الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عرفان الجميل شيمة الأرواح النبيلة

تم نشره في الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً

 الدستور - ايه قمق

قيم جمالية رائعة فقدناها في حياتنا اليومية، تناسيناها وهجرناها، واستوطنت أمراض الحياة العصرية في نفوسِنا، فلم يعد الحب والتواصل والتعاون قائم بيننا، بل حل محله الحسد والضغينة والتَباغض والغيبة والنميمة.. لم يعد الحنين والشوق بين الناس كما كان قديماً، فقد كان الناس على قلب رجل واحد متعاونين متحابين تتناغم حياتهم عبر سيمفونية اجتماعية خاصة بهم، ميزت الأمة الإسلامية العربية الخالدة عن غيرها من الأمم والشعوب، ولكن بالرغم من صعوبة الحياة وتعقيداتها إلا أن الناس لا يستطيعون الاستغناء عن بعضهم البعض في أي من شئون الحياة، لذلك فحين يسدي لَك الآَخرون معروفاً أو يقدمون لك مساعدة أو تلقى اهتماماً منهم، فيجب عليك أن تشكرهم وتثني عليهم فهذا أقل القليل بحقهم.

العرفان بالجميل هو نوع من التقدير، والاعتراف بما قدمه لنا الآخرون مع معروف مادي أو معنوي. ونكران الجميل هو جحود ونسيان لذلك المعروف، الذي ما كان ينبغي له أن يُنسى طوال العمر. وهذا ما نسلّط عليه الضوء في هذا التحقيق.

وفي حديث الدستور مع مدير اداري بشركة تدريب يقول: «إن الشكر وتقدير جهود الآخرين يعبر عن ثقافة راقية واحترام للنفس وعن البيئة التي نشأ فيها الإنسان قبل أن يكون تقديراً واحتراماً للآخرين، وكلنا نحتاج إلى التحفيز و إعادة الشحن  بين الحين والآخر لأننا بشر. وقد أثبت كثير من الدراسات أن الحافز المالي ترتيبه السادس، في حين كان  التقدير  في المرتبة الأولى، كأهم عامل تحفيز للموظفين. لذلك دائماً قل شكراً، وعبر عن تقديرك وامتنانك بمختلف الصور، ومن قلبك، وقبل ذلك اشكر الله على نعمه التي لا تحصى ولنتذكر قوله تعالى  «لئن شكرتم لأزيدنكم «.



كيف نمارس فن الشكر؟



تحدثت للدستور « رشا عبد الخالق» أخصائية تربية طفل: نمارس الشكر بالقول والعمل. فعندما يؤدي لك شخص ما عملاً ينبغي أن تشكره بقولك: شكراً لكم، أو إنني أشكرك شكراً جزيلاً، أو تعبر له عن فرحتك وسرورك بهذا العمل ومن ثم تشكره على ذلك. وهذا لن ينقص من قدرك شيئاً، لأن بعض الناس يعتقدون أن شكر الآخرين هو ضعف، على العكس هو قوة وطاقة تجد أثرها في نجاحك في المستقبل.

الطريقة الثانية هي العمل، فينبغي عليك أن تنجز عملاً للآخرين تعبر لهم عن امتنانك لهم. تساعد أخاك على قضاء حاجة ما، أو تفرج عنه هماً، أو ترسم الابتسامة على وجهه، أو تدخل السرور إلى قلب طفلك أو زوجتك أو أخيك أو أبيك...

ويقول لؤي وهو موظف في أحد المؤسسات الخاصة : « ثقافة المدير عدم قول شكراً أبداً لأنها تفتح عليه أبواب بطلبات من الموظف. ما نحتاج شكر لتقدير الجهود والعمل كافي احترام الموظف يدل على تقديره»!



جميل لن أنساه:



«يجب ألا ننسى أبداً المعروف الذي أسداه الآخرون لنا»، تقول سناء (ربة بيت) في سياق تعليقها على الموضع. تضيف: «هناك مواقف لا يمكن نسيانها لأنها تظل محفورة في أعماقنا، وتجعلنا ندين بالإمتنان لأصحابها طوال عمرنا». تتابع: «أنا مثلاً، لا أنسى موقف صديقتي عندما خسرت أموالي في البورصة، وساعدتني باعطائي نقود لحين ما أحصل على وظيفة وطوال تلك الفترة كانت صديقتي هذه تأتي يومياً لزيارتي، مؤكدة «أن وقوف صديقتي إلى جواري وقت ضيقتي هو بمثابة جميل لن أنساه لها حتى نهاية العمر».

ملامح النكران تحمل تفاصيل متعددة على الوجه (صعوبة التغير)

مازال « أبو أيهم « يتذكر نكران أخيه له، وهو الذي يقول إنه قدّم له الكثير في الحياة، بل إنه كان بمثابة الأب وليس الأخ له، فتحمل جميع مصاريف دراسته، ووصولاً إلى تزويجه.. ولم ينتظر أبداً أن يقدّم مقابل ذلك المعروف أي شيء سوى أن يبقى أخاه الذي عهده، ولكنه صدم أنه حينما تزوج تغير كثيراً، وأصبح منقاداً لزوجته في كل شيء، حتى انقطع عن أسرته، واتخذ موقفاً منه دون أسباب واضحة.. حتى أعلن القطيعة للجميع، وابتعد بزوجته وطفليه..

وأضاف:»الخذلان من أكثر الأمور التي قد تفقد الإنسان الشعور بالتوازن؛ لأنه يمنحك فقد الثقة بالآخرين، والشعور الدائم بالظلم، إلاّ أنه بعد تجربة نكران معروف شقيقه أخذ عهداً على نفسه أن لا يتأمل أبداً في أحد، وأن يضع أمام عينيه أن الوفاء وتقدير المعروف شيء باهظ الثمن حتى يقدره الآخرون».

لقد تناولت المواصفات والمعايير العالمية مثل مواصفة  المستثمرين في البشر ، وكذلك جوائز الجودة والتميز موضوع في غاية الأهمية ألا وهو  التكريم وتقدير الجهود ، وعلى الرغم من أهمية الموضوع وسهولة تطبيقه إلا أنه دائماً الحاضر الغائب في مؤسساتنا وحياتنا الشخصية، وقد وردت كلمة الشكر بمشتقاتها في القرآن الكريم 75 مرة للدلالة على أهمية الموضوع.

ويرى «أدهم الغيشان» –  ناشط اجتماعي ومدرب تنمية بشرية - أن الإنسان حينما يقدّم معروفاً لأحد يفعل ذلك لذاته، ولا ينتظر منه الجزء، ولو أنكره فإن الخالق -سبحانه- لا ينكر شيئاً من ذلك المعروف، داعي إلى تعزيز قيمة بذل المعروف في نفوس الناشئة من خلال برامج التطوع.

وقال:»إن من ينكر المعروف يكون ذلك لأسباب عديدة، فربما تكون عائدة إلى التربية، أو سمع وشاية، وهناك من ضعاف النفوس من لا يحب أن يعترف أن هناك من أسدى إليه معروفاً، فهناك شيء اسمه تكامل الأدوار، وهناك ما يسمى بالتنافس غير المحمود، فيشعر البعض أنه لا يمكن أن يعترف بفضل أحد عليه وتلك هي النظرة القارونية»، مؤكد على أن حماية الذات من نكران المعروف لا تأتي إلا من خلال تقدير الذات، فلن يستطيع أحد أن يهزمك إذا كنت من الداخل منتصرا، فناكر المعروف لا يهم ما يقوله، فمن يقدم لا ينتظر شكر البعض أو اعترافهم بذلك الصنيع، وتلك المشكلة التي يقع فيها الكثيرون أن «ريموت النفس» لدى الآخرين هم من يتحكمون بما نشعر: يشكروننا فنفرح، يغضبوننا فنحزن يجرحوننا فنتألم وذلك كله خطأ نقع فيه؛ لذا لا نسمح لأحد أن يوجهنا.

وأضاف أن المشكلة ليست فيمن أنكر المعروف؛ فنحن لا نستطيع أن نعيد تربية الآخرين، أو علاج جميع المرضى ومنهم من ينكر المعروف، بل لابد من التركيز على تطوير الذات في مواجهة هذه الأنماط في الشخصية بشجاعة، فبدل أن نحمي أنفسنا وقد ننهزم، نشعر بالشفقة على من ينكر المعروف حتى نصبح أقوياء وبنفسية مختلفة؛ لأن الرؤية هنا أبعد، فعلاج نكران المعروف يختلف باختلاف علاقتنا بمن أنكر المعروف، ونحن دائماً بحاجة إلى الانتصار الذاتي، وتقدير الذات، وتلك لا تأتي من عشوائية، بل لابد من العمل على النفس بشكل مكثف؛ لأننا بقدر ما نتعب في الانتصار على ضعفنا من الداخل كلما استطعنا أن نحرز نجاحاً مع من ينكر المعروف.



موقف نبيل:



«المعروف هو دين يظل في رقبة صاحبه ومن الصعب أن يُنسى». هذا ما تراه رندة (موظفة)، مؤكدة «أنّ ألوان المعروف تتعدد وتتنوع، وأنّه يمكن أن يكون عملاً بسيطاً في حد ذاته، إلا أن أثره في مُتلقيه يكون عظيماً». وتتابع: «أنا أعتبر أن صاحب العمل الذي أتاح لي الفرصة وفتح أمامي باباً للرزق، هو صاحب معروف عظيم علي وعلى أسرتي».



الشكر طريق سهل للإبداع



للشكر تأثير مذهل في حياة معظم المبدعين، فالامتنان والشكر للآخرين هو أسهل الطرق للنجاح، والشكر طريقة قوية ومؤثرة حتى عندما يقدم لك أحد معروفاً صغيراً فإنك عندما تشكره تشعر بقوة في داخلك تحفزك للقيام بالمزيد من الأعمال الخيرة. وفي دراسة حديثة تبين أن الامتنان والشكر يؤدي إلى السعادة وتقليل الاكتئاب وزيادة المناعة ضد الأمراض!

 يقول رامي (موظف حكومي): «أن كلمة شكراً تعني الكثير لنا في بيوتنا ومدارسنا وأماكن عملنا أيضاً ومن هنا فلا بد من شكر كل من ابدع وأنجز لأنه ينتظر هذه الكلمات الجميلة التي تخلق جواً رائعاً يسهل العمل ويقلل من التوتر ويقوي العلاقات بين الموظف والإدارة وأخيراً كم سمعنا من الموظفين الذين يتقاضون أجور ومعاشات قليلة أنهم مستمرون في العمل لأن لديهم مدير رائع يشكر ويحفز».



عداوة:



على صعيد آخر، ترى بسمة (ربة بيت) أنّه «أصبح من النادر في هذا الزمن فعل الخير، لأن الناس باتوا ينكرونه ولا يعترفون بالجميل». تتابع: «إن أكثر العداوات تأتي من صنائع المعروف، فمن يسدي لك نصيحة ينتظر الأخذ بها، فإذا حدث عكس ذلك غضب وندم على ما فعل». وتؤكد «أن كثيرين من أهل المعروف يجنون العداوة والبغضاء من الآخرين بسبب حقدهم وغيرتهم منهم، وهناك من يتهمهم بأنهم يقدمون ما يقدمونه رياءً وطلباً للسمعة».



اتّقِ شر من أحسنت إليه:



ويقول الحاج محمد (متقاعد): «نحن في زمن ضاعت فيه القيم، ومن النادر أن نلقى بين الناس من يقدّر قيمة المعروف، فكل إنسان يفكر في مصلحته أولاً، ولا يفكر في الآخرين خشية أن يفعل المعروف ويندم عليه». ويضيف: «البعض ينال مصلحته الشخصية، وبعدها ربما يقطع علاقته بالشخص الذي ساعده حتى لا يتذكر معروفه». ويرى «أن من الأفضل أن نطبق المثل القائل: اتقِ شرَّ من أحسنت إليه»، لافت إلى أنه لا يقبل خدمة من أحد. ويقول: «لا أخدم أحداً، حتى لا أندم وأنال جزاء خدمتي له، وبدلاً من أن يعترف بجميلي ينقلب عليّ ويؤذيني في عملي أو حياتي».



دافع ذاتي:



من ناحيتها، تقول المعلمة روان: «من يقدم معروفاً لا يصح أن يتوقع مقابلاً لما قام به، فالمعروف لا يكون معروفاً إذا كان بدافع شخصي ورغبة خالصة في مساعدة الناس ومن دون انتظار مقابل». وتتابع قائلة: «عندما أقدم معروفاً لأحد الناس فإنني أشعر بسعادة غامرة، ويكفيني هذا الشعور، إلى جانب قناعتي التامة بأن من يُقدم الخير للآخرين فإنّ الله يجازيه بأفضل مما قدم».

الأشخاص الذين يعنون لنا شيئاً في الحياة كثيرون بفضل الله، لا أحد ينعتهم بأنهم الأفضل في العالم، ولم يفوزوا بالجوائز وليسوا من أغنى أغنياء العالم، لكنهم هم الذين يهتمون لنا، ويعتنون بنا، ويتحدون الظروف أحياناً للوقوف إلى جانبنا وقت الحاجة...

تعالوا هنا لنطرز معاً حروف شكر وكلمات عرفان لمن يستحق في حياة كل منا...ففي حياتنا الكثير ممن لهم علينا واجب الشكر والتقدير».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش