الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مـاذا تـعنـي الأصالة والمعاصرة؟

تم نشره في الأربعاء 2 تموز / يوليو 2014. 03:00 مـساءً

 د. حسن حنفي

لا تعني الأصالة والمعاصرة وجمعهما معاً أن يتحول الأفراد أو المجتمعات إلى شقين: شق أصيل وشق معاصر، أو أن يعيش الأفراد وتحيا المجتمعات على مستويين: مستوى أصيل ومستوى معاصر. فيؤمن الفرد ببركة بعض أفكار التراث الأصيل. ويكون عالماً طبيعياً حائزاً على جائزة نوبل في الفيزياء مثلاً. أو يكون مهندساً ويعهد إليه بالسيطرة على الفياضانات ومياه الأمطار بإقامة السدود وتشييد الخزانات أو يكون قائماً على التخطيط ويعهد إليه بتدبير غذاء الأمة وإعداد مخزون موفور لها يحميها من المجاعة وسوء المحاصيل. فيسلك بشخصيتين، ويعيش بمنهجين.
وبهذا المعنى يكون شعار العلم والإيمان  كأساس تقوم عليه المجتمعات تعبيراً عن هذه الازدواجية بين الأصالة والمعاصرة. فالفرد مؤمن وعالم، والمجتمع مؤمن وعالم، والحياة تقوم على العلم والإيمان. ولكن الإيمان له ميدان والعلم له ميدان آخر، لا يتحدان بل يتجاوران، دون نظر للإيمان من خلال العلم أو للعلم من خلال الإيمان. وهو الموقف الذي أدانه تراثنا القديم الذي يقوم فيه صلب علومه على الوحدة العضوية بين العلم والدين، بين الدين والفلسفة، بين العقل والنقل، بين علوم الوسائل وعلوم الغايات. وقد تتم التضحية في هذه المجتمعات بالعلم والدين معاً عندما يستخدم العلم لتأويل الدين أو الدين لتأويل العلم في محاولات الربط بينهما من العلماء المتدينين أو من المتدينين العلماء.
وغالباً ما ينتهي هذا النوع من الجمع المزدوج بين الأصالة والمعاصرة في الأفراد والمجتمعات إلى نوع من الازدواجية السلبية. إذ يعيش الفرد أو المجتمع أحد المستويين في الأعماق، والمستوى الآخر في السطح. وقد تفرض المعاصرة نفسها ثم تأتي الأصالة في سلوك البعض كغطاء خارجي لها. فتصبح المعاصرة هي الأساس، والأصالة هي الفرع، المعاصرة هي الحياة في العمق، والأصالة هي الحياة على السطح، فتنقلب الآية، ويعيش الإنسان في الدنيا مقلوباً.
إنما تعني الأصالة والمعاصرة وحدة باطنية عضوية بينهما بحيث تتحقق وحدة الشخصية في حياة الأفراد والمجتمعات. فالإنسان لا يكون إلا واحداً في حياته وغايته ومنهجه. والمجتمع أيضاً لا يكون إلا واحداً في هدفه ونظامه ورؤيته. الحقيقة واحدة سواء كانت دينية أم علمية، والحياة واحدة سواء كانت دنيوية أم أخروية، والعالم واحد سواء كان في معمله أو في دار للعبادة، والعلم واحد سواء كان دينياً أم إنسانياً. ومن ثم لا ينشأ خطر الازدواجية وما يصاحبها من مظاهر انفصام بل تكون الحياة الصريحة المتمثلة في وحدة الداخل والخارج.
ولا تحدث هذه الوحدة العضوية بين الطرفين، الأصالة والمعاصرة، إلا بوجود طرف متوسط ثالث تتحقق فيه هذه الوحدة، ويكون أشبه بمركب الموضوع بعد الموضوع ونقيضه. وهذا الطرف الثالث هو الواقع، حياة الإنسان، العصر الحاضر، روح العصر، دور الأجيال. لا تتحقق هذه الوحدة إذن نظرياً بل تتحقق عملياً في الزمان والمكان، في عصر معين، وفي مكان معين، ولجيل معين. فالواقع الاجتماعي هو الذي يفرض نفسه على الأصالة والمعاصرة للتوحيد بينهما من خلاله وتحقيقاً لمتطلباته. ومستقبل البشر هو الذي يحدد مدى ارتباطه بالأصالة ومدى حاجته إلى المعاصرة.
تعني الأصالة والمعاصرة إذن وحدة بُعدي الزمان، وحدة الماضي والحاضر. فما الحاضر إلا تراكم للماضي، وما الماضي إلا معيش في الحاضر. فالإنسان كائن تاريخي، له مساره في الزمان. فلا هو كائن ميت، تحول إلى متحف، ولا هو يعيش لحظات انبثاق وفورات مستمرة، مجرد قطرات من الغيث، يمتصها الواقع ولا تمتد في التاريخ، لا تتحول إلى روافد وأنهار أو تنتهي إلى تكوين واد ومصب. تعني الأصالة والمعاصرة بهذا المعنى القضاء على الانفصام في الشخصية وعدم ضياع العمر في مشاهدة حوادث التاريخ والإنسان خارجها دون أن يكون جزءاً منها، ودون أن يكون له دور في تحديد مسارها.
كما تعني الأصالة والمعاصرة الصدق مع النفس لتحقيق وحدة الشخصية، والصدق مع الواقع لتحقيق الوحدة الوطنية. فكل قوى النفس العلمية والوجدانية العقلية والقلبية تجد معبراً عنها، ومحفزاً لطاقاتها، ومحققاً لها. كما أن قوى التغير الاجتماعي ومناهج تحديث المجتمعات على اختلافها تجد حداً أدنى من الحوار والتعاون فيما بينها. فأنصار الأصالة لا يرفضون وحدة عضوية بينها وبين المعاصرة بحيث تكون المعاصرة امتداداً لها. وأنصار المعاصرة لا يرفضون وحدة عضوية بينها وبين الأصالة بحيث تكون الأصالة تعميقاً وتثبيتاً لها.
ولا تتحقق الأصالة والمعاصرة فقط عن طريق التوفيق الخارجي بين الاثنتين من أجل تحقيق هدف قد يبتغيه الجميع ويسعى إليه الكل للجمع بين الحُسنيين، الدين والدنيا، الماضي والحاضر، الأنا والغير. ولما كان احتمال الحكم الخاطئ قائماً فقد تؤخذ من الأصالة معوقات التقدم وتترك دوافعه، وقد تؤخذ المعاصرة بمعنى الحداثة والعصرية كأسلوب في الحياة وبالتالي يتحول الأفراد كما تتحول المجتمعات إلى كائنات مشوهة لا قوام لها.
وكثيراً ما يتم التوفيق على نحو انتقائي صرف وطبقاً لأهداف شخصية خالصة أو مصالح فئوية. فيدعي المحدث أو المصلح أو المجدد بأنه هو وحده الذي جاء بمربط الفرس، وأنه وحده هو القادر على حل العقدة. فيأخذ نصيبه من الشهرة، ويعتلي منصات الخطابة وتتصدر أخباره وصوره أجهزة الإعلام خاصة إذا ما راجت السوق. وإذا كانت المجتمعات بطبيعتها ترفض الاختيار بين الطرفين المتعارضين، الأصالة والمعاصرة، وتريد الجمع بينهما، فإذا ما حقق لها أحد ذلك فإنها ترفعه إلى مستوى الأبطال، وتجعله المتحدث الرسمي باسمها.
وغالباً ما تكون الانتقائية من الخارج أي من المعاصرة وعلى الأصالة أن تكيف نفسها طبقاً لها. فيؤخذ مذهب غربي على أن به خلاص الأمة من غفلتها وسكونها وتخلفها مثل الوضعية أو الشخصانية أو الوجودية أو الماركسية أو الليبرالية وذلك من أجل القضاء على معوقات التقدم مثل الخرافة أو غياب الإنسان أو الصورية أو الاستغلال أو التسلط. كما قد يحدث انتقاء لبعض المناهج الغربية لتجديد التراث وإعادة فهمه مثل الديكارتية وإعمال الشك في الموروث أو البنائية أو الفينومينولوجيا. وغالباً ما يكون الانتقاء أيضاً بناء على الهوى والمزاج الشخصي.
وفي أقل الأحيان يكون الانتقاء من الداخل أي من الأصالة، فتؤخذ نماذج مضيئة، شخصيات أو مذاهب أو حركات اجتماعية، من القديم كنبراس للمعاصرة. كما قد تؤخذ اتجاهات وفرق كنموذج لتحديث الأمة مثل عقلانية المعتزلة وابن رشد. وقد تؤخذ بعض المناهج كنموذج لما يمكن أن يكون عليه منهج الأمة مثل منهج علم الأصول القائم على استقراء العلل. وغالباً ما يتم هذا الانتقاء لصالح بعض الطبقات الاجتماعية. وقد تنتقي الطبقات العليا القيم الصوفية من صبر ورضا وتوكل وزهد وفقر. كما تنتقي الطبقات المتوسطة قيم القانون والنظام. ونادراً ما تجد الطبقات الدنيا من ينتقي لها قيماً لندرة المنظّرين لمصالحها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش