الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خمس رسائل من «الكرك»..!!

حسين الرواشدة

الأحد 25 كانون الأول / ديسمبر 2016.
عدد المقالات: 2545
الرسائل التي وصلتنا من “الكرك” كانت مزدحمة بصور الصدمة والفجيعة والحزن من جهة، وبصور المحبة، والاعتزاز والشهامة من جهة أخرى، بعضها استقبلته لواقطنا واستطعنا ان نفك “شيفرته” لكن بعضها الاخر مازال “مغلقاً” لم يفتح بعد، اما لاننا لا نريد ان نقرأه، او لأنه ما زال في الطريق ولم يسعفنا الوقت لفهمه والرد عليه.
سأتجاوز هنا مسألة تصنيف هذه الرسائل، وسأتجنب أيضا مناقشتها وتحليلها، فهذه ليست مهمة هذا المقال القصير، كما ان بعض الجروح لم تندمل بعد مما يجعل أية محاولة للاقتراب منها مرفوضة –أخلاقياً- على الأقل، ويبقى لدي خمسة أسئلة يمكن ان اسجلها باقتضاب، مع ان كل واحد منها يحتاج الى مقال وربما أكثر.
السؤال الأول هو سؤال الإرهاب بامتياز، ليس لأنه المسؤول عن إيصال هذه الرسائل الينا بهذه الصورة، وانما لأنه الفخ الذي حاول ان يوظف هذه الرسائل لمصلحته اولاً، وبالتالي فهو يحتاج الى إجابات حازمة وواضحة معا ، لابطال مفعوله أولا ، وحرمانه ثانياً من الاستئثار بالحدث او التمدد على مساحات المشهد العام، وحين يكون الإرهاب هو السؤال فإن ذلك ينصرف بالضرورة الى عدة عناوين أساسية أبرزها: شبكات الإرهاب وخلاياه التي “استيقظت” ، وتحولاته الى استجدت، وتربته التي خرج منها، والتوقيت الذي اختاره والحواضن التي اتخذها ملاذات له، والمكر الذي استخدمه في المضامين والأدوات.
حين ندقق في هذه العناوين نجد اننا امام شبكة إرهابية اعتمدت على قاعدة القرابة والاسرة الممتدة، واستمدت منها الخبرة والسرية والباعث ايضاً، نجد اننا امام تربة توفرت فيها بعض العوامل الذاتية والخارجية لخروج مثل هذه “الاحساك” ، نجد ثالثا ان التحولات التي طرأت على التنظيمات الإرهابية (القاعدة و “داعش”) حاضرة في المشهد، نجد رابعا اننا امام بروفات موجودة - ولو كانت على شكل بدايات - لإيجاد حواضن اجتماعية واقتصادية للإرهاب ، كما نجد خامسا ان آلية التنفيذ التي اعتمدت في تصنيف “المستهدفين “ مطابقة تماما لايدلوجية داعش الإرهابية.
السؤال الثاني هو سؤال العلاقة بين السجون والإرهاب، ذلك ان معظم الذين نفذوا العملية الإرهابية كانوا متهمين بقضايا لها علاقة بالإرهاب، وبعض خرج من السجن، او كان موقوفاً، وبالتالي فإن “هويتهم” معروفة، كما ان قضيتهم التي يحملونها واضحة جداً ايضاً، المفارقة هنا انهم فعلوا بنا ما أرادوا ان يفعلوه ، فيما “فشلنا” للأسف في التعامل معهم قبل ان نصطدم بهم، والتعامل المقصود هنا يتعلق بملفين على الأقل: احدهما ملف التطرف الذي لم نتوافق بعد على وضع مقاربة جادّة لمواجهته في اطاره الفكري والايدلوجي (دعك من الاطارين السياسي والاقتصادي الآن) والملف الاخر ما يتعلق بالسجون واصلاحها خاصة لمن يودعون فيها من الشباب بتهمة “التطرف”، وهنا نحتاج الى ما هو أكثر من الحوارات والمرجعيات، او التصنيف والمتابعة، نحتاج الى فهم حقيقي وعلمي مدروس لمثل هذه “الفئات” التي ضلت اقدامهم “للتطرف” ومن ثم “للسجون” لمعرفة خرائط انتشارهم وبيئاتهم واوضاعهم النفسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية... الخ، بحيث نضعهم “كحالة” (ظاهرة ان شئت) على طاولة البحث والتشريح وصولاً الى المعالجة، بدل ان نتركهم يتعايشون مع امراضهم، ثم نفاجأ وقد تحولوا الى “عفاريت” .
السؤال الثالث هو سؤال “العدل”، لاحظ انني قدمته فوراً على أسئلة كثيرة تبدو مهمة وطازجة، لكن ما دفعني لذلك هو الاصداء التي ترددت في المجتمع بعد ان انتشرت رائحة “دم” الشهداء في كل مكان، حيث ارتفعت صرخات أبناء الحراثين وقصص الشباب الذين لم يعثروا في جيوبهم الا على دنانير قليلة او الذين سددوا ديونهم قبل ان يودعوا هذه الحياة، ثم ما جرى من مقارنات بين هؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم من اجل الوطن، والاخرين الذين ضحوا “بالوطن” من اجل امتيازاتهم ومكاسبهم.
كل سؤال “العدالة” الاجتماعية حاضر في المشهد، وكأن هذا الدم الزكي الذي انكأ جراحاتنا وداواها هو الذي أراد ان يذكرنا بأن العدالة حين تغيب او تتراجع تختل موازين المجتمع، وتتصاعد الحسرات والخيبات فيه، ويصبح جدوى التضحية مجالاً للاستفهام.
ارتباط سؤال العدل بالدم هنا فتح أيضا سؤالاً رابعاً أعمق يرتبط “بالهوية” الأردنية والمشروع الوطني الأردني “الغائب”، ويرتبط بمجتمع “الشغيلة” مقابل مجتمع “الفرجة”، ويرتبط بعجلة السياسة وعجلة الاقتصاد، بالنخب والطبقات والجمهور، بالحاضر الأردني وبالمستقبل وبالضمير الأردني، وكلها أسئلة صعبة لكنها حاضرة دائما في اذهان الأردنيين، لاسيما حين يودعون شهداءهم او حين يفزعون الى “قلاعهم” للدفاع عنها ضد أي خطر داهم.
يبقى السؤال الخامس وهو ذو شقين: احدهما يتعلق بالإعلام كناطق باسم الضمير العام، او كغائب او مغيب عن مجرى الاحداث، وسواء اكان متهما او ضحية، فان الإجابة عليه تحتاج الى مزيد من الصراحة والوضوح، ليس فقط من الإعلامي الذي يشعر بالخيبة او حتى بالتقصير، وانما من المسؤول الذي يدرك ان الدولة بلا اعلام مهني وصادق لن تتمكن من إيصال رسالتها، ولا من اقناع الناس بما تفعله، اما الشق الثاني فيتعلق “بالفزعة” التي كانت لها صورة مشرقة عكست وحدة مجتمعنا وعافيته، وصورة “مفزعة” اربكت ابصارنا عن رؤية الحقيقة، كما اربكت الأجهزة الأمنية عند التعامل مع العملية...هذه “الفزعة” تحولت احياناً الى “مركب” وظّفه البعض لانتزاع المكاسب السياسية، ووظفه اخرون لإشاعة الشك والكراهية بين المجتمع الواحد.
حفظ الله الأردن، غداً نكمل ان شاء الله.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش