الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رصاصات عمياء أصابتنا جميعا

حسين الرواشدة

الاثنين 26 أيلول / سبتمبر 2016.
عدد المقالات: 2563

من اطلق النار على الزميل الكاتب ناهض حتر امام قصر العدل امس ليس فقط ذلك الشخص المحسوب على خط “ التطرف “ الديني ، وانما المسؤول عن ذلك شبكة عريضة وعميقة من الافكار والمفاهيم والمواقف والفتاوى والاستفزازات المتبادلة التي افرزت هذا “ القاتل “ وربما ستفرز غيره ، وبالتالي فان محاكمة الفاعل على فعلته القبيحة – وان كانت مطلوبة وضرورية – الا انها لن تحل المشكلة ، كما ان ادانة الجريمة ورفضها من كافة الاطراف لا تكفي ، الامر الذي يستدعي التدقيق في امرين : الاول ان حالة الاغتيال على خلفيات فكرية او دينية غريبة على مجتمعنا الذي اتسم خلال تجربته الطويلة بالاعتدال والتسامح والعيش المشترك ، ومع ان هذه المسألة خطيرة وصادمة الا انها تبدو مفهومة في سياق التحولات التي طرأت على مجتمعنا بفعل ما يحدث حولنا من حروب وصراعات على تخوم الدين والمذهب والطائفة ، فنحن لسنا جزيرة معزولة عن هذا الواقع الطبيعي والافتراضي الذي انفجرت فيه كتلة الدين والتاريخ معا. اما المسألة الثانية فهي ان التطرف الذي يجب ان ننتبه اليه لا يتعلق فقط بالتنظيمات التي نحاربها خارج الحدود ، وانما بالافكار التي تتوالد في مجتمعنا ، وتجد من يتبناها ويروج لها ، وهذه الافكارالمتطرفة يمكن ان تنتسب للدين كما يمكن ان تخرج من مواقف تخاصم الدين ، وبالتالي فان مواجهة هذه الافكار التي اعقتد انها المسؤولة عن حادث مقتل حتر او الحوادث الارهابية التي شهدها بلدنا ، تحتاج الى اعادة البحث مجددا في ملفين اساسيين : احدهما ملف بيئات التطرف وحواضنه في مجتمعاتنا وهي بيئات ناشئة لكنها تنموا بشكل متصاعد ، والاخر ملف الحريات الدينية والفكرية ضمن دائرة “ ادارة “ الاختلاف التي يتوجب ان تجد لها مساحة واسعة في نقاشاتنا العامة . تعمدت ان اوسع دائرة فرجار “التشخيص “ لما حدث لاكثر من سبب ، ابرزها ان الجريمة التي اودت بحياة الزميل ناهض لا علاقة لها على الاطلاق بصراع ديني بين المسلم واخيه المسيحي ، فهذا القاتل كان يمكن ان يوجه مسدسه لاي شخص اخر ، ومن اي دين ، ما دام ان باعثه هو التكفير ، وضحايا التكفير من المسلمين اكثر من اي ضحايا اخرين من اديان وشرائع اخرى . اشير لذلك لاقول انه لا خوف على العلاقة الاصيلة بين المسلمين واخوانهم المسيحيين ، وحتى لو حاول البعض الدخول على خط “ الفتنة “ فان بنية ومتانة هذه العلاقة الممتدة في التاريخ كفيلة بافشال ذلك ، اما السبب الاخر فهو ان ما حدث لا يجب اختزاله فقط في اي تقصير من اية جهة كانت في الاجراءات ، سواء بالحكومة او بالمؤسسات الدينية او بالاعلام على اختلاف انواعه ، لانه يتجاوز ذلك كله الى سياقات اوسع ، بعضها داخلي والاخر له علاقة بالمحيط ، وهنا يفترض بعد ادانة ما حدث ورفضه ومحاكمة القاتل على جريمته ان نضع ايدينا بوضوح وصراحة على الملفات الكبرى التي اعتقد انها انتجت هذه الحالة ، اول هذه الملفات ضرورة ترسيم العلاقة بين الدين والمجالات الاخرى ( السياسة بوجه خاص ) وبالعكس ايضا ، ثم وضع حد للتوظيف المتبادل بين هذه المجالات وبين الدين ، ثم ضبط سوق الفتاوى خارج المعنيين بها والمؤهلين لاصدارها ، وذلك لكي نضمن سلامة الدين اولا وسلامة المجتمع ثانيا ، الملف الثاني هو وقف مسلسلات العبث بالمشاعر الدينية بموجب قوانين صارمة مع التمييز بين حرية الفكر والتعبير والمعتقد وبين الاساءة للدين ومقدساته ، الملف الثالث هو ضرورة التوافق على مشروع وطني جامع ينهي حالة الخصومة بين التيارات الفكرية والسياسية . تبقى ثلاث مسائل هامة : الاولى فهم التحولات التي طرأت على مجتمعنا في السنوات الخمس الماضية ومعرفة ما افرزته من ظواهر مثل التطرف والكراهية والقتل باسم الله وباسماء اخرى احيانا ثانية ، بمعزل عن هيبة الدولة وقوانينها ، هذه التحولات يجب ان تخضع لنقاشات عامة ، ثم المسألة الثانية وهي ذات علاقة بالاولى حيث يفترض ان نبحث كدولة ومجتمع عن مضامين ووسائل جديدة وفاعلة لمواجهة ظاهرة التطرف للوصول الى استراتيجية وطنية محكمة تحظى بتوافق الجميع ، اما المسألة الثالثة فتتعلق بتعميم ثقافة الاختلاف وادارته في مناهجنا ووسائل اعلامنا ، بحيث تكون متطلبا اساسيا في التعليم وفي ممارساتنا الاجتماعية والسياسية ايضا .

 باختصار ، الرصاصات التي قتلت الزميل ناهض حتر ، كان يمكن ان تقتلني او تقتلك ، والاخطر من ذلك انها يمكن ان تصيب نموذج العيش المشترك الذي نعتز به ، ويمكن ان تجرح قيمنا الدينية والانسانية التي نؤمن بها ، وان تسيء الى سمعة بلدنا ، ولهذا فان خسارتنا لا تقتصر على ناهض حتر فقط ، وانما تتجاوزه الينا جميعا لأن الرصاصات التي اصابته اصابتنا ايضا .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش