الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أيقونة

تم نشره في الجمعة 9 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً

لم تلمس حجارتها القديمة، ولم تختبر أناملك الصغيرة رائحة الخشونة النابتة من نتوءاتها، ولم تشتعل في أنفك رائحة بهارات خان الزيت، ولم تكن كبيرا بعد ليصفع كبرياءك لمعان الشمس النحاسية على رشاش جنديّ أفريقيّ، ولم تطلق العنان لقدميك النحيلتين في أزقة حيّ المغاربة المسقوفة بأسمال الصمود في وجه الزمن الناغل، ولم يتسنّ لعينيك الخضراوين أن تخرق قماش نهارها المشبع بما جاء به الاحتلال من صناديق الخوف وهواء يتفسّخ عن كلمات التوراة المنسوخة من الرصاص وأكداس الكذب المكتوب على أوراق مدسوسة في شقوق حائط المبكى.

لم تكن بعد أطول من مدّادة صغيرة، زرعها أبوك في «حوش» منزلكم على رأس جبل من جبال السلط يطلّ على غور الأردن.

في السادسة من عمرك دخلت يوما غرفة جدّك الذي يملك سبعين سنة وثلاث أسنان وأخاديد جافة في وجه كأنّه جذع سنديانة وغليون دائم التأرجح بين شفتيه كبندول ساعة ولحية كثّة تزداد خشونة نزولا إلى رقبته مثل الكرمل الذي ينحني ساجدا زاهدا بخضرته الغامقة كلما اقترب من ساحل المتوسط.

ذاك الدخان الأبيض الذي كان يخرج من فمه كلما زفر نفسا، كان يشبه خروج المارد من مصباح علاء الدين، عبثا حاولت أنت تمسك بوعيك صورة ثابتة يشكلها ذاك الدخان، وسرعان ما يتمدّد ويملأ الهواء ثمّ يستقرّ في فراغه ويختفي منحسرا عن ذلك الإطار الخشبي الذي يحتضن نصف كرة ذهبيّة تجثم على جدران سماوية اللّون. يبرز لمعانها كنصل حادّ.

ـ جدّي، إيش هذي ؟

ـ هاي القدس ياولد.

إذن، القدس كانت في صغرك مجرّد صورة تتوسطها قبّة صفراء لامعة، لها رائحة دخان «الهيشة». القدس كلمات يخنقها عبور السنين على شفتي جدّك. القدس كرة من الدخان تسقط من فمه مثل كرة ثلج تتدحرج وتكبر، تتشظّى وتتلاشى، ثمّ تعود لتسقط من فمه مع نفس آخر.

كبرت وكبرت معك تلك المدّادة، طالت مثلما طالت عظامك، وارتفعت حتى وصلت سقف المنزل، وصار محتّما أن تحصل على هويّة السّلطة، تلك الوثيقة الكرتونية الهشّة، وليدة السّلام المائع الرجراج.

بعد أن توفّي جدّك رحلت معه أيقونة القدس، رحلت تلك الصورة دائمة الحركة والتخلّق في ذاكرتك.

انحدرت بك سيارة الأجرة من وادي شعيب كما تسقط حبّة التين الحبلى بخبر السماء وعسل الفجر، استقر بك الأمر على المعبر، قطعة الحداثة في خضمّ الماضي المتلاطم. المعبر مصطلح لم يعد غريبا في قاموس الوادي الكنعانيّ وأغاني الحصاد ورعويّة الحكايات، فعلى وقع خطاك عبر نبوخذ نصّر بسبيه وعبر اللاجئون، تأرجحت من قبلك تلك الأمم على الخشب المعلّق بين طرفي نقيض، على نهر جفّ منذ زمن كان يسقي بحرا من ملح وموت.

تساءلت في نفسك عن الذي جاء بالملح إلى قعر التاريخ وهوّة الأرض، هل كان ملحا من دموع من عبروا؟ أم كان ملح بارود الجيوش الغابرة؟.

جفّ النهر من صهيل أشعّة الشمس اللاّهبة، ومن تحويل مساره من الشمال إلى عمق النقب جنوبا. جفّ النهر ولم يعد قادرا على حمل حياة الشمال ورسائله، والجسر الخشبيّ استبدل بإسفلت الحاضر وسواده القاتم، تصفعك تصاميم المباني والشوارع الممتدة كأفاع وإعلانات تناسخت منتجاتها على الطرفين.

على المعبر أنت مطالب بتفتيش كلّ شيء، وإن تطلّب الأمر عليك أن تخلع في وجه جنود التّلمود ذاكرتك وأحلامك وحتى ملابسك، كأنك تتطهر دخولا إلى الفردوس. لست دانتي أليغيري في كوميدياه الإلهية بل إنّك ستعبر تلك الأعراف دخولا في جحيم الحصار.

أنت تتقاسم الآن مع العشرات قناعا واحدا هو الرّغبة بالمرور الخاطف وعدم التحديق في عيون الآخرين، ومن ثمّ سيحصل كلّ منكم على قدسه وفلسطينه التي حضر وحجّ من أجلها إلى هذا المعبر، تحملون أوراقا رسمية تحمل شعارات بلدان متباعدة تمتدّ على صفحة الأرض، منكم من يتكلم لغات مختلفة متنوعة حسب مهجره المكتوب عليه، ولكنّكم ما إن تعبروا ذاك النهر الجاف حتى ينزف جرح الذاكرة سيلا يفقدكم وعيكم ويُلبس ألسنتكم لهجات أجدادكم، ثمّ يُكلّل المشهد بصراخ حمّالي الحقائب السمر كرمال أريحا وصراخ سائقي سيارات «المونيت»، فتشتمّ رائحة قريتك من لهجة سائق الأجرة المنتمي لها.

قالت لك أمّك من قبل ذهابك إنّك سترى القدس عن يمينك على رأس جبل في «أبوديس»، تحفظ كلمات أمّك في قلبك.

ـ «إذا وصلت عند الكنيسة لِدّ عاليمين وركز بتشوف القبة بتلمع إذا كان الجو منيح»

عبر بك السائق نزولا وصعودا حادين ما يعرف بطريق «واد النار» وعلى رأس الجبل استقرت كنيسة فاتحة قدسيّة حجارتها وقِدَمها للسماء، وما إن وصلت حتى أشرعت تُخرج من ذاكرتك صورة القدس من غرفة جدّك، لِيَخزك لمعان تلك القبّة الصفراء ويستحيلَ رعشة نبتت على وجنتيك، هل سترى القدس؟ هل يعقل أن يخرج الوطن من الصور والذاكرة وكلمات العجائز وأبيات الشعر وزوايا «المثمّن والبداويّة» ليصبح واقعا ملموسا ينعجن بحواسّك.

قفز بصرك من النّافذة ليرتطم بالأجساد التي تسمّرت بجانب الكنيسة بحثا عن ذلك اللّمعان الذّهبيّ، نزلت الشمس نصلا حادا يجرح منتصف النهار، كلّ من حضر أسند ظهره لسنين المهجر وحديث النّازحين وحاول استجماع أدوات وعيه كاملة، عجوز يمسك بيده عكّازا ويحفره في الأرض ويمسح ملح دموعه على حجارة الكنيسة، يخيل لك أنّ تلك الدموع لتطهير العين قبل إبصار اللمعان المقدس، وهناك شابّ يمسك عدسة ويحاول أن يدسّ في داخلها جبال القدس.

ألقيت بصرك كمن يلقي سنّارة صيد في بحر الفراغ السحيق بين جبال جنوب القدس، لكنّك لم تبصر القدس، سألت السائق إن كان يراها فأشار بيده إلى الأفق، الأفق أمامك يبتعد، سألت من حولك، بعضهم أومأ إيجابا وبعض صرخ فرحا بقدرته على رؤيتها، تملّكك الفزع، استعنت بنظارة من أحدهم ولكنّك لم تبصر، تمنيت استعارة عين أحدهم، حلف لك السائق بحياة أمّه أنه يراها كلما مرّ بالطريق، لم ترها ولعلّ الحضور لم يروها، هل حقّا رأوها أم أبصر كلّ منهم قدسه التي رسمها منذ صغره.

قبل أن تهمّ بالصعود إلى «المونيت»، شممت رائحة دخان «الهيشه» خُيِّل إليك أنك ترى سحابة دخان أبيض تخرج من قعر الوادي، وخيّل إليك أنّ تلك الشقوق في الأسفل شفاه جدّك، صعد الدخان للأعلى كمن صعد «الجلجلة» للخلاص، بدأ يتكاثف وينتشر حتى ملأ الأفق، وقف منتصبا مصلوبا بينك وبين القدس، وكأنّه جدار ذي القرنين، ولم يزل ذلك الجدار يعلو ويعلو عارجا للسماء.



* قاص من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش