الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الزكاة والضمان الاجتماعي .حماية الفقراء وتلبية احتياجاتهم بدون منة

تم نشره في الاثنين 5 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً

] عمان - الدستور ووكالات

يرتبط مفهوم الضَّمان الاجتماعي في الإسلام بالزَّكاة ارتباطًا وثيقًا، وفي هذا المبحث تطرَّقتُ للحديث حول الضَّمان الاجتماعيِّ ببيان مفهومه، ورؤية الدكتور محمد شوقي الفنجري لمفهومه، وتأكيده على أن الإسلام هو دين التَّكافل والضَّمان، ورؤيته لمؤسَّسة الضَّمان الاجتماعي في الإسلام، وذلك في مطلبين، وهما:

مَفْهُومُ الضَّمَانِ الاجْتِمَاعِيِّ.

أَولا: الضَّمَانُ لُغَةً:

جاء في مقاييس اللغة: «الضاد والميم والنون أصل صحيح، وهو جعل الشيء في شيء يحويه، من ذلك قولهم: ضمنت (الشيءَ)، إذا جعلته في وعائه. والكفالة تُسَمَّى ضمانًا من هذا; لأنه كأنه إذا ضمنه فقد استوعب ذِمَّتَهُ» .

ثانيًا: تعريف الضَّمان عند الدُّكتور الفَنْجَرِيِّ:

يقول الدُّكتور الفَنْجَرِيُّ عن الضَّمان الاجتماعي: «التزام الدولة الإسلامية نحو كافَّةِ المقيمين بها، أيًّا كانت ديانتهم، أو جنسيَّاتهم، وذلك بتقديم المساعدة للمحتاجين منهم في الحالات الموجبة، بتقديمها كمرض أو عجز أو شيخوخة، متى لم يكن لهم دخل يوفِّر لهم حَدَّ الكفاية»، فلا بد أن تُشَرِّع مصرُ وكلُّ دولة من الدول الإسلامية قانونًا يستوعب هو ولوائحه فقهَ الزَّكاة، يستهدف تحقيق العدل الاجتماعي والضَّمان الشامل.

فالضَّمان الاجتماعي هو التزام الحاكم نحو رعيته، أو التزام الحكومة نحو شعبها، فالسلطة يجب أن تحرص على إبقاء الحد الأدنى من المعيشة اللائقة للشعب، وتوفير المساعدة لكل من يحتاج إليها، ويرى الدُّكتور الفَنْجَرِيُّ أنَّ قضية الضَّمان الاجتماعي هي القضية الأكثر إزعاجًا، وبثًّا للرُّعب في نفوس الشعب والحكومات في الوقت الحاضر.

ويؤكِّد الدكتور الفنجري في الوقت ذاته على أن الإسلام هو دين الضَّمان والتَّكافل، حيث يقول: «إن الإسلام هو دين الضَّمان الاجتماعي، من حيث التزام الدولة، وهو دين التَّكافل الاجتماعي من حيث التزام الأفراد، ويَتَمَثَّلُ الضَّمان الاجتماعي في الإسلام في ضمان حد الكِفَايَة، ثم يأتي التَّكافل الاجتماعي من جانب الأفراد كعنصر مُكَمِّل لالتزام الدولة وجهودها في إزالة العَوَز، والقضاء على الفقر والقهر»، والتَّكافل الاجتماعي هو أن يتكفَّل المُجتمع بشؤون كل فرد فيه من كل ناحية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية.

وقد دعت جميعُ الشرائعِ السماويةِ الإنسانَ إلى التضامن مع أخيه وترسيخ مبدأ التَّكافل في المجْتمع الإنساني، وجاءت بعد ذلك الشرائع الوضعية لتسير على هذا المبدأ السّامي ففرضت الضّرائب على الأفراد في سبيل المصلحة العامة، وفرضت كذلك العقوبات على الخارجين عن القوانين؛ وذلك من أجل تحقيق السلام الاجتماعي، واعتبرت هذه الشرائع أن الفرد عليه واجبات نحو المجتمع، كما أن له حقوقًا عند المجتمع كذلك.

فالتَّكافل الاجتماعي في الإسلام له نظام فريد يتميز عن بقية الأنظمة التَّكافليَّة الوضعيَّة بالنظرة الشُّموليَّة التي لا تقتصر على النواحي المادية في المجتمع، بل تشمل سائر النواحي الأدبية والروحية، من حُبٍّ، وتعاطفٍ وتعاونٍ، وأمرٍ بالمعروفِ ونهيٍ عن المنكر.

الزَّكَاةُ كَمُؤَسَّسَةٍ لِلضَّمَانِ الاجْتِمَاعِيِّ:

تلعب الزَّكاة دورًا هامًّا لتحقيق الضَّمان الاجتماعي، وهي - كما وصفها الكثير من العلماء - مؤسَّسة الضَّمان الاجتماعيِّ، حيث إنها إلزامية، ولها مصارفها وقيمتها المحدَّدة،

و لقد نجحت الزَّكاة في العصور الإسلامية السابقة كمؤسَّسة، متمثلة في بيت المال - والذي كان من مسؤوليات الحاكم - في تحقيق أهدافها في الإسهام بشكل كبير في تحقيق التنمية الاقتصادية.

و»لا يخفى أن مبدأ الزَّكاة - حين طُبِّق في العصور الإسلامية السَّالفة - نجح في محاربة الفقر، وأقام التَّكافل الاجتماعيَّ، ونزع من القلوب حقدَ الفقراء على الأغنياء... وَعَوَّدَ المؤمنين على البذلِ والسَّخاءِ وهَيَّأَ سبلَ العملِ لمن لا يجد عملًا»، ويتضح من هذا أن الزَّكاة لم تكن فقط مجردَ إعطاءِ بعض من المال لإطعام الفقراء، إنما كانت وسيلةً حقيقيَّةً للقضاء على الفقر؛ وذلك عن طريق توفير فرص عمل، مثل أن يعطى الشَّابُّ الفقيرُ رأسَ مالٍ؛ كي يبدأ تجارةً ويشتري آلةً لحرفة يعلَمها.

من هنا نجد أن الزَّكاة أداةٌ من أدوات التنميةِ و القضاءِ الفعليِّ على الفقر، وقد ضرب الخلفاءُ: عمرُ بن الخطاب، وعمرُ بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أروعَ الأمثلة التي أوضحت كيف أن الحاكم الصالح قادر أن يحقق العدل والرَّخاء لأمته، من خلال الأمانة والعدالة الفائقة في توزيع أموال الأمة، فلقد قال الخليفة عمر بن الخطاب في عام الرَّمادة -وهو عام المجاعة-: «واللهِ الذي لا إله إلا هو، ما أحدٌ إلا وله في هذا المال حقٌّ أعطيه أو أمنعه، و ما أحدٌ أحق به من أحد، وما أنا فيه إلا كأحدكم... والله لئن بقيتُ، ليأتينَّ الراعي بجبلِ صنعاء حظُّه من المال وهو يرعى مكانه.

أما في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، فلقد مُحِيَ الفقرُ وحلَّ محلَّه الغنى في جميع أنحاء الأمة، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، فعن سهيل بن أبي صالح: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن -و هو بالعراق- أن أخرِج إليهم أعطيَّاتهم، فكتب إليه عبد الحميد: «أني قد أخرجتُ للناسِ أعطيَّاتهم، وقد بقي في بيت المال مالٌ، فكتب إليه انظُر من أدان في غير سَفَهٍ ولا سَرَفٍ فاقض عنه، فكتب إليه أني قد قضيت عنهم وبقى في بيت مال المسلمين مالٌ، فكتب إليه انظُر كلَّ بكرٍ ليس له مال فشاء أن تُزَوِّجَهُ فَزَوِّجْهُ وأصدِق عنه، فكتب إليه أني قد زوجتُ كل من وجدت وقد بقى في بيت مال المسلمين مالٌ، فكتب إليه بعد مَخْرَجِ هذا انظُر من كانت عليه جِزْيَةٌ فضعُف عن أرضه، فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه؛ فإنا لا نريدهم لعام أو لعامين.

وانطلاقًا من هذه التعاليم، فإن الدكتور الفنجري يرى أن الإسلام لم يكتف بمجرد الدعوة إلى الضَّمان الاجتماعي بكفالة المستوى اللائق لمعيشة كل فرد، وإنما أنشأ لذلك - منذ أربعة عشر قرنًا - مؤسَّسة مستقلَّةً، هي مؤسَّسة الزَّكاة، والتي هي -بالتعبير الحديث- مؤسَّسة الضَّمان الاجتماعيِّ في الإسلام، كما يرى الدُّكتور الفَنْجَرِيُّ أن أهم دور أُسند إلى مؤسَّسة الزَّكاة هو ضمان مستوى لائق لمعيشة كل فرد في المجتمع الإسلامي، وهذا ما عَبَّر عنه الفقهاء القدامى باصطلاح حد الكفاية، يقول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «إذا أَعْطَيْتُمْ فأَغنوا.

ويقول علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فالزَّكاة من أهم وظائفها ضمانُ مستوى لائق بالمعيشة، وحصول حد الكفاية للفقراء والمحتاجين، «فعلى الإمام أن يتقي الله في صرف الأموال إلى المصارف، فلا يدع فقيرًا إلا أعطاه حقَّه من الصدقات؛ حتى يغنيه وعياله، وإن احتاج بعض المسلمين - وليس في بيت المال من الصدقات شيء - أعطى الإمامُ ما يحتاجون إليه من بيت مال الخراج.

ومما سبق تبين أن دور مؤسَّسة الزَّكاة لم يقف في رأي الدكتور محمد شوقي الفنجري عند سَدِّ حاجة الفقير العاجز، بل تَعَدَّاهُ إلى إعطاء فرصة العمل للقادر عليه، فكثيرًا ما أُعْطِي الفقيرُ ما يمكن أن يسمِّيه برأس مال؛ ليبدأ تجارة ينميها، أو يشتري الآلات لصناعة يعرفها.

وعن حداثة نظام الضَّمان الاجتماعي يقول الدكتور الفنجري: «إن نظام الضَّمان الاجتماعي حديثٌ في عالمنا الحاضر، فهو نتاج صراع الطبقات، وثمرة المشاكل الاجتماعية، المتولدة عن الثورة الصناعية، والتطور الاقتصادي، وهذه بخلاف الأمر في الإسلام فقد قرَّره منذ أربعة عشر قرنًا، كضرورةٍ حتميَّةٍ للقضاء على البؤس والفقر وتحرير الإنسان باسم الدين من عبودية الحاجة.

«إن الزَّكاة نظام للضمان الاجتماعي الإسلامي، شامل أصيل، وفريد متميز، يحوز –بجذوره الدينية وبأحكامه الرائدة- قَصَبَ السَّبْقِ على أنظمة التَّكافل والتأمين الاجتماعية المعاصرة جميعًا، ويقيم ميزانَ العدل في المجتمع، ويناصر المُعْوَزِينَ، دون حرج على الدولة، ولا إرهاق للأغنياء، ولا إخلال بمبدأ المساواة بين المواطنين.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش