: العُرّ (أطفال كُثر)، أُشَلْفِق (العمل والتصرف باستهتار وكيفما كان)، سَمَّات بَدَن (أحداث تصيب المرء بما بين الغيظ والإحباط)، الصَرْمَحَة (التسكّع بلا هدف)، تُجاكِرُها (فعل إغاظة المرأة للمرأة)، الشَرْتَحَة (ارتداء ثياب عتيقة بلا ذوق)، البلوزة الممروطة (البالية الكالحة بلا كي)، هَرَّ (تساقط نثاراً)، متَسَوْدِنة (متشائمة وتتوقع الأسوأ)، شَحْبَرَة العالم (تلطيخه بالسناج)، ممعوسين (مسحوقين)، تُفاعِطُ هنا وهناك كمجنونة (تتحرك باهتياج خبط عشواء)،إلخ. 
غير أنّ للعاميّة هذه، إضافةً لدورها في وضعنا على حافة «لسعة المعنى الراجفة»، دوراً آخر قِوامه التعبير عن اليوميّ المتكرر في الواقع بصوره السلبية، بتجلياته البشعة، بقسوة وقائعه، بتوصيفاته للرداءة وللرديء معاً. فلو أحصينا كم هي المفردات العاميّة المفصحة عن الحالات السلبية، في الواقع وفي الذوات المتفكِّرة المنفعلة، لوجدناها تشكِّل أكثر من 90%، علماً بأنها بلغت حوالي 46 مفردة.
4. الجَدَّة نافذة أُوصِدَت
ولكي تكتمل دائرة الجحيم الأرضيّ المغلَق على نفسه، السابح في انكسارات الأرواح واكتظاظه بأجهزة الحداثة التقنيّة الجارفة للرِقَّة في الكائن الإنساني – إضافةً لشروط الواقع القامعة؛ تعجز شخصيّة الجَدَّة عن أن تكرر دورها الأوّل في عملية «الإنقاذ». فإذا كانت لعبت الدور الحاسم في أنقاذ ليلى من موتٍ محقق، عندما كانت طفلة، بلجوئها إلى سرقة صوص من حوش الجيران، وسلقه وإرشاف الطفلة لمرقه، حيث أعادت لها العافية؛ فإنها الآن ليست أكثر من حطام فاقد لوعيه على نفسه وعلى العالم من حوله. إنها مجرد «عالم مغلَق» آخر، مكتفٍ بالعَماء الموحش الذي يعيشه، عاجزة عن إدراك كم هي حاجة حفيدتها لأيّ بادرة تمنحها توحي لها بـ»حياة» تستمدّ منها طاقة المواصلة!
لكنَّ الجَدَّة ماتت قبل أن تموت! 
«هل أنا ميتة؟ سؤال جدّتها الذي ظلّت تقهرها به شهوراً قبل أن تموت..»! وتُركَت ليلى لمصيرها في البياض تغطس فيه وحيدةً: «توغِلُ أكثر في البياض وتستمتع ببياض ذهنيّ بحت.» 
أيّ خواءٍ باذخ يُفقِرُ الإنسانَ من معناه الأسمى ويُداخله! أيّ صورة أبلغ عن بلاغة هذه الخسارة في عَيش الحياة! لقد ماتت الجَدَّة/ النافذة، فلم يبقَ سوى الجدار.
5. كتابة «نِسويَّة»، أم «نصّ المرأة»؟
حين الانتهاء من قراءة «كأنها مزحة»، وتأمل رَجْعَها بعد وقت يسمح بلملمة الجزئيات وموضعتها ضمن كُليَّة النصّ، يصير للقارئ أن يتساءل إذا ما كانت كتابته قد صدرت عن رؤية أو موقفٍ «نِسويّ». أو، بحسب ما باتَ مألوفاً كمصطلح يُطلق على عموم النصوص المكتوبة من قِبَل النساء؛ إذ يشكِّل «الجَنْدَر» جذره والمبدأ فيه.
غير أنّ المألوف الغالب في تلك الكتابات المستندة إلى «الجندر»، ميلها، وعلى نحوٍ رئيس، لموضعة المرأة داخل دائرة الصراع، أو التنافر، أو صِيَغ المساومات والتسويات مع الرجل، انطلاقاً من مفهوم الثنائيّة الضِديَّة كأساس للعلاقة/ العلاقات الواصلة بينهما، الفاصلة لهما. ولا يكون هذا إلّا استناداً لِمْا هو مُتَفَقٌ عليه، والمتمثِّل بحقيقة كوننا نعيش وسط مجتمعات تتسيّدها قِيَمُ الذكورة كإرثٍ تاريخيّ طويل وثقيل. 
لهذا، وبناءً عليه، بَدَت «كأنها مزحة» خارج هذا السياق تماماً. إذ ليس ثمّة ما يشير إلى إشكالٍ عميق يتحكّم بعلاقة الشخصيات النسائيّة بالرجال على امتداد الرواية راسماً لها مصائرها – اللهم سوى سطوة الأب العسكري المُحْبَط والعاجز في طفولة ليلى، وكان عبوره خاطفاً لم يُحدث تأثيراً في تكوين شخصيتها. وعلى غير المألوف أيضاً، نجدُ أنّ احتدام المواقف في تفاصيلها المتراكمة إنما تتأتى عن إشكالات بين نساءٍ ونساء، يتغالبنّ ويتنافسنّ ويتناقضنّ بعنفٍ بهدف السيطرة والتملُّك، بينما يُنَحَّى الرجل/ الرجال وينزوون على هامش هذا العالم النسائيّ، وبذلك يتحولون إلى مجرد «موضوع» تتدارسه وتتناوشه «الذات» النسائيّة ويتحايلنّ به على شروط عوالمهنّ الخاصّة (راء المتخيَّل المحلوم به يفعل ما تشتهيه الحالمة وتهواه، وخالد المُزاح من ليلى يُلتقط من رنا، في حركة أشبه بالبندول.) إضافةً إلى غير مشهدٍ لافت رسمته فيروز التميمي صَوَّرَت من خلالها قسوة المرأة على المرأة نفسها، إذا ما توفرَت لها سُبُل هذا!
صحيحٌ أنّ «كأنها مزحة» رواية تضجُّ بالنساء، بأصواتهنّ، بعوالمهنّ السرِّيَِّة المحمومة، بمماحكاتهنّ، بأحلامهنّ المقصوفة، إلخ، لكنَّ هذا كلّه ليس مُحالاً على الرجل كسببٍ أوّل ومُسببٍ مُشَخَّص. بل يمكن، من جهتي، الاجتهاد بأنّ رؤية الرواية/ الراوية/ الروائيّة هنا قد اتجهَت بالإضاءة نحو الجانب المسكوت عنه في عالم النساء، تاركةً لغيرها من الكاتبات تكرار تلك الثنائيّة الضِديَّة المألوفة وكأنها شيفرة ووشم للمصادقة على مبدأ «الجَنْدَر».
ومع ذلك أقول: هذه كتابة لا تجترحها سوى امرأة، ولكن على نحو خصوصيتها فرداً ورؤيةً فنيّةً، وبمنأى عن الشعار واليافطة والهتاف العالي. هذه كتابة سَعَت لتخليق ما أرادت فيروز التميمي تطويره بوصفه نصّها الخاصّ، إذ: «أكتب نصّ المرأة.. كي لا يبقى ما لم أقله. أكتب نصّ المرأة كي لا تبقى روحي تظن بذاتها خيراً. كي تعرف أنها انتهت.» و»نصّ المرأة هو محاولتي مرة تلو أخرى أن أقول ما أريد وأفشل. أن أراني، وأرى ما ليس إياي.» – كما جاء في الصفحات الأولى من روايتها السابقة «ثلاثون». 
لم يكن كلّ ما سبق سوى قراءة حاولَتْ التقرُّب من مناطق إنارة ارتأيتُها جديرة بالمعالجة. لكنها لا تملكُ يقين الإمساك بمعطىً محسوم لا يقبل التجادل والحوار. ولأنها صادرة عن وعيي بنسبيَّة ما أتت به قراءتي هذه؛ فإنّي أقول واثقاً أنّ قراءات أخرى ستخرجُ بإضاءات فاتتني، تضيف لكلِّ من النصّ وللقارئ.. وللكاتبة أيضاً. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش