الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الاسراء والمعراج : منهج وحياة

تم نشره في الجمعة 30 أيار / مايو 2014. 03:00 مـساءً

د. محمد سعيد حوى

تأتي ذكرى الإسراء والمعراج في وقتٍ هو من أشد الأوقات على الأمة ، إذ تُستحكم حلقات المؤامرة عليها، ويستحر القتل، وتخترق الصفوف، وتتعمق الفرقة، ويعصف الخلاف والاختلاف.
الأمة كلها في حالة استنزاف، والتضليل الإعلامي على أشُده، والظلم تارة والطغيان تارة أخرى، والتشويه لمعالم الإسلام بألسنة أناس ربما انتسبوا للإسلام ظاهراً، فضلاً عن الأخطار المحدقة بالأقصى ذاته؛ تهويداً وتهديداً وحصاراً وحفر أنفاق.
في الوقت الذي نواجه ذلك كله بسياسات قد يصنفها البعض بالتطبيع، وأخرى يصنفها البعض بالأمنية، وإذا ارتقت الوتيرة فنواجه ذلك كله بالسياسية الإعلامية!؟
ولا ننكر وجود بوارق الأمل والخير وبذور العمل، وجذوتها تضحيات شبابٍ مؤمن، ومخلصون صادقون يعملون بهمة وإصرار على الثبات، وشهداء يرّون الأرض بين الفينة والأخرى، وأسرى يحطمون بإراداتهم الحديدة إرادة المحتل المغتصب، لكن كل ذلك أمام ضخامة الأحداث وجسامة المسؤوليات، وأمام مكر الليل والنهر لأعدائنا ، يبقى دون المطـلوب كثيراً  كثيراً.
نقول هذا: لنسأل أنفسنا هل يمكن أن نستلهم من ذكرى الإسراء والمعراج حلولاً لواقعنا ومشكلاتنا، وإجابة عن تساؤلاتنا، ورسماً لمنهج طريق النهوض والتحرير.
بالتأكيد نعم؛ لو فقهنا سورة الإسراء، فكيف يكون حدث الإسراء والمعراج رسماً وحلاً ودرساً وعبرةً؛ إن في أحداثه أو في صوره (الاسراء ، النجم).
أولاً: إننا إذا تأملنا في سورة الإسراء، وحدث الإسراء، نجد قضية العبدوية لله في حقيقتها وتجلياتها والطريق إليها حاضرة في كل شيء.
سواءً الحركة بين المساجد في الأرض إلى السماء إلى البيت المعمور أم في فرض الصلاة التي هي طريق العبدوية، أم في التهجد  الذي أكدت عليه سورة الاسراء أم في التأكيد على التسبيح والتحميد والتكبير والذكر في سورة الإسراء كلها أم في التأكيد على السجود حيث أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد أم في إمامته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء فكل ذلك تأكيدٌ لقضية العبودية لله.
ولا شك أن هذا المفتاح الأول والأساس الأكمل في الإجابة عنما نحن فيه ، ولذلك جاء في وصف من يحرر المسجد الأقصى ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ) [الإسراء: 5]
ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المتحقق الأعظم بالعبودية فُتحت له الأرض والسماء، ولما سارَ أصحابه على هديه فُتحت لهم الأرض، وارتقوا إلى عالم الجنان بإذن ربهم.

فإذا أردنا فتحاً ونصراً وتحريراً فليس لنا إلا طريق العبودية لله؛ وحقيقتها الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
ثانياً حدثـتـنا سورة الاسراء عن القرآن حديثاً خاصاً كقوله تعالى ( إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) [الإسراء: 9]
 وذكر القرآن أحد عشر مرة في سورة الاسراء ليقال لنا هذا هو منهج التحرير، وهذا هو منهج الحياة، وهذا منهج الفتح.
ثالثاً:  وإذا تأملنا في السورة نجد فيها حديثاً عن السنن الكونية الربانية في مواطن شتى كقوله تعالى ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) [الإسراء: 16]
 وجاء فيها قوله تعالى ? سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ? [الإسراء: 77]
ومالم تتعامل الأمة وفق السنن الكونية، وتفقهها ستبقى دون الارتقاء إلى أسباب التحرير.
رابعاً: نجد التوجيهات الربانية إلى وجوب امتلاك القوة وامتلاك زمام العلم بكل أنواعه وتجلياته، لذلك قال (... عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ) [الإسراء: 5]
وحدثـتـنا سورة الاسراء عن علوم السنين والحساب ( وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ) [الإسراء: 12]
، فعلم الحساب أساس بناء العلوم المادية والكونية وغيرها، فضلاً عن أن الرحلة ذاتها دعوة للعلم واكتشاف الكون، وامتلاك أسباب الحركة المؤثرة، وإذاً فهذا أساس آخر للإجابة عن حلول مشكلاتنا، فأين أمتنا من ذلك؟
خامساً: تحدثنا سورة الاسراء عن النظام الاجتماعي والكيان الأسري المتماسك ) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) [الإسراء: 23] إلى اخر الآيات.
كما حدثـتـنا عن النظام الاقتصادي ليوجد من وراء ذلك كله مجتمع التكافل والتراحم والتعاون.
ومن غير هذا الكيان المتماسك كيف يكون فتح ونصر وثبات وتضحية ووحدة وتكافل اجتماعي.
سادساً: وتحدثنا عن دستور الأخلاق من خلال وصايا عشر .
وما لم نتحقق ونرتقِ إلى هذا الدستور الأخلاقي فأنّى لنا نصرٌ أو فتح.
سابعاً: وتحدثنا السورة عن طبيعة الصراع بين الحق والباطل وكيف نخوض هذا الصراع، كما في قوله تعالى ( وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ، وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ، إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ، وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:73 76] كما لفتت سورة الاسراء نظرنا إلى صراعنا مع ابليس ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ) [الإسراء: 61]، ولا شك أن كل محور من هذه المحاور يحتاج إلى وقفات، ومن غير فقه الصراع العقدي والفكري والسياسي وفق منهج القرآن، كيف ننتصر؟
ثامناً: وتحدثنا السورة عن الإنسان من حيث هو إنسان؛ فجاء في سياق ذلك ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) [الإسراء: 70]
بل وإن ذات الرحلة بالرسول صلى الله عليه وسلم أعظم تكريم للانسانية.
ومالم تتحق انسانيتنا ويحترم انساننا فأنّى يكون الاندفاع والتضحية والوحدة والتحرير.
تاسعاً: وتحدثنا السورة عن الروح وأسرارها لأننا ما لم نرتق إلى عالم الروح فكيف ننتصر؟
عاشراً: تحدثنا السورة عن عالم الماديين الذين لا يؤمنون إلا بالمادة كيف نواجههم .
وفي الختام وتختم السورة بالحديث عن تصحيح الاعتقاد والتوحيد لله واخلاص العبودية لله ومن خلال الحديث عن الصلاة والسجود وذلكم أساس شامل فكما بدأت السورة انتهت.
وفي سياق ذلك كله الوعد الإلهي القاطع  
( ...فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ) [الإسراء: 7]
( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ) [الإسراء: 104]
فنحن الآن أمام وعد إلهي مطلق مرتبط بهذه المنهجية المتكاملة ، فلا يأس ولا قنوط ولا تراجع ولا تغيير ولا تبديل، ومهما اشتدت المحن، ومهما ظن العدو أنه استكبر واستولى، فالمؤمن وانطلاقاً من ايمانه بهذا الوعد يزداد إصراراً وعملاً ودعوةً وعلماً وأملاً وجهاداً وفقهاً بالقرآن وأسراره.
نعم، عندما نعيش مع الإسراء والمعراج في أحداثه وسوره نفقه القضايا التي تُقدم الحلول لمشكلاتنا كلها.
على هذا الطريق يجب أن نتأمل في دروس الإسراء والمعراج.
فضلاً عن درسٍ عظيم كيف أن الله يمنح عباده الصابرين مهما ضاقت الدنيا ، الصبر والفرج والنصر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش