الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أمريكا والاستغاثة الكاذبة

تم نشره في الاثنين 8 أيلول / سبتمبر 2014. 03:00 مـساءً

 د. حسين حافظ

لطالما صدعت الولايات المتحدة المجتمع الدولي بمخاطر زائفة، وربما كان تهديد العراق (صدام حسين) لأمن واستقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط على حد سواء من أبرز الأمثلة على ذلك، فلم يستقر العراق ولا منطقة الشرق الأوسط بعد إزالة نظام صدام حسين بل ازدادت الأمور فوضى واضطراباً وفق ما ذهب إليه رئيس الوزراء الصيني الأسبق شو إن لاي حينما سئل ماذا ترى في هذا العالم؟ فأجاب (لا أرى فيه سوى أنه يسير إلى فوضى عارمة في كل شيء)، هكذا أضحت منطقة الشرق الأوسط والدول العربية تحديداً بعد غزو العراق من قبل الولايات المتحدة .
الإرهاب الدولي بشكل مختصر لم تخلقه روسيا ولا إيران ولا أية دولة في العالم المتمدن إنما هو صنيعة أمريكية بامتياز، وهنا لابد من الإشارة إلى المقولة المأثورة لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلنتون في كتابها خيارات صعبة (اننا نقاتل من صنعناهم بأيدينا قبل عشرين عاما) .
اليوم تتباكى الولايات المتحدة على ما آلت إليه نتائج فعلتها في خلق المنظمات الإرهابية وعلى قاعدة (على نفسها جنت براقش) ويقيناً أن هذا التباكي له من المصداقية الشيء الكثير فحقيقة أن القاعدة التي استهدفت مفاصل الاقتصاد الأمريكي في ضربها البرجين الأمريكيين هما ليسا سوى ارتدادات طبيعية ل»القاعدة» التي خلقتها ونمتها وسلحتها إلى الدرجة التي أزاحت من أفغانستان الوجود الروسي كذلك الحال في جبهة النُصرة والقاعدة وداعش التي أريد منها إزاحة النظام السوري، إلا أنها أدركت في وقت مبكر أن سيطرة هذه التنظيمات المسلحة على آبار نفط غنية سواءً في سوريا أو في العراق سوف يجعل من هذه المنظمات حرة في ما تراه مناسباً لتوسيع أهدافها وأدلجة صراعها ليس في إطار منطقة بعينها إنما العالم بأسره وتحديداً العالم المسيحي الذي مارست فيه شتى أنواع الجرائم الإنسانية سواء في المناطق المسيحية السورية أو المسيحية العراقية .
الاستغاثة الأمريكية اليوم لا تخلو من مصداقية كالقول في الأمثال العربية المعروفة (من حفر حفرة لأخيه وقع فيها) .
أي تحالف إقليمي ذلك الذي تريد منه الولايات المتحدة القضاء فيه على أعتى منظمة إرهابية عرفتها الإنسانية، وكيف يمكن للمتابع للشؤون الأمريكية أن يدرك مصداقية تلك الاستغاثة وهي من خدعت المجتمع الدولي لأكثر من مرة بمخاطر نُظم سياسية وقيادات وطنية مثل عبدالناصر وجيفارا وفيدل كاسترو وياسر عرفات وهي اليوم تعيد إلى الأذهان وتريد أن تقنع العالم ببراءتها من داعش والقاعدة وجبهة النُصرة وسواهم، وهي ذاتها التي خلقت تلك التنظيمات رعايةً وتسليحاً وتمويلاً والآن تحاول أن تلقي بتبعات تلك الأنظمة على الدول الإقليمية وعلى قاعدة (البراءة من دم يوسف) .
نعم أن دول المنطقة معنية بتداعيات «داعش» لكن هذا التداعي هو ليس الأخطر إنما الأخطر فيه هو ارتدادات داعش على الأنظمة الأخرى في العالم، وقد أدركت الولايات المتحدة ذلك في الآونة الأخيرة جيداً فيما ذهبت إليه «داعش» في تمددها صوب إقليم كردستان الذي يمثل خطاً أحمر للمصالح الأمريكية و»الإسرائيلية» على حد سواء .
«داعش» في العراق ليست نهاية المطاف وهذا ما ينبغي أن يفهمه الجميع من دول المنطقة فهي في فلسفتها وأيديولوجيتها وحدودها الجغرافية لن تتوقف عند حدود الشام والعراق بل هي في أهدافها النهائية تريد أن تقوض أركان الدول الغربية في العالم وأمريكا بالذات معنية بهذا التمدد، ولذلك فإن الاستغاثة الأمريكية الآن هي ليست لدواعي الاستقرار في المنطقة انما لمحاولة إبعاد الخطر «الداعشي» لكي لا يلامس جوهر الأمن القومي والمصالح الأمريكية في المنطقة ولعل في رفع حالة الطوارئ في بريطانيا دالة مؤكدة، وانطلاقاً من ذلك واستناداً الى الوصايا العظيمة التي تركها الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم (لايُلدغُ المؤمن من جحرِ مرتينْ) أن تُترك الولايات المتحدة وتنظيماتها الإرهابية في إدارة شؤونها بعيداً عن التدخل أو الحرب بالنيابة عن الولايات المتحدة ذاتها، بل إن الحكمة تقتضي تعزيز أمنها الوطني وزيادة قدراتها الذاتية بعيداً عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وأهدافها الشيطانية في منطقة الشرق الأوسط، ويقيناً إن أي جهد ينخرط ضمن الاستغاثة الأمريكية هو جهد استثنائي سوف لن يفضي وبكل تأكيد إلى القضاء قضاء تاماً على داعش أو سواه وربما تكون الدعوة الأمريكية المضللة لمكافحة داعش هي السبيل الأمثل لاستنزاف ما تبقى من قدرات الدول العربية، ومن هنا تبدأ الدعوة إلى خلق ائتلاف إقليمي مدعوم ببعد دولي لا تشترك فيه الولايات المتحدة إلا بالقدر الذي يجعلها بعيدةً عن ترتيبات الأمن في منطقة الشرق الأوسط، وحين ذاك سوف لن تجد لها مكاناً متميزاً لا في سياسات الشرق الأوسط ولا حتى في خرائطها الجغرافية التي رسمت فيها حدود الدم الاسلامية .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش