الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

البحث عن الآخر وجمالية اللغة في دروب التيه

تم نشره في الجمعة 23 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً

الدكتورة ليندا عبيد *



تقوم مجموعة محمد دغلس «أنتَ»، على استخدام تقنية المقطوعات الشعرية المبنية على المفارقة حينا، بينما تنساب بها الكلمات محمّلة بكثافة عاطفية حينا آخر، فنحظى بشعرية عذبة إلى جانب شاعرية عالية تطلّ من خلالها رؤى الشاعر وتصوراته تجاه الذات والكون.

إنّ الذات الشاعر تفتش عن الحب بمفهوميه الخاص والإنساني العام، ويأتي البحث عن الحب بوصفه هاجسا يُلح على الشاعر، بتجريد الآخر بصورة «الأنت»، كما يرتئيه الأنا، صورة أكثر ميلا إلى الاكتمال والمثال، فهو الصورة التي يتوق إليها الشاعر في عالم عمّهُ الخراب والاستلاب وتشيّء به الإنسان، وجفّت به منابع الحياة .

ويطلّ الآخر بصورته المتخيلة المصاغة لغة كما يحسّها الشاعر ضمن حدوده الضيّقة لعاشق يعبر دوائر اللقاء والفراق، اللذة والقهر، ثم يتسع فيصير فضاء رحبا للماضي والحاضر، والإنسان والوطن. يقول : «يا أنتَ/ أيها الكلّ فيّ/ يا أبي/ وأخي/ وحضن جدي/ يا صوم الزاهدين/ ودمعة الحائرين/ وفرحة الأعياد « .

يمثّل الأنت في بداية المجموعة كل ما يوجع الإنسان الذي يحيا الحرب، والقتل بصورته المتوحشة عبر جنازات جماعية.  «أنتَ/ يا كل الأشجار المتعبة من الطرقات / يا أسماء الشهداء المنسيين في سجل الوطن/ يا كل الجنازات الجماعية/ والأحلام المسروقة من برّاد الموتى..» إلخ.



واللافت للانتباه أنّ (محمد دغلس)، يتكيء على صوت المؤنث في كل مجموعته محاولة لتقمص إحساس الآخر المؤنث، ومحاولة مفتعلة للحياد رغم تعذره للبوح برؤيته تجاه الكون والإنسان محاولا إكسابها شرعية ممثلة بكونها مطلبا لكل الإنسانية. وقد تمّ استخدام هذه التقنية في الفن الروائي على لسان روائية تستخدم ضميرا مذكرا، أو روائيا يستخدم ضميرا مؤنثا، وإن كان قليلا في الشعر .

ويتمتع الشاعر بقدرة على اختزان التفاصيل لتصير قطع فسيفساء صغيرة تشكل المقطوعة الشعرية . وما الذات الشاعر إلا ذات مرهفة تختزن التفاصيل ، وتحيلها إبداعا محاولة لتعرية القبح بغية إصلاحه، أو تصوير الجمال بغية التلذذ به، وصياغة عالم أفضل كما يرتئيه المبدع من مثل : المزهرية، المواعيد، الفساتين، المرايا، الفنجان، آلة الحلاقة، علبة السجائر، غطاء السرير، مقبض الباب، الجريدة . «أغار من أشيائك التي تقيم معك أكثر مني/ ماكينة حلاقتك/ علبة سجائرك / من غطاء سريرك/ من هاتفك لأني لا أعرف ان كنت أحتل في سجله الاسم الأول/ من مقبض الباب».

وتقوم المجموعة على الثنائيات المتناقضة من مثل : الحياة والموت ، اللقاء والفراق ، الأنا والآخر، الحب والكراهية، الحرب والسلام، المثالي والمُغرَق بماديته، الوفاء والخذلان، الأنثى الطفلة والأنثى المزيّفة ليقول إنّ واقعا عقيما بظروفه السياسية والاجتماعية لا ينجب إلا عقما وتشوّها مما يزيد من توق الذات الشاعرة إلى الانعتاق منه بالبحث عن حب يدحض القبح والاستلاب.

فنراه رافضا للخواء والخراب والأحلام اليائسة والجمل المعلّبة في الحب ضمن قصيدته «حب خارج العالم الإفتراضي»، محاولا خرق الصورة المستهلكة للحب من خلال خرق المتوقع ، فالشاعر لا يرى في أعياد الميلاد إلا موتا بقصيدة «نخب موت السنة الجديدة»، وقصيدة «في ليلة رأس السنة»، ويرفض فكرة عيد الحب بقصيدة «أختم عيد الحب بشمع الفراق»، طلبا لحب يتسم بالكينونة والأبدية.

وهذه هي حال الشخصية الإبداعيّة فقد قال (جورج طرابيشي): «إنّ الإبداع حالة انفصال كارثية». كما قال أحد المبدعين: «إن ما يمرّ به الناس مرّاً يجرحني أنا، ويسفك دمي على قارعة الطريق».

ويتكيء الشاعر في مجموعته على لغة تُعنى بتراسل الحواسّ، فالشم والبصر واللمس والذوق تتداخل فيما بينها لتصنع لغة تنقل المتلقي لينفعل مع حالات النص وتقاطعاته  «يعصرني فراقا، يقشّر ليمونة قلبي»، وغير ذلك كثير.

ويتناص الشاعر في مجموعته مع بعض الأعمال الروائية مثل «ذاكرة الجسد»، وبعض أغاني فيروز الرحبانية والتراتيل الدينية المسيحية والغناء الشعبي، مما يتأتى من هذه المرجعيات من عذوبة وطقسية روحية تبحث عن التسامي والعلو دون أن تبدو ناتئة عن جسد النص.

وتطلّ الموسيقى في هذه المجموعة من أصوات الحروف المتناسبة مع أجواء كل مقطوعة والتي تمهّد لكل واحدة منها عتبة نصية عنوانية تشكّل في كل مرّة تمهيدا لإيقاع جديد . إضافة إلى أنّ بعض المقطوعات تلتزم ببحور الخليل بن أحمد، بينما تمزج بعضها بين بحرين، وتخرج أخرى عن هذه الأوزان مستبدلة غيابها بانسياب العاطفة وكثافة الصورة.

ومن التقنيات اللافتة في هذه المجموعة خلق ما يسمّى بالمشهدية السينمائية، إذ تبدو بعض المقطوعات أشبه ما تكون بمشهد سينمائي يُعنى بعناصر الصوت والصورة ، ويستخدم ما يسمّى «بالإكسسوارات» في الفن السينمائي.

وبآخر المجموعة بقصيدة  «أحبك لأني لست نسخة طبق الأصل عنك « نجد تكامل الأنا والآخر ضمن أفقين: الضيّق والواسع، فالأنثى التي تحيا خصوصية مجتمعية تجعل من حبها سرا قابعا في الأدراج، والرجل الجامح الذي ينقّيه الحب يصير حبه احتفالا كونيا.وفي القصيدة الأخيرة «ما بعد أنت»، تبحث الذات الشاعرة عن الاستمرارية والحب الأبدي الذي يتوالد ، ويتجلّى بصور إنسانية متعددة ليصير قصائد وطن مبحوحة داخل كون تؤمّه الفوضى والخراب، إذ يعلو الزبد، وتتكوّر الجواهر في الأسفل، فلا تجد الأنا نفسها بعد هذا التيه إلا بالورق. والكتابة - بوصفها طريقة حضارية للتحرر والانعتاق – دعوة للحب بمفهومه الإنساني الواسع، إذ يؤرّخ الشاعر به للذات وللآخر، وللكون من حولهما .

وبعد؛ فإنّ مجموعة (محمد دغلس)، أشبه ما تكون بسمفونيّة موزعة إلى مقاطع وأغنيات نصية ينتظمها دفق إنساني شعوري عذب، وتختزن داخلها تفاصيل مضمونية تؤثّث لفضاء شعري أنيق رهيف.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش