الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نحو استـراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب

تم نشره في الأربعاء 27 آب / أغسطس 2014. 03:00 مـساءً

 فاروق شوشة
ينقلنا الكتاب الشديد الأهمية والخطورة «نحو استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب» الصادر عن مؤسسة المهدى بن عبود للبحوث والدراسات والإعلام فى المغرب، عام 2008، إلى إشكالية تعريف مصطلح الإرهاب، بالرغم من شيوع تداوله بين رجال السياسة والإعلام. ذلك أنه يصف ظاهرة تشكل محور مجموعة من التخصصات، كالقانون وعلم الاجتماع والعلوم السياسية. إذ لا يوجد فهم موحد لمصطلح الإرهاب، لأنه يعنى أشياء كثيرة وفق المجال الذى يستخدم فيه. وبالرغم من إدراج هذا المصطلح فى كثير من اتفاقيات هيئة الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن - التابعين لها - فهناك إقرار بغياب تعريف دقيق للإرهاب فى القانون الدولي.
ذلك أن كثيرًا من الخبراء يطلقون تسمية  الإرهاب  على كل الأعمال والتصرفات العنيفة التى يرفضونها، لكنهم يرفضون إطلاق هذا المصطلح على الأعمال التى يرضون عنها ويزكّونها. وعندما شرعت الأمم المتحدة فى عام 1996 فى تعيين لجنة لوضع مشروع اتفاقية شاملة حول الإرهاب، كان التعريف هو الإشكالية التى واجهت اللجنة، التى لم يتفق أعضاؤها حول المسائل الجوهرية مثل  هدف الإرهاب  أو  منفذي الإرهاب ، ولم يتفقوا حول إدراج  إرهاب الدولة  ضمن التعريف المقترح، بالرغم من التمييز - أساسًا - بين الإرهاب والمقاومة الشرعية ضد الاضطهاد أو الاحتلال. كذلك فإن غموض التعريف وعدم تحديد إطاره القانونى والسياسى يجعله شاملاً لجرائم خطيرة مثل اختطاف الطائرات المدنية من أجل مساومة الدولة على القيام ببعض الأعمال، كما يجعله شاملاً للمظاهرات العادية المعبرة عن الرأى المعارض كما يحدث بالنسبة للمناهضين للعولمة أو المدافعين عن حقوق الإنسان أو الحيوان. مثل هذا الغموض يوسّع من السلطة التقديرية لكل دولة فى تحديد الخط الأحمر الذى يفصل بين المقاومة الشرعية والإرهاب. وهو ما جعل كثيرين يتوجسون مما يسمى قوانين ضد التطرف، فهى تتسع لقمع كل الأعمال التى لا تتماشى مع الخط السياسى للحكومات حتى لو كانت شرعية كحق الإضراب مثلاً.
الإرهاب إذن ضرب من العنف له هدف محدد، حين يسعى الإرهابيون إلى التمكن من السلطة وبسط السيطرة على الناس والمكان عن طريق الاستقطاب، والتحريض، والتطرف فى إثارة الرأى العام، وإحداث القمع، وخلخلة بِنْيات الدولة، وتجميد جهاز الأمن، والتأثير على المسار الطبيعى للمؤسسات الديمقراطية بواسطة فرض الهيمنة، إنه إذن عمل عمدى قصدي، من أجل زعزعة أو تدمير الحياة السياسية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية لبلد أو لمنظمة دولية. وهناك تعريف مهم جاءت به الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، فهى تعرفه كالتالي:  كل فعل عنيف أو يهدد بالعنف، كيفما كانت دوافعه أو أهدافه، لتنفيذ فردي أو جماعي لمشروع إجرامي، يهدف إلى نشر الرعب بين السكان، ووضع حياتهم وحريتهم وأمنهم فى خطر، أو إتلاف البيئة أو البِنْيات التحتية العامة والخاصة، أو الاستيلاء أو الاستحواذ، أو تعريض المواد الطبيعية للخطر .
وتلاحظ الدراسة أن نسبة المرشحين للإرهاب مرتفعة فى أوربا عنها فى أمريكا، لأن القارة العجوز أنتجت ولاتزال تنتج أشكالاً متعددة من الإقصاء والتهميش الاجتماعيّيْن، كما هو الشأن فى فرنسا وألمانيا وحتى فى بريطانيا العظمي. هذه المجموعات الإرهابية ليس لها مقر دائم أو مَرْسى، لأنهم يُطارَدون أينما حلوا وارتحلوا، فيصيبهم الملل والكلل من المعارك الخاسرة التى يخوضونها، وبخاصة أنهم لا يحققون أى تغيير جذري فى النسق الدولي. من هنا فهم يصبحون فى حقيقة الأمر سجناء أوهامهم وأحلامهم المحبطة. فالسياسة الأمريكية الخارجية مرتبطة بحماية إسرائيل، وغير مبالية بحقوق الشعب الفلسطيني، ودعمها المشروط هو دائمًا للأنظمة العربية الفاسدة، الأمر الذى يؤجِّج فى نفوس الإرهابيين روح الانتقام، ويمنحهم فرصة لتبرير هجماتهم. وتتناول الدراسات التى يشملها الكتاب، موضوعات تعكف على تناول ظاهرة الإرهاب فى كل صوره وأشكاله. فبالإضافة إلى مواصفات الإرهاب ومواصفات الإرهابيّ هناك إشكالية الإرهاب وعلاقتها بمسألة حقوق الإنسان، والإعلام والإرهاب، ودور الثقافة فى مكافحة الإرهاب، والفكر الدينى المتشدد، وصلة الأعمال الانتحارية بالدين، وعلاقة الانتحاريين بمؤسسات التعليم الديني، ودور المفاهيم الدينية الخاطئة، وبؤر التوتر العالمية، والعدوان على الشعوب المسلمة، والغطرسة الأمريكية، والحرب الكوكبية على شبح الإرهاب، والحرب على العراق (تهافت الذرائع الأمريكية فى تبرير الحرب والأهداف الحقيقية لشنْها) والمناورات الأمريكية على بعض الدول التى سميت بالدول الشريرة: كوريا الشمالية وإيران وسوريا، والدول التائبة: السودان وليبيا واليمن، والموقف الأمريكى من الصراع العربى الإسرائيلي، وسوسيولوجية العنف وإمكانية مواجهة الفعل الإرهابى ومكافحته، والتطرف الدينى والعنف، والفن وثقافة الحقد والكراهية، وصولاً إلى دوْر الرياضة فى التنمية البشرية والوقاية من الانحراف وإعادة الإدماج. ثم تجيء قضية صراع الحضارات التى قامت بعد انتهاء الحرب الباردة، ونادى بها صامويل هاتنجتون الذى رأى فى الثقافة المصدر الرئيس للنزاع والتنافر بين مختلف الجماعات والأوطان أو العكس، أى أنها يمكن أن تكون عاملاً فاعلاً فى التضامن السياسى وفى نقيضه. وهو يُقرّ صراع الحضارات فى معادلة أكثر بشاعة:  الخيّرون من جهة والمسلمون الخبثاء وسيئو النية من جهة أخرى، فالمسلمون الطيبون هم أصدقاء أمريكا، لكن المسلمين الخبثاء هم الذين يحقدون ويعارضون المبادئ التى تنبنى عليها أمريكا . وهو ما يذكر بالمقولة الشهيرة للرئيس الأمريكى بوش:  إما أن تكونوا معنا أو ضدّنا .
ومن هذا المنطلق يهاجم  المسلمون الأشرار  الشعب الأمريكي، المدنيين والعسكريين على حدٍّ سواء. ويعلن الرئيس الأمريكى مرة ثانية الحرب ضد هذه الفئة من المسلمين مؤكدًا أن أمريكا سيحالفها الفوز فى هذه المعركة. ومن هنا تعجلت أمريكا فى مساندة الجماعة الإسلامية ضد ذو الفقار علي بوتو فى الباكستان، وتأييد الإخوان المسلمين ضد جمال عبد الناصر فى مصر، ويشير الكتاب إلى أن الفوز فى المعركة ضد الإرهاب يقتضى القيام بإصلاحات جذرية وهيكلية فى القيادات وعبر كل المنابر الممكنة، وانتهاج ثقافة سياسية جديدة منفتحة على الديمقراطية، ووعى ثقافى يبجل احترام النفس والحياة. فالانتصار على الإرهاب يستوجب التخفيف من حدة الصراعات، وبخاصة فى فضّ النزاع القائم فى فلسطين بين دولة الاحتلال الاستيطاني إسرائيل والفلسطينيين أصحاب الأرض والوطن والتاريخ. ذلك أن إهانة وتجويع وتدمير الشعبين العراقي والفلسطيني- والآن الشعبين السوري والليبي - تجعل لخطابات الإرهابيين بلاغة لها شعبيتها بين الشعوب العربية. وفى كل المبادرات التى تسعى إلى مكافحة الإرهاب، لابد من حماية دولة الحق والقانون، والخضوع لمبادئ الشرعية الدولية، والوفاء بكل المعاهدات والمواثيق الإقليمية والمتعددة الأطراف.
إن مكافحة الإرهاب مسألة معقدة ومتعددة الجوانب، فعمل المخابرات والاستعلامات له دور حيوي فى هذا الميدان، فهى بمثابة نظم إنذار مبكر رفيع المستوى، ينقذ الناس من الموت المحتمل ويتنبأ بالكوارث المرتقبة. والجانب البشرى والتكنولوجى فى ميدان المخابرات لا يكفي وحده لأننا محتاجون فى الوقت الراهن إلى القراءة الجيدة والعميقة لحاجات المجموعات الخطيرة، وتقييم حدة الحرمان والإحباط وفقدان الأمل لدى هذه المجموعات. من هنا ينبغى عدم الخلط بين الدفاع والأمن، وبين الدفاع والآلة العسكرية، وعدم التفكير بعقلية عسكرية فقط حينما يتعلق الأمر بتأمين الوطن وحماية المواطنين، والحديث عن هذا الكتاب الشديد الأهمية لايزال موصولاً.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش