الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الصعيد الذى ضيع في الأوهام عمره!

تم نشره في الاثنين 26 أيار / مايو 2014. 03:00 مـساءً

 مفيد فوزي
  ملعون القلم الذى يكتب ليسلي، بينما جراح وطن تنزف فى صمت. ملعون القلم الذى يصطف بجوار تفاهات بينما قضايا بلد مزمنة دون علاج أو دواء. ملعون القلم الذى لا يتحول فى لحظة إلى بندقية أو سقالة بناء أو معول هدم لخرافات السنين، أو أداة للتبصير فى الظلمة.
* أنا لا أبتعد عن الموضوع  فإن المحرض عليه عبارة نطق بها واحد من مصر الشغيلة بدرجة رئيس وزراء اسمه محلب، قال إنه  سيبدأ برنامجا تنموياً فى الصعيد من بيت عبدالناصر فى بنى مر  وحتى كتابة هذه السطور فالأمنية المحلبية فعل مضارع  وما أخشاه أن تتحول بعد قليل إلى  فعل ماض وتضاف إلى أمنيات مخلصة سابقة طلع عليها النهار فتبخرت يا بوي .
* لقد قال طه حسين فى بدايات القرن الماضى كلاماً يستحق أن نقف عنده بتأمل، قال طه حسين: الفرق بيننا وبين أوروبا هو  الجدية وإرادة الفعل. وقال طه حسين:  إن السبيل إلى أى إصلاح هو أداة سياسية صالحة خصوصاً إذا كان إصلاح اجتماعى  وهنا دور القيادات الفكرية فى توجيه الناس فى صنع التاريخ. ويرى طه حسين أن رجال الفكر فى أمة هم مصدر القوة الصحيحة، ومن أهم أقوال طه حسين فى كتابه المهم  الديمقراطية  أن للشعب حقوقاً يجب أن تؤدى إليه وأولها أن يرد البؤس عن الشعب البؤس هو الذل والحاجة.
* يلتقى المفكر سلامة موسى مع عالم الاجتماع د. سيد عويس فى أن  الملمح الأساسي للصعيد هو البؤس، حتى أديبنا يحيى حقي الذى عاش فى فجر تجربته العملية فى الصعيد يعترف أنه كان يتطلع للخلاص، لأنه عاش عذاباً مكتوماً فى مجتمع كله  ملل وكآبة ووحدة وصمت يقطعه صوت طلقات رصاص يعقبه عويل . والصعيد خرج منه عبدالناصر وعباس العقاد، ورفاعه الطهطاوى، وطه حسين، ومحمد صديق المنشاوى، وعبدالباسط عبدالصمد، والأبنودى، والقعيد، والغيطانى يسبقهم أحمد بهاء الدين الذى توجد جمعية تحمل اسمه فى أسيوط مسقط رأسه، ومهمتها ورش عمل لكتابة أحوال الصعيد، تساهم فيها المؤسسة الثقافية السويسرية والهيئة العامة لقصور الثقافة والهيئة القبطية الإنجيلية ومحافظة أسيوط. هذه المؤسسة صوتها خفيض شأن مؤسسات البحث الاجتماعى، على نار هادئة، خصوصاً فى صعيد عانى من التهميش والاستبعاد المتعمد وغير المتعمد، فى صعيد هو عملياً  منطقة مهجورة جغرافياً بل هى أحياناً منفى وعقاب للمخطئين بأمر الدولة .
* راقبت الصعيد منذ كان للوجه القبلى أمين  فى زمن عبدالناصر، وإلى الآن أحسب أنه لم نتقدم رغم الأمانى والأغانى، أحسب أنه لم يتطور رغم الوعود والوفود، وراقبت تصريحات الحكام ورؤساء الحكومات على مدى  خطب العرش الشهيرة  فأجد أن الصعيد ورد ذكره، ولم يرد ذكر أى خطوة فى الإصلاح، فاشتد فقراً وجهلاً وغرقاً فى الخرافات، سقط الصعيد ربما سهواً أو متعمداً من الذاكرة.
 * لا يوجد صعيد واحد، هناك أكثر من صعيد تكون من الهجرات العربية من شبه الجزيرة العربية والنازحين من الجبال، وبمرور الزمن صارت أكثر قبائل الصعيد عائلات وليس قبائل، ومن الممكن القول لدارسى مكونات الصعيد فهو نهر وصحراء وجبال ونخيل يعيش فيه ثلث السكان وهم الثلث أقباط والثلثان مسلمون ويبدأ فعلياً من المنيا إلى حلايب وشلاتين.
* صعيد مسلسلات الدراما التليفزيونية ــ فى أغلبه ــ  وهمي ومخترع فالصعايدة لا يعيشون فى قصور. الصعيدى ليس رجلاً  قاسي القلب لا يعرف العواطف، الصعيدى ليس مجرد عمة وبق معووج، الصعيد ليس نهاره تار وليله تار، الصعيدى ليس ذلك المخلوق الأبله الغبى محور النكت والاستهزاء. الصعيدى ليس غائباً عن الدنيا وقد فرضت عليه العزلة. الصعيدى المثقف نزل القاهرة ومابيرجعش إلا فى زيارات عائلية. الصعيدى ليس ذلك الفارع الطول الذى يقضى وقته  يلعب السيجة، الصعيدى ليس  «شيخ منصر»  والسلاح لعبته. لابد من الاعتراف أن الدراما ــ فى السينما والتليفزيون ــ قد صنعت حواجز بين الوادى والدلتا وجعلت هناك صعايدة.. وبحاروة نسبة إلى وجه بحري .
*  خطط تنموية تضع الصعيد فى بؤرة اهتمام الدولة والاهتمام بالمشروعات لمحاربة الجهل والفقر، وهما عنصران يدعمان جميع أنواع الخروج على القوانين. هذه العبارة الفضفاضة ترددت آلاف المرات فى الصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون، وفى النشرات والندوات وألسنة المسؤولين، وفى ورش الدراسة والبحوث الميدانية ولكنها مجرد فورة ثم تتجمد إلى درجة الصفر، ويكتشف إنسان الصعيد ــ جيلاً بعد جيل ــ أنه ضيَّع فى الأوهام عمره. كان الصعيدى يحلم بصعيد معزوفة عمل وباستثمار آثاره على نحو صحيح، وبإقامة مصانع حول ثروات مناجمه فى بطن الأرض، ولكنه فوجئ برأس المال الجبان الخائف والمتردد، فوجئ بعدم تسهيل مهمة المستثمر فى الصعيد، حتى أثرياء الصعيد أنفسهم اعتبروا الاستثمار فى أرض الصعيد مغامرة، فلم يكسر أحد هذا الحاجز إلا قليلاً.
* قصور الثقافة فى صعيد مصر، قادرة على تغيير التربة النفسية، لو اكتملت عناصر الكمال فيها وأخذت اهتماماً أكبر بوصفها  أداة  للتبصير والإضاءة واكتشاف المواهب، فالثقافة هى السلوك فى نهاية الأمر، واختيار قادة قصور الثقافة مهمة دولة، وكلما كان العنصر من البيئة اقتربت المهمة من النجاح، ذلك أن تركيبة الصعيدى لا يفهمها ويتعامل معها إلا صعيدى مثله. ولأن الصعيد (متشابك) عائلياً فيجب وضع هذا فى الاعتبار حيث يصير التردد على قصر الثقافة  عدوى ، وتكسر بنات الصعيد الحاجز النفسى ويمارسن الظهور فى المجتمع، ولا يكتفى بظهور بنات وزوجات الغرباء عن الصعيد فى الأندية الكبرى. المطلوب فى حالة تطوير قصور الثقافة إلى  خلايا نحل هو إحداث  حالة  ثقافية تموج فيها أفكار مضيئة تخرج الصعيد من قبوه وتنسف فى داخله خرافات درج عليها، وتخصم من رصيده حالة إشعاع تنهض به فلا يصير مهمشاً ولا مزاراً فى المناسبات، حالة إشعاع تذوب فيها الفتنة والقبلية التى تنمو وتتوغل فى غياب الانتماء القومي.
* لماذا لا يقام مهرجان أسوان السينمائى فى الشتاء؟ لماذا لا توجد بورصة الأقصر للسياحة؟ لماذا لا يصبح لحرير إخميم سمعة عالية؟ لماذا لا نروج لرخام المحاجر إحدى ثروات الصعيد المهمة؟ لماذا لا نرسل قيادات أمنية صعيدية  مسقط الرأس  للصعيد فتقضى على التجاوزات؟ لماذا لا يصبح لكل محافظة ميزانية خاصة وحبذا لو كان المحافظ قد خدم فى الصعيد ولديه خبرة وتجربة فى التعامل مع مجتمع الصعيد؟ لماذا مستشفى الصعيد الميرى فى أسوأ أحواله باستثناء مشروع مجدى يعقوب فى أسوان؟ لماذا لا تحدث نهضة فى الطرق بين محافظات الصعيد من جهة ومحافظات بحرى، وطرق قريبة من موانئ التصدير، فالطرق هى سلم الاقتصاد؟ لماذا فقط ثروة الصعيد محصورة فى مصنع السكر فى كوم امبو وصناعة الحرير فى إخميم، وكان المفترض بعد وجود مطار فى سوهاج أن تبدأ رحلة سياحة وتجارة فى البحر الأحمر؟ أسئلة وتساؤلات.
* هل ساهمت شاشات  الصعيد  فى تطويره وخلق حالة يقظة؟ أتصور أنها مساهمة محدودة للغاية ولابد من إعادة دراسة دور شاشة تليفزيون فى صعيد مصر. هل مازال يعتمد على  مواد  من بحري؟ هل مازال نجوم القاهرة مفضلين عنده؟
فالتليفزيون أداة  تنوير حتى من خلال التسلية. ولا يكفى أن تكون الجيم معطشة أو لون المذيعة « قمحي»  لنقول هذا تليفزيون الصعيد المهم هو المحتوى الذى نقدمه للصعيد. إن هذا يستلزم عقول مفكرين يضعون خطة تتضمن: ماذا نريد أن نغير من أنماط تفكير الصعايدة؟ كيف نقضى على خوف المستثمر المصرى قبل الأجنبى؟ كيف تشارك المرأة مشاركة فعلية؟ كل هذا وأكثر دور شاشة يجب أن تكون برامجها لخدمة  البيئة الصعيدية.
* لاتزال مجالس» العرف» لها الأولوية فى علاج جرائم الصعيد بعيداً عن الدولة وأجهزتها فى القضاء والأمن، فهل هذا فى صالح الصعيد أم أن التطور الطبيعى سيعيد القبضة ليد الدولة؟ إن فى كل قرية من محافظات الصعيد منطقة اسمها « الحاجر» أى كل من يقطن تحت الجبال ويبدأ من الناحية الشرقية لصعيد مصر، هؤلاء يعيشون فى فقر مدقع وأشك كثيراً أن أحداً من محافظي الصعيد ذهب إلى هناك.
* الصعيد الآن: فراغ وبطالة وفقر وعمليات خطف أطفال وطلب فدية وتجارة سلاح وغناء  أنا الصعيدي أنا... من سبع تلاف سنة لا عين حمرة ولا سلطة تهمنا... فينا دكاترة وفلاحين وضباط ومهندسين.... شعراء ومغنيين أدباء وفنانين...  وأحياناً يكون الغناء نوعاً من الفضفضة بما هو مسكون.
* أمام حاكم مصر الجديد 2014، أول ملف جاد يخاصم التأجيل والتسويف والتهويم والتهوين والتهويل، هو ملف  صعيد مصر  الذى ضيع فى الأوهام عمره، للتذكرة والذكرى شريطة أن يكون الحاكم زاده... الخيال.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش