الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الملكة رانيا تكشف الداء وتقدّم الدواء لإصلاح التعليم والنهوض به

تم نشره في الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً

 كتبت - نيفين عبدالهادي

فتحت جلالة الملكة رانيا العبد الله باب تشخيص واقع التعليم على مصراعيه، كاشفة عن حقائق غاية في الأهمية بالأرقام والنسب المبنية على دراسات علمية وبحوث أخرجت عملية التشخيص والوصول إلى حلول من أي قالب تقليدي، واضعة الداء والدواء في آن واحد، فلم تقرع الجرس فحسب لسلبيات ضخمة يعاني منها قطاع التربية والتعليم إنما حمّلت مسؤولية الإصلاح للجميع بضرورة تجاوز مرحلة اللوم لأن من شأنها تأخير الإنجاز والعمل جميعا لتحمل مسؤوليته.

وانطلقت جلالة الملكة في كلمتها خلال حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية أمس الذي جرى برعاية صاحبي الجلالة الملك عبد الله الثاني والملكة رانيا، انطلقت من منهجية اصلاح التعليم برمته من توجيهات جلالة الملك بأن أسهل الطرق لحل المشاكل هو «المواجهة» فقالت جلالتها (سيدي صاحب الجلالة.. أهم ما علمتنا، هو أن أقصر السبل لحل المشاكل: المواجهة..لا التجاهل، أن نرى الأمور على حقيقتها لأن تجميل المشاكل؛ يأتي في المحصلة على حساب أجيال الأردن .. وهذا ما لا تقبله أبدا. أنت من يدعونا دائما لرفع الرأس حتى نرى بوضوح فرصا غالبا ما تختبئ في طيات التحديات)، لتجعل بذلك جلالتها الطريق مفتوحة لأوجه العلاج كافة بصورة تنزع بها الفرص حتى وان كانت تختبئ في طيات التحديات.

خرجت كلمة جلالة الملكة أمس من أشكال الكلمات التي اعتدنا عليها، فقد شكّلت حالة بمجملها، حالة علمية تعليمية تربوية لم تخل كعادة جلالتها من البعد الانساني بتأكيدها على: (أن التعليم يمس كل بيت أردني؛ لكل منا ابن أو بنت، حفيد أو حفيدة، طفل قريب أو عزيز يذهب إلى المدرسة كل يوم)، فتقدّم جلالتها الجانب الإنساني القريب من كل عائلة أردنية، ومن ثم تؤسس لحالة اصلاح تعليمية تغيب بها أي مساحات ضبابية وتتطلب أمرا واحدا فقط هو الإقدام على العمل والتنفيذ، إذ لم تترك جلالتها مفصلا واحدا لم تعرج عليه بتفاصيل كاملة تقرّب النموذجية من الاصلاح التربوي بنسبة كبيرة.  

وفي سياق حديث جلالتها عن منهجية اصلاح التعليم كشفت عن الكثير من التفاصيل التي تؤشر على سلبيات تتطلب علاجات عملية وأدوات حقيقية لغايات الوصول بملف التعليم لبر السلامة، فبدأت بخطوات التطوير خطوة بخطوة بدءا من مرحلة الطفولة المبكرة، كاشفة أن : (مئة وخمسون ألف طفل يسجلون في الصف الأول الإبتدائي كل عام، ماذا نقدم لهم؟ ما شكل رحلتهم في منظومة التعليم الأردنية؟ تسعون بالمئة من تطور الإنسان الدماغي يحدث قبل سن الخامسة.. لكن في الأردن نسبة قليلة يحظون بتعليم مبكر: إثنان بالمئة ممن هم دون سن الثالثة. وثمانية وعشرون بالمئة تقريبا ما بين سن الثالثة والخامسة. بالمقابل تصل نسب إلتحاق أقرانهم في دول منظمة التنمية والتعاون الإقتصادي إلى أضعاف ذلك).

وتنتقل جلالتها في كلمتها لما بعد هذه المرحلة حيث المدرسة وتقول  : (بعدها يأتي يوم المدرسة الكبيرة الأول؛ وتلمع عيون الصغار من الحماسة والرهبة في آن واحد... يؤازرهم أهلهم)، وباللغة العامية وكعادة جلالتها لإعطاء الأمور طابعا مختلفا يقرّب فكرتها للجميع من مسوؤلين ومواطنين قالت جلالتها (ويشجعونهم «لأنو اللي ما بيروح عالمدرسة ما بيتعلم.. وشو بدك تصير إذا ما تعلمت»؟)، وبذلك تضع جلالتها واقع الأطفال بهذا العمر كأولوية كما وضعت الطفل ما قبل المدرسة.

وتضيف في ذات الشأن، (وبعد وثوق الطفل في منطق أهله؛ ومن منطلق وثوق الأهالي وآمالهم بأن طفلهم ورأس مالهم -ورأس مالنا أيضا- سيتلقى تعليما يحقق له طموحهم.... يحمل الطفل الحقيبة والأقلام والدفاتر... وتبدأ رحلة المرحلة الإبتدائية)، وتضع جلالتها حقيقية مؤلمة عندما تقول (وشيئا فشيئا .. تبدأ الطموحات الكبيرة تصغر أمام نوعية التعليم. فحسب الدراسات، ثمانون بالمئة من طلاب الثاني والثالث الإبتدائي هم دون مستوى مرحلتهم في القراءة. وطلاب المرحلة الإبتدائية في الأردن متأخرون في مادة الرياضيات)، (نصل إلى الصف الثامن، لنرى تقييم الأردن في اختبار التميز الدولي للرياضيات والعلوم لم يتحسن في الدورتين الأخيرتين، بل تراجع!ثم في الصف العاشر، نجد أردننا الطموح ضمن الدول العشر الأواخر في اختبار البيزا من أصل ست وخمسين دولة)، وتسير جلالتها وفقا لأجندة الحياة المدرسية صفا بصف مشخصة وقائع بأرقام تتطلب ثورة بيضاء ودون تأخير في مسيرة العملية التعليمية.  

وفي مرحلة التوجيهي قالت جلالتها (أما التوجيهي.. فرغم الجهود التي تبذل في تطويره واعادة هيبته الا ان نتائجه غير مرضية. العام الماضي ترفع مئة ألف طالب للصف الثاني عشر. أقل من ستين ألفا تقدموا لامتحان الثانوية العامة، نجح منهم أربعون بالمئة فقط. يعني من بين كل أربعة طلاب على مقاعد الدراسة في الصف الثاني ثانوي يتخرج أقل من واحد من الثانوية العامة! ونتائج هذا العام اتبعت نمطا مشابها).

ولم تكتف جلالتها بتشخيص واقع التوجيهي السلبي عند هذا القدر بل أضافت (كل عام نتفاجأ بعناوين كبيرة في الصحف على غرار «ثلاثمئة مدرسة لم ينجح منها أي طالب...»!)!!!! وبطبيعة الحال الإعتراف بهذا الواقع وفق كلمات جلالة الملكة لا يعني اطلاق عناوين وأرقام خطيرة دون الوقوف على تفاصيلها، والعمل على تصويبها وعلاج أي تشوهات بها، فالأمر لا يقتصر على الحديث عن الخلل إنما علاجه!!!

 وفاجأت جلالة الملكة الحضور بمعلومة غاية في الخطورة إن لم تكن حالة بحد ذاتها يبنى عليها آلاف التحاليل والبحوث، عندما قالت جلالتها (سأذكر هنا حادثة لا أحب أن أتذكرها- لكن علينا جميعا ألا ننساها: وصلتني ورقة امتحان دون أجوبة... كتب عليها مشرف القاعة بالحرف: الطالب أمي؛ أي: لا يعرف القراءة والكتابة! طالب أمضى اثني عشر عاما في مدارسنا؛ ولم يتعلم كيف يقرأ ويكتب!)!!!!! لعلها معلومة أو حادثة تتطلب احداث منهجيات حديثة مختلفة كليا عن تلك المعمول بها في المدارس تخص البيئة المدرسية والمعلم ومدير المدرسة والمناهج وآليات التعليم وثقة المجتمع بالمدرسة والتعليم، هي حالة تؤكد أن الصمت أو العودة للوراء بالإصرار على استخدام أدوات قديمة لإصلاح التعليم لم تعد مجدية، فالأمر كما قالت جلالتها بقاء طالب (12) عاما في المدرسة دون أن يتعلّم القراءة والكتابة هو أقرب للمصيبة التربوية التي تدفع باتجاه الإصلاح السريع بأسرع وقت.

ولم تترك جلالتها مساحات ضبابية لاختراع حلول للمشاكل التعليمة، فقدمت جلالتها الدواء لكل ما كشفت عنه من مشاكل، مؤكدة (إن إصلاح التعليم عملية متداخلة ومتشعبة وتتطلب منا جهدا غير مسبوق.. لنحقق نتائج غير مسبوقة. علينا إعادة النظر في القضايا الهيكلية مثل إدارة التعليم، ووضع سياسات تجلب الكفاءات العالية لمهنة التعليم وتحافظ على مستواهم، وبنفس الأهمية المساءلة وتحمل مسؤولية ضعف مخرجات التعليم وأسبابه).

وركزت جلالتها على تمكين المعلّم، وتوفير التكنولوجيا الحديثة والإنترنت في المدارس، كما تطرقت جلالتها لمسألة غاية في الأهمية تكمن في تغيير المناهج فقالت  (لا يمكننا أن نغفل دور ما نعلمه لأطفالنا. وهنا يجب أن نضم صوتنا للإعلاميين وغيرهم ممن كسروا تابو الحديث عن المناهج التي هي أحد أسباب تخريجنا لطلاب يفتقرون إلى مقومات النجاح في القرن الواحد والعشرين)، حتما هي وضعت النقاط على حروف مبهمة تبحث عن حلول عملية لواقع مليء بالمشاكل والتحديات فالمناهج وتحديثها بسبل حديثة مسألة تتقدّم كل حلول تشوهات التعليم.

وكعادة جلالتها لم تغب لغة التفاؤل في حديثها فقالت (لم يكن الهدف من هذا العرض أن يضعنا في خندق معتم لا أمل ولا نور فيه، أو أن يسرد واقعا محتما علينا.التغيير صعب؛ لكنه ليس مستحيلا. بين أيدينا خطة طريق لعشر سنوات؛ تحدد أنجح؛ وأقصر الطرق لإصلاح التعليم؛ وها نحن ماضون باتجاه الضوء).

ومضت جلالتها بوضع الإطار العملي لإصلاح التعليم بوضع محددات واضحة لهذه الغاية، مطلقة بذلك نهجا يستند على مبدأ (نحن نريد تعليما نوعيا لأبنائنا، فلنبدأ من حيث نطمح لأن نصل)، مشيرة :(نريد أن يعمل وينافس أبناؤنا في القرن الواحد والعشرين، فلنزود مدارسنا بالتكنولوجيا وأدوات التعليم الإلكتروني ليصبح طلابنا طلقاء بلغة العصر.نريد مناهج تثري التعليم وتفتح آفاق المعرفة، فلننشئ مركزا مختصا بمتابعة أحدث الأساليب التربوية وتطوير المناهج وتحديثها. وهو نموذج تبنته كثير من الدول المتقدمة في التحصيل العلمي. نريد معلمين مؤهلين ...لذا نتعاون اليوم مع وزارة التربية والتعليم والجامعة الأردنية وأكاديمية تدريب المعلمين لإنشاء كلية لتأهيل المعلمين وتدريبهم لمدة عام قبل دخولهم الصفوف. ليقفوا في أول الصف جاهزين وواثقين بأن لديهم ما يلزم من العلم والمهارات لتعليم أجيال الأردن.سنعمل مع إحدى أفضل كليات تدريب المعلمين في العالم، لأننا نريد أفضل تعليم لأطفالنا، وأفضل تدريب لمعلمينا).

وأخرجت جلالتها فكرة الإستفادة من تجارب الغير من اطارها الخجول، ذلك أن اختراع العجلة الذي لا نحتاجه في ظل وجود كفاءات دولية ، وقالت جلالتها (لا خجل من أن نستفيد من التجارب الأجنبية .. أن نستقطب الموهبة من أينما كانت، ونوسع مداركنا.. ففي عالمنا السريع لا وقت لدينا لإعادة اختراع العجلة. لنتعلم ممن نجحوا.. لنستورد ونستعين بخبرات غيرنا،...لنأخذ الأساسات ونبني صروحا أردنية؛ قادرة على تنشئة أجيال عالمية مداركها، وأردنية هويتها).

وتأكيدا من جلالتها على ضرورة العمل لتحقيق منجزات ملموسة على أرض الواقع تخرج حزم الأبحاث والدراسات من اطارها النمطي لحتمية التطبيق العملي، دعت جلالتها لعدم تبديل حماسة التغيير لتقاذف المسؤولية، فاصلاح التعليم مسؤولية وطنية على الجميع القيام بها، في ظل أن الأردن دولة مؤسسات لن يتمكن الجسم الأردني من تحقيق تقدّم دون مشاركة بكافة أجزائه بذلك، وقالت جلالتها (كم أتمنى أن لا نصبح على حماسة للتغيير، ونمسي على تقاذف للمسؤولية. أعود وأؤكد أننا لسنا هنا اليوم لتبادل اللوم فهو مضيعة للوقت).

محددات واضحة تكشف الداء وتقدّم الدواء طرحتها جلالة الملكة في كلمتها التي شكّلت بجدارة خارطة طريق نموذجية لإصلاح التعليم والنهوض به نحو الأفضل، وكما قالت جلالتها (لنعقد العزم ونمضي حتى يرى تعليمنا نور العلم ونحقق طموح الأردن والأردنيين)، فأن يرى التعليم نور العلم فلسفة يقود تطبيقها حتما لواقع تعليمي مختلف بالايجابية المطلقة والمثالية التي تناسب متطلبات المرحلة وغد مزدحم بأشكال التطور.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش