الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هجرتَ الأردن طواعية ثم أخذتَ تستمرىء في جلد الذات الأردنية

تم نشره في الأحد 7 أيلول / سبتمبر 2014. 03:00 مـساءً

  الحمد لله عزّ وجلّ أنْ أسكننا أرض الأمن والأمان، أرض الحشد والرباط.
انطلقت عملية الإصلاح في الأردن، من الإيمان بأن الإصلاح الحقيقي الناجح يكون إصلاحاً متدرجاً نابعاً من الذات الأردنية، بعيداً عن أية إيحاءات للأجندات الخارجية ومراكز الدراسات الاستطلاعية الغربية، صاحبة الأهداف الخاصة تجاه الوطن العربي والعالم الإسلامي.. وشهد الأردن العديد من مظاهر الإصلاح والتحديث لمؤسسات الدولة، التشريعية والتنفيذية والقضائية، أهمها الإصلاحات الدستورية، والتي طالت حتى الآن ما يقارب ثلث مواد الدستور؛ بهدف تمهيد الطريق أمام الخطوات اللاحقة من الإصلاح، وسعياً لتعزيز الديمقراطية ورفع سقف الحريات العامة، وصون الحقوق المدنية للمواطنين، كما تمّ إنشاء المحكمة الدستورية، والهيئة المستقلة للانتخابات، وهيئة مكافحة الفساد، وديوان المظالم، ولجنة النزاهة والشفافيّة.
وأثناء مسيرة الإصلاح، تعرّض الوطن العربي لعواصف وزلازل الضياع العربي، والذي أطلق عليه صانعوه من خارج الوطن العربي، بأنه عهد «الربيع العربي»، ولكنه ظهر على حقيقته بأنه عهد الدمار والضياع العربي، فقد ظهر هذا جلياً من خلال ما أصاب الأشقاء، في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا.
ولما كان الأردن قد سبق هذه العواصف في طريقه نحو الإصلاح والتحديث، فقد حفظ الله الأردن من عواصف الضياع العربي، بهمة وحنكة قيادته الحكيمة، ووعي الشعب الأردني، وخاصة الطاقات الشبابية الأردنية والتي قرأت المشهد العربي وما يدور في الإقليم جيداً، قرأته بعيون أردنية واعية يقظة هويتها وطنية قومية، جوهرها هوية جامعة لا مفرقة ولا تتعدد فيها الولاءات والانتماءات، وسنستمر على طريق الإصلاح في أجواء شعبية ديمقراطية مريحة بعيدة عن إراقة الدماء والعصبية العمياء التي جلبها الربيع العربي لبعض الأقطار الشقيقة.
هذه هي المواطنة الحقّة التي يتمسك بها شعبنا الوفي لوطنه، ولكن وللأسف فإن بعض السياسيين الذين كانوا يوماً صانعي قرار في هذا البلد أخذوا يروّجون لمفاهيم وقيم إصلاحية منطلقين من فكر يتناقض مع الوضع في الأردن، متسلحين بما أملت عليهم مراكز الدراسات المغرضة في الغرب، ولكنهم تفاجأوا بأن للوطن لدينا كلمة وقيمة، نجتمع حولها حتى لو اختلفنا، خاصة عندما نستشعر هبوب العواصف في الإقليم حولنا، بل أصبح من هؤلاء المروجين للسياسة الغربية وحملة الفوضى الفكرية ومنوري الأجندات الغربية والأجنبية يهزّون حناجرهم بجلد الذات الأردنية دون أن يكون لأصواتهم أي صدى يعبر عن صرخاتهم، وبدأوا يسعون إلى سرقة الذات الوطنية الأردنية من شبابنا... أحفاد السلف الصالح الذين حملوا مبادئ الثورة العربية الكبرى إلى شتى بقاع بلاد الهلال الخصيب، وناضلوا وحققوا الاستقلال الوطني، ولبوا نداء الجهاد المقدس دفاعاً عن فلسطين العزيزة وقدس الأقداس، وأَحيوا الأمل العربي نحو مستقبل أفضل في الوقت الذي كان ظلام هزيمة حزيران يخيم على عالمنا العربي وذلك من خلال انتصارهم في معركة الكرامة، وكسر شوكة العدو بهزيمة جيشه الذي يسوّق له أنه لا يقهر، هؤلاء هم السلف الصالح وشباب اليوم هم أحفاد لذلك السلف الصالح يرحمهم الله.
وعلى ضوء هذه الحالة الأردنية التي نعتزّ بها ظهر بعض هؤلاء السياسيين الذين يُضيرهم هذه الصورة المشرقة لحالة الدولة الأردنية نظاماً وشعباً، ويحاولون بما تشرّبت ذهنيتهم من أفكار مراكز الدراسات والأبحاث والاستطلاع المنتشرة في الغرب العبث بأفكار شبابنا مصدر قوتنا واستقرارنا، حتى أصبحت ذهنية هؤلاء السياسيين ذات جينات تسعى لإثارة الفوضى الفكرية وخلخلة نعمة الأمن والأمان في وطننا العزيز، سعياً من هذه الفئة لدخول سوق المزايدات الوطنية وبناء أوهام شعبوية حتى لو كان ذلك على أطلال ما أنجزه الآباء والأجداد، متخذين منهجهم بخلط الوهم بالحقيقة وإشاعة ظلمة المستقبل بدلاً من إضافة الأنوار لمستقبل أكثر إشراقاً، وذلك من خلال صراخهم خارج السّرب بل اتخذوا من جلد الذات الوطنية بطاقة شخصية للتعريف على شخصياتهم وأهدافهم الذاتية والتي تشرّبوا بها أثناء اغترابهم عن الوطن في تلك المراكز التي لا تُخطط سوى لكل ما من شأنه إعاقة مسيرة التطور والتحديث  في أردننا العزيز ووطننا العربي الكبير، وبعضهم وشم فكره بما يخططه الغرب لقهر شعوبنا العربية والإبقاء علينا ضمن دائرة الضعف والفقر والاستجداء لنكون طعماً سائغاً لهم، وتوفير التفوق والأمن لربيبتهم ذلك الجسم الغريب الذي زرعوه في مشرقنا العربي خدمة لمصالحهم.
وخلال بضعة أشهر مضت لاحظت ومن خلال متابعتي لوسائل الإعلام، أن بعضهم وللأسف كان من صنّاع القرار في حكومات أردنية سابقة، أخذ يسوق لأفكاره السياسية تحت أيقونة سياسية تعلمها في بلاد الغرب، والغريب أني لم أكن أسمع منه مثل هذه السموم التي يبثها عندما كان صاحب قرار في بعض الحكومات الأردنية، فإذا به اليوم بعد أن هجر وطنه الأردن طواعية عدة سنوات ثم عاد، أخذ يستمرئ في جلد الذات الأردنية بعد أن ارتضى لنفسه أن يكون أردنياً في المغانم وغير أردني في المغارم.
ومن منطلق حبي لوطني شأن كل الأردنيين، وجدت من الضروري أن أضع بين يدي القارئ بعضاً من الشِّباك، التي يحاول بها السيد المحترم التصيّد وتعكير بحر محبتنا، خدمة لأسياده الذين علموه ونصّبوه وأعدوه وأعادوه إلينا بعد أن هاجر عنا.
ومن منطلق حرية الرأي والرأي الآخر، فإني أعرض وجهة نظري إزاء طروحات هذا السياسي الذي يسعى لبناء شعبوية رخيصة، على حساب وحدتنا الوطنية وأمن واستقرار هذا الوطن المنيع، ووفقاً لما أورده حضرته بأنه لا يجوز إقصاء الرأي الآخر، فإني سأعلّق على ما صرّحه ومن منطلق أنني من الآخر.
حضرته يقول: إن الطريقة التي تحكم بها البلاد (الأردن) لم تعد مناسبة في لحظة ما بعد اليقظة العربية، فإذا كان يروج لما أفرزه ما يسمى «الربيع العربي»، من دمار وتفكيك وهدم وقتل وصراعات دامية في الوطن العربي بأنه يقظة عربية، وإلا فما هي اليقظة العربية التي سبقت الثورة العربية الكبرى، والتي نعتبر مبادئها من الثوابت الوطنية الأردنية؟ فهل وصل به الحال إلى التجرؤ على طمس معالم التاريخ العربي الحديث، وتجاهل اليقظة العربية التي أدت إلى قيام الثورة العربية الكبرى، بقيادة الشريف الحسين بن علي ضد الأتراك المستبدين بالوطن العربي حينذاك، وما لحق بالحسين بن علي من نفي عن وطنه بمجرد أنه رفض وعد بلفور المشؤوم؟.
هذا السياسي الأردني الذي لا يعرف أين تقع المريغة وصبحا وصبحية، ولم يسلك يوماً ما أزقة مخيمات العودة، يقول: إن دائرة صنع القرار في الأردن ما تزال صغيرة نسبياً، مع وجود رقابة تشريعية ضعيفة، وعليه فأعتقد أن حضرته مارس العمل السياسي في حكومات سابقة، ويعرف جيداً الإجراءات التي تمر بها صناعة القرار في الأردن، حيث تخضع لإجراءات دستورية وقانونية يستحيل الخروج عنها ومخالفة الدستور.
أما ادعاؤه بضعف الرقابة التشريعية، فإني أُذكّره أن الدولة الأردنية منذ لحظة تأسيسها وحتى الآن، فإن السلطة التشريعية ممثلة بمجلسي الأعيان والنواب تعتبر مكوناً أساسياً في النظام السياسي الأردني، ولم يحدث تغييباً لها باستثناء ظروف خارجة عن إرادة الأردن، ولفترة قصيرة أعقبت حرب حزيران عام 1967، بل في تلك الفترة تم تشكيل المجلس الوطني الاستشاري من كافة أطياف الشعب، إلى أن أصبحت الظروف المحلية والإقليمية تسمح بإجراء الانتخابات النيابية، وأعيدت المجالس النيابية لتأخذ دورها في الرقابة والتشريع، كما أنه لو كان مهتماً بوطنه وهو في بلاد الضباب السياسي، لأدرك حجم وسعة دائرة الرقابة، عندما أقدم جلالة الملك على حلّ بعض المجالس النيابية طبقاً لصلاحياته الدستورية واستجابة لحراك الشارع الأردني، الذي طالب بذلك لعدم رضى الشعب عن أداء تلك المجالس، ألا تُعتبر هذه رقابة؟ وأي رقابة دائرتها أوسع من هذه الرقابة على قرارات الشأن العام؟ فلماذا جلد الذات يا ابن الذوات؟.
ويطرح صاحبنا أيضاً ودون أي اعتبار، أنّ التمثيل الشعبي في مجلس النواب غير منصف، مما يعيق دور الرقابة على السلطة التنفيذية، ويدعي أنه لا بد أن يكون التمثيل على أساس التعددية الحزبية والكثافة السكانية، ولكنه لا يعيش في الأردن حتى يحكم على الحياة الحزبية فيه، والتي لم تنضج حتى الآن إلى الدرجة التي يمكن الاستناد إليها في التمثيل النيابي، رغم ذلك فإن المبادرات الملكية تحفّز نحو هذا الاتجاه، مثل الكوتا النسائية وكوتا الكتلة الوطنية، وهذه قوى دفع من جلالة الملك نحو التعددية السياسية، ولكن أليست السرعة والتسرع الارتجالي عاملا معيقا، بل محبطا للوصول إلى حكومات برلمانية، تقوم على أساس التعددية السياسية والمشاركة الشعبية؟ فلماذا حضرته يستعجل الأمور قبل تهيئة الظروف لإنجاح هذا التوجّه؟ وأُذكّره أيضاً بأن جلالة الملك وضع بعض مسؤولياته الدستورية بين يدي مجلس النواب الأردني، عندما أصدر توجيهاته بحوارات ولقاءات بين رئيس الديوان الملكي العامر والكتل النيابية، واستمزاجها حول اسم رئيس الوزراء القادم عند تشكيل الحكومة الأردنية الحالية، ألا يشير ذلك إلى رغبة ملكية جامحة نحو تشكيل الحكومات البرلمانية؟
هناك قاعدة فقهية تقول: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، هذه القاعدة الفقهية كثيرون تنكروا لها ومنهم صاحبنا الذي لم يطبق تلك القاعدة بل طبق تغير الأحكام بتغير المكان.
أما طرحه بوجوب أن يكون التمثيل النيابي مناطقياً حسب الكثافة السكانية، فإني أود هنا أن أشير إلى أن للأردن خصوصية في هذا المجال، وهذه الخصوصية لها عدة جوانب، منها أن الكثافة السكانية مرتفعة جداً في ثلاث مدن رئيسية، هي عمان واربد والزرقاء، وبحكم الطبيعة الجغرافية فإن باقي المحافظات يسودها كثافة سكانية ضعيفة، علماً بأن بعضها يفوق في مساحته مساحة عمان واربد والزرقاء، وعليه فإن هذه المحافظات بحاجة إلى اهتمام أكثر للحد من هجرة سكانها إلى المدن الثلاث المذكورة سابقاً، وما يتبع ذلك من مشكلات حضرية في هذه المدن، إضافة إلى تفريغ معظم تلك المحافظات من السكان، وهذا يشكل ثغرة في الأمن الوطني الأردني وهذه المحافظات القليلة في كثافتها السكانية أكثر حاجة من غيرها في تمثيلها في دائرة صنع القرار ودائرة الرقابة والتشريع، على أمل الأخذ بيدها لتلحق بشقيقاتها المدن الأردنية تقدماً وازدهاراً وأن لا يظل الفقر والبطالة قابعاً فيها مما يهدد الأمن الاجتماعي والاقتصادي والوطني، أما إذا كنت تغمز في طرحك إلى تمثيل مخيمات العائدين، فإني أوضح ما يلي: إنّ قضية فلسطين هي القضية المركزية للشعب الأردني والقيادة الأردنية، وأحداث التاريخ منذ عهد الحسين بن علي يرحمه الله حتى الآن، فيها شواهد على المواقف الوطنية الحقّة والتضحيات بالأرواح والأموال في سبيل القضية الفلسطينية، وهذا نابع من واجب وطني عربي قومي إسلامي في داخل كل أردني وأردنية، الأخوة الفلسطينيون في الأردن أشقاء أعزّاء، نتقاسم وإياهم رغيف الخبز وكوب الماء، دماؤنا اختلطت دفاعاً عن ثرى فلسطين والأردن في باب الواد واللطرون وعلى أسوار القدس وعلى أرض الكرامة، ما أصابهم ويصيبهم من ظلم وبؤس وشقاء أصابنا ويصيبنا بنفس المقدار، نحن أخوال لأولادهم يعملون بصدق وكد وكفاح من أجل تقدم ورفعة الأردن، بجهود لا تقل عن جهودنا لأنهم يؤمنون أن بقاء الأردن حصناً قوياً منيعاً يبقي الأمل لديهم في تحرير فلسطين، فلهم صدر الدار لكن أن يتواجد منهم نسبة عالية في مجلس النواب يعتبر بوابة ولوج لقوى صهيونية واستعمارية للخلاص من القضية الفلسطينية، وذلك بإعادة إحياء فكرة الوطن البديل التي يروج لها سماسرة السياسة الاستعمارية، وليعلم حضرته أن مجرد التفكير في هذه الفكرة مرفوض فلسطينياً بقدر ما هو مرفوض أردنياً، فالفلسطينيون يستحيل أن يرتضوا أن يكون غير فلسطين وطناً لهم، ولكنهم سيظلون في الأردن في أحداق العيون الأردنية إلى أن تنجلي عنهم الغمة، ويقيموا دولتهم الفلسطينية على أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف، وليعلم حضرته أننا هنا على التراب الأردني من أجل الأردن، كلنا أردنيون وعيوننا على فلسطين، ومن أجل فلسطين كلنا فلسطينيون وحريصون على أرض الحشد والرباط، وأكناف بيت المقدس ألا وهو أردننا العزيز.
ويسترسل في الاتهامية بقوله أن من يطالب بحقوق أبناء الأردنيات يتهم بالعمالة لأمريكا وإسرائيل، إني أود أن أوضح ما يلي، أن الأردن وعلى مدى عشرة قرون لم يغلق بابه أمام أي إنسان، والعربي خاصة عندما كان وما يزال يختار الأردن مكاناً لإقامة مؤقتة، نظراً لما يتمتع به الأردن قيادة وشعباً من مميزات، ولكن أن يكون الأردن شماعة تعلق عليها قضايا النزاعات الإقليمية، دون الأخذ في الاعتبار مصالح المواطن الأردني في إمكانية حصوله على السلع الضرورية والخدمات الأساسية لحياته اليومية، أعتقد هذا فيه ظلم للأردنيين، فلننظر كم أصبح عدد الطلاب في الشعبة الواحدة في مدارسنا ولنتذكر أزمة المياه التي أصبحنا نعيشها، وكذلك أزمة النقل العام ثم الزيادة المضطردة على المحروقات والكهرباء والمياه، نظراً لزيادة الطلب والاستهلاك، بكل صراحة ان تزايد منح الجنسية الأردنية لغير الأردنيين يدفع بالأردن إلى وضعه في دائرة الخطر الاقتصادي أكثر مما هو عليه، وإلى دائرة الخطر الاجتماعي، وأصبحت قيمنا الاجتماعية وعاداتنا وتقاليدنا التي كانت وما زالت مصدر أمن وأمان لترابطنا الاجتماعي، أصبحت في دائرة الخطر بفعل ما نقل إليها من قيم وعادات دخلت إلينا من مجتمعات نختلف معها، في التنظيم والتركيب الاجتماعي.
لذلك فإن الحرص الأردني في هذا المجال أعتقد أنه في مكانه الصحيح حرصاً على المواطن أولاً وأخيراً، ولو كان هذا السياسي يعرف الأردن والأردنيين لما دعا إلى أن الأردن بحاجة إلى بناء ذهنية جديدة، فالذهنية الأردنية القديمة أجمع عليها الآباء والأجداد ومع ذلك نرى الأحفاد يعملون على تجديدها لمواكبة التطور العصري في عدة مجالات، لكن هذا التجديد يظل تحت مظلة حضارتنا العربية الإسلامية، ونرفض أن ينقله البعض تحت مظلة القيم والعادات الغربية التي تتعارض مع قيمنا العربية والإسلامية، ونحظى بقيادة واعية تستقرئ التطور الاجتماعي والاقتصادي وتوجهنا لمواكبتها في إطار حضارتنا المجتمعية، وسنظل نراهن على وعي وإيمان شبابنا في هذا الوطن كونهم الأدوات الأمثل للإصلاح والتحديث، وعليه فإن بناء قيم ذهنية لديهم يجب أن تظل على مسار الثوابت الوطنية الأردنية، والتي عشنا قروناً متفقين عليها ومرتاحين بها ونرفض استيراد قيم ذهنية تتقاطع مع ديننا الحنيف وعاداتنا وقيمنا السمحة.
والقول الأكثر إثارة من قبل هذا السياسي المتمرس، أنه يلمز على مسيرة الإصلاح في الأردن فيقول: النظام لا يريد الإصلاح، ويقول حيناً آخر إن عملية الإصلاح في الأردن لا زالت في طور الإصلاح الشكلي، وهنا أشير إلى أن عملية الإصلاح عندنا في الأردن أصبحت خياراً استراتيجياً، توافقت عليه القيادة والشعب، وأن الإصلاح في الأردن نابع من إرادتنا الأردنية وليس امتداداً لأغراض أجندات أجنبية بأهدافها المغرضة، وأعتقد أن ما أشرت إليه من إصلاحات في بداية مقالتي هذه يثبت بطلان إدعائه هذا، حيث إن الإصلاح في الأردن إصلاح حقيقي شهد له المواطن أولاً وجمهور السياسيين في الوطن وخارجه.
ويطرح هذا السياسي أننا في الأردن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، وهنا أُذكره بما يلي: أليس الدستور كما هو معروف عالمياً وفكرياً وسياسياً، بأنه عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم ارتضاه وقبل به كل منهما؟ فما العقد الاجتماعي الذي يدعو إليه؟ وهل هو عقد لسير المجتمع على مسارات المجتمعات الغربية، التي تفشى فيها التفكك الأسري والانحلال الخلقي وتزايدت معدلات الجريمة، وأصبحت قدسية الحياة تتمثل في تراكم رأس المال دون الأخذ بعين الاعتبار للقيم الدينية والإنسانية؟.. وهل هذا يرتضيه شعبنا النبيل؟
ويؤشر حضرته على أن الأردن عليه أن ينتقل إلى نظام يعتمد الكفاءة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فكيف عرف حضرته أن الأردن لا ينهج هذا النهج؟ لو أنه يعرف الأردن لعرف أن قمة الهرم السياسي في الدولة الأردنية، يومياً يوجّه المسيرة لمحاربة الواسطة والمحسوبية، كما أن ديوان الخدمة المدنية يعقد امتحانات تنافسية بين المتقدمين للوظائف الحكومية، أما إذا كان يعني اعتماد الكفاءات التي توصلنا إلى وظائف في مؤسسات ومنظمات ومراكز الاستطلاع الأجنبية، والتي جلُّ اهتماماتها إصدار كل ما من شأنه تشويه المسيرة بل إعاقتها، لاستمرار تبعيتنا للغرب وانتقاص سيادتنا في اتخاذ القرارات الوطنية، فعليه أن يعلن عن كفاءته التي أوصلته إلى تلك الوظائف بمرتباتها الشهرية الهائلة، وعندها نفكر وأعتقد أننا لن نقبل أن نكون من أصحاب هكذا كفاءات حرصاً على ديننا، ووطننا وقيمنا وتقاليدنا، التي نعتز بها ونفتخر ولو افترشنا الأرض والتحفنا السماء.
هذا حال الذي كان يوماً مسؤولاً سياسياً، ثم تتلمذ في مراكز الاستطلاع الأجنبية ذات الأهداف المغرضة، وأصبح يسوّق لأهدافها أفكاراً مسمومة، ليست من وجهة نظرنا إلا تنظيراً لاستقطاب ضعاف الحال والمال وليظهر هو المصلح والمنقذ، ويكفي أن أشير في النهاية إلى أنه أيضاً ينتقص من مجلس الأعيان، المجلس الذي يختاره جلالة الملك، بل يتمادى أكثر في وصفه للقوى السياسية في هذا البلد، والتي تتحمّل العبء الأكبر في حمل هموم هذا الوطن، بأنها قوى ظلامية همجية إقصائية.
وآخر ما جاء على لسانه في الأسبوع الماضي، في بعض وسائل الإعلام، أن حضرته يؤكد أن لا عودة للماضي، والذي كان على امتداد ستين عاماً، وأنه كان في حالة استقرار مصطنعة من قبل الحكومات العربية، أفرزت ثورات في الوطن العربي، فإني أجيبه بما ذكره بنفس وسيلة الإعلام، وهو أن الكثيرين باتوا مقتنعين بالعودة إلى الماضي... وأن ما كان سائداً كان الأفضل مما نحن عليه، فأعتقد أن هؤلاء الكثيرين هم مع الإصلاح، لكنهم قطعاً لن يكونوا مع اللامباح دينياً وخلقياً واجتماعياً، وليسوا مع التدمير والفقر والتجويع.
هذا هو حال هذا السياسي المهاجر طوعاً، العائد إلينا بأفكار لا يُشتمُّ منها سوى رائحة إثارة الفتنة والبلبلة في الوطن، وعند ذلك يحجز سيادته في أول طائرة مغادرة إلى الخارج لينعم بالعيش النعيم، لكن عليه أن يتذكر قولاً للشاعر:
وطنٌ دعائمه الجماجم والدم     
تتهدّم الدنيا ولا يتهدّم
هذا بيانٌ للناس والعباد؛ لتحذير أبناء وبنات وشباب الأردن من هكذا مروّجين سياسيين، حفظ الله الأردن والأردنيين في ظلّ الراية الهاشمية، وقائدها عبدالله الثاني ابن الحسين القوي الأمين.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش