الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جاكي تعدّل المناهج إسماعيل الشريف

تم نشره في الأحد 25 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً



«الأطفال بحاجة إلى نماذج لا إلى نُقّاد» - جوزيف جوبير

ضمن برنامج البكالوريوس في الجامعة الألمانية يمضي الطلاب سنة في ألمانيا للتعلم والتدريب.

«قرفت، أعد الثواني والدقائق للذهاب إلى ألمانيا! وأقول لك، مش راجع» ، كان هذا حديث طلبة كلية العمارة والفنون في الجامعة الألمانية قبل أسابيع من موعد ذهابهم إلى ألمانيا، في بداية الفصل الدراسي الصيفي، وقبل أن تدخل «جاكي» حياتهم.

في كل عام تزور الأستاذة الأمريكية جاكي الجامعة الألمانية لتعطي مساقات في كلية العمارة والفنون. في الحصة الأولى طلبت من طلابها أن يكتب كلٌ منهم بحثا عن علاقة إرثه الشخصي باختياره لدراسة العمارة. استهجن الطلاب هذا التكليف، فهم لم يعتادوا كتابة الأبحاث، ناهيك أبحاثا عن إرثهم الشخصي! ولكنهم ما لبثوا أن اندمجوا في ما يشبه لعبة البحث عن الكنز، وهم يتتبعون إرثهم ومساقط رؤوسهم وأنسابهم ويربطونها بدراسة الحاضر ومهنة المستقبل.

كم هي غنية حياتنا بالتراث. أكلة منسف معتبرة تجتمع عليها الأيدي كما يجتمع الحيّ على قلب رجل واحد. دبكة دحية في تعاليل تموز. شقائق النعمان. مراسم قطف الزيتون. المضافات العامرة برائحة القهوة والهيل. إنها تفاصيل رائعة سيخلدها طالب العمارة في أبنية المستقبل.

 إحداهن أرفقت صورة للمتوضأ في المسجد الأقصى، وكتبت أن مصنع جدها للموزايكو في القدس أنتج كراسي المتوضأ بمساعدة جاره النجار، ثم احتُل المصنع وأصبح متحفا ومسرحا يباهي به المحتلون السياح. طلّاب اكتشفوا أنهم مدفوعون بحب وراثي للرسم أوالتخطيط أوالنقش، أو أنهم سليلو بنّائين وحجّارين كانوا يجوبون الضفتين جامعين أصلب وأجمل الأحجار وتركوا تحفا معمارية تتحدى الزمن.

تتبع الطلاب أنسابهم واتصلوا بعمداء الأسر، واشتغلوا بالبحث في الدواوين وعلى الانترنت، واشتغل معهم إخوانهم وأبناء عمومتهم وانخرطت أسر بأكملها في هذا البحث. تعلموا تاريخا تحكيه أسمائهم التي لم تكن تعني لهم أكثر من كرت واسطة أو فزعة في لحظات الطيش.





 هذا من سلالة من القضاة يجوبون الصحارى ويحكمون في قضايا الدم، وذلك ترك أجداده الحملة الصليبية وآثروا الاستقرار في الأراضي المقدسة. هذه من قحطان، غسان، نعمان، وتلك من نسل القائد: بيبرس، قطز، صلاح الدين. عرب، أكراد، أقباط، بوسنة، أرمن، شيشان، أو خليط مما سبق.

أحضر الطلاب قصصا لا تنتهي لعائلاتهم، وعلى مدى أسابيع شهدت ساحات الجامعة أحاديث كلها فخر وزهو وطرافة، وضحك الطلاب وتغامزوا أحيانا وهم يستمعون للقصص.

وخلال الفصل كانت جاكي تتنقل بهم بين المواقع الأثرية والمعمارية. وكانت همتها العالية وشغفها ونشاطها تشحذ الطلاب بحيث لا يغادرون موقعا إلا وقد درسوا كل ما فيه. أخبرتهم أن متاحف عالمية تفاخر بعرض أجزاء من قصور الصحراء، ووقفت وسط البتراء تقارن بينها وبين لاس فيجاس، فكلاهما مدينتان مفصليتان في قلب الصحراء ولديهما نظام ريّ معقد، إلا أن البتراء تربط ثلاث حضارات مختلفة.

اكتشف الطلاب أن العمارة لا تقوم إلا على أساس، وأن التاريخ جزء من المستقبل، وربطوه بجغرافيا خلت من الحدود، من جبال الأردن الشمّاء وسهولها الغنّاء إلى القفقاز. ولم تغفل جاكي التحديات الإقليمية بل كانت تبحث مع طلابها عن حلول للأزمات في العراق وسوريا من خلال العمارة والمحافظة على التراث وهي تتنقل معهم بين معارض الفنانين المحليين ومطاعم عمّان الشهيرة.

انتهى الفصل وحانت لحظة السفر إلى ألمانيا، وسجلت صور التواصل الاجتماعي صور طلاب جاكي وهم يلتقطون القمامة بصورة عفوية، ويبكون شوقا لفراق وطنهم ويتغنون بحضارة وتراث لم يجدوا في أوروبا ما يضاهيه.

عبقرية جاكي تكمن في أنها ربطت بين المكان والزمان والإنسان، واستطاعت أن تحقق ما لم تحققه جميع مناهجنا التعليمية من ربط الطالب بوطنه، ومنحه حسّا بالانتماء والاعتزاز يجعله إيجابيا واسع الأفق ويغنيه عن الجهوية والتعصب.

بدلا من محاولات سلخ طلابنا عن هويتهم ودينهم وتاريخهم وثقافتهم، كنت أتمنى أن يخرج مسؤول ليقول لنا إن منهجيتنا هي التي بحاجة إلى تعديل جوهري لجعل الإنسان الأردني إنسانا أفضل! فقد نجحت جاكي بينما تتدهور منظومتنا التعليمية.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش