الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سمير أمين.. والثورة المصـرية

تم نشره في الخميس 17 تموز / يوليو 2014. 03:00 مـساءً

د‏.‏ جلال أمين
فى حوار نشرته جريدة الأهرام (فى 25 يونيو الماضي) مع الاقتصادى والمفكر المصرى المرموق سمير أمين (وأجراه الصحفى النابه إبراهيم السخاوي)، سئل عن رأيه فى الثورة (أو الثورات) المصرية الأخيرة، فقال كلاما مهما كعادته، ويستحق التأمل والتعليق.
الدكتور سمير أمين، باعتباره مفكرا ماركسيا، لابد أن يبرز اهمية الانقسام (أو الصراع) الطبقى فى تفسير الأحداث والظواهر الاجتماعية، ومن ثم فهو لا يعلق أهمية على شكل الخطاب السياسى أو أسلوبه، بقدر ما يعلقها على المصالح الطبقية التى يرمى هذا الخطاب إلى خدمتها. إن هذا يؤدى إلى القول بأن  الإسلام السياسى لا ينتمى إلى كتلة المعارضة، كما يزعم الإخوان المسلمون، إنما هو جزء عضوي من السلطة . قد يبدو هذا القول غريبا فى ضوء العراك الدائر الآن بين الإخوان وبين المتمسكين بالسلطة، ولكن المعنى الذى يقصده سمير أمين (وبحق فى رأيي) ان حركة الإخوان لا ترمى فى الحقيقة إلى تغيير العلاقات الطبقية السائدة الآن فى المجتمع المصري، على أى نحو جذري، بل إن موقفها من هذه العلاقات لا يختلف كثيرا عن موقف النظام الذى قامت ثورة يناير 2011 لاسقاطه، على الرغم مما يحفل به خطابهم من شعارات تشيد بالعدالة الاجتماعية، يؤيد هذا الرأى ما نعرفه عن المصالح الاقتصادية التى يرتبط بها قادة هذه الحركة، ومهاونتهم سواء كانوا فى السلطة أو خارجها، لنظام حرية السوق، ولتوصيات الهيئات الدولية التى تؤيده وتخدم هذا النظام، قد يكون من الضرورى هنا أن نميز بين موقف قادة الإخوان المسلمين وبين الجمهور الذى يسير وراءهم. فجمهورهم خاضع لتأثير الخطاب الدينى الذى يمكن أن يفسر بأكثر من تفسير، ولكن التفسير الذى يتبناه قادة الحركة هو هذا الذى يؤدى إلى وضعهم فى جانب السلطة وليس إلى جانب المعارضة.
يستخدم سمير أمين فى وصف النظام الذى ساد فى مصر قبل ثورة يناير 2011 بأنه نظام  رأسمالية المحاسيب  وهو المقابل العربى لتعبير (Crony capitalism) والمقصود به خضوع الدولة لحفنة من أصحاب المصالح الذين يستمدون قوتهم لا مما يمتلكونه من أصول منتجة (زراعية أو صناعية أو تجارية) بل من علاقاتهم الشخصية بالممسكين بالسلطة السياسية، وكذلك بالشركات الدولية. والثراء الفاحش الذى تحققه هذه الحفنة الضئيلة جدا فى الحجم، لا يأتي من أى عمل منتج، بل من أعمال الوساطة التى يسودها الفساد ومن نهب أموال الدولة. إن هذا النوع من الثراء لا ينتشر فى الدول الصناعية الغنية، بل فى الدول الفقيرة المتخلفة التى لا يمكن تحقيق الثراء فيها بسهولة اعتمادا على نمو الانتاج (الذى ينمو ببطء شديد أو لا ينمو على الاطلاق)، ومن ثم لابد أن يعتمد الاثراء على نهب واقتسام الثروة القائمة بالفعل، كوضع اليد مثلا على أراضى الدولة، وشرائها بأبخس الاثمان، أو كاقتسام العمولات، أو توزيع الغنائم من الكمية المحدودة من العملات الأجنبية، بين الأقارب والمحاسيب.
يقول سمير أمين إن هذا النظام لم تنجح الثورة المصرية بعد فى إسقاطه، ولكنه  يطلب ويتمنى من النظام الجديد ان يخرج منه ، كما يطلب ويتمنى أن يخرج هذا النظام الجديد من  قبول الخضوع لليبرالية المعولمة، وبناء سياسة خارجية بعيدة عن أوامر أمريكا والغرب ومن يواليهم .
لابد أن نتفق مع سمير أمين فى أن الثورة المصرية منذ يناير 2011 لم تغير بعد النظام السائد فى مصر، فهل نتفق مع قوله بأنها  غيّرت الشعب ؟ إنه فيما يبدو يقصد أن الشعب المصرى بعد الثورة أصبح أكثر من أى قبل قدرة على الافصاح عن مطالبه، وأكثر جرأة فى المطالبة بها، لا أظن أن من الممكن الزعم بأن الشعب المصرى  تغيَّر بعد الثورة  بمعنى أبعد من ذلك. أن ما حدث فى مصر منذ يناير 2011 لم يغير أشياء بقدر ما كشف عن أشياء، وهو لم يحدث أشياء كثيرة طيبة بقدر ما كشف عن أشياء كثيرة طيبة. نعم، لقد كانت الثلاثون أو الأربعون عاما السابقة على ثورة 2011، حافلة بالتطورات السيئة: انفتاح غير مخطط ولا منضبط، خضوع فاضح لإرادة قوى خارجية، تفاقم توزيع غير عادل للدخل والثروة، وتدهور مركز مصر الدولي والعربي..الخ، ولكن المدهش أنه فى هذه الفترة نفسها، حدث أيضا ما أنتج أشياء رائعة قد يكون هذا مدهشا ولكن من الممكن تفسيره، إن الأشياء السيئة لا تأتي مجردة من أى شيء طيب، فقد تقترن تطورات شديدة السوء بتطورات حميدة ينتج عنها فى المدى الطويل تقدم الى الأفضل، إن فترة الاستعمار الانجليزى الطويلة مثلا، عطلت تقدم مصر الصناعي، ومنعت اتخاذ أى جهد من أجل التنمية، ومن أجل القضاء على الأمية، ولكنها لم تمنع من ازدهار الحركة الثقافية فى مصر، ولا من قيام جامعة فؤاد الأول (القاهرة) التى لعبت دورا مهما فى هذا الازدهار، هكذا أنظر أيضا الى  انفتاح  السادات ومبارك، إذ أنه فى الوقت الذى ساهم فيه هذا الانفتاح، بالصورة التى تم بها، فى تخريب الاقتصاد المصري، فتح أبوابا جديدة أمام الشباب المصرى للالتقاء بالعالم الخارجي، ووسع من آفاقهم، مما شحذ ذكاءهم، ذكورا وإناثا، وقوى استعدادهم لاتخاذ المبادرة وطموحهم الى مستقبل أفضل، ان ما رأيناه فى الأيام والشهور التالية لثورة 25 يناير كان من هذا النوع من الآثار الطيبة التى نتجت عن عشرات من السنين كانت، بالرغم من ذلك، من أسوأ فترات التطور السياسى والاقتصادى فى مصر.
عندما سئل عن طريق الخروج من الأزمة الاجتماعية الراهنة فى مصر، أبدى سمير أمين مجموعة من الملاحظات والتوصيات التى أتفق معه فيها كلها، قال إنه يرى  المصدر الرئيسي للكارثة، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، هو الخضوع لأوامر أمريكا وحلفائها، والانفتاح بلا قيود على العولمة فى الاقتصاد ، قال إننا نحتاج الى  برنامج وطنى شعبى ديمقراطى اجتماعى يهدف الى تطوير خدمات الصحة والتعليم، ويحمى الطبقات العاملة وصغار الفلاحين... بالإضافة الى الاستقلال فى مجال العلاقات الدولية، إذ يجب اخضاع علاقاتنا بالمنظومة الرأسمالية العالمية لمنطق واحتياجات التقدم الداخلي ... وهذا يعنى بالأساس  سيطرة الدولة على قراراتها الاقتصادية والسياسية .
قال أيضا إنه يجب إعادة النظر فى صفقات الخصخصة، وتحديد حد أدنى للأجور يكون قابلا للتعديل فى مواجهة زيادة الأسعار، وإلغاء الدعم الممنوح للاحتكارات الخاصة، واصلاح النظام الضريبي بما يضمن إلغاء الاعفاءات التى منحتها الدولة لمصلحة الاحتكارات العربية والاجنبية، والنظر فى مطالب صغار الفلاحين الذين يعانون من صعوبات فى دفع إيجار الأراضي، وتحقيق التوازن فى الموازنة العامة من أجل تحقيق فائض كاف يتم تخصيصه للانفاق على التعليم والصحة ودعم الاسكان الشعبي..الخ .
يكرر سمير أمين فى نهاية حديثه، أنه  يرجو تنفيذ هذا البرنامج، فإذا فعل السيسي هذا فإنه سيكون قد نجح ، وأنا، مثل كثيرين، أضم صوتى الى صوته.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش