الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مواقع التواصل الاجتماعي والحـــوار المســـؤول

د. محمد طالب عبيدات

الأحد 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
عدد المقالات: 282

العالم الإفتراضي المتمثّل في مواقع التواصل الإجتماعي والذي بات ينتمي إليه معظم الناس من خلال امتلاكهم لوسائل التكنولوجيا الحديثة المنتشرة في كل مكان لتشكّل بيئة مناسبة لضرورة الإستخدام دون حواجز إنسانية أو جغرافية أو زمنية أو مكانية، وخصوصاً مع إمتلاك معظم الناس للهواتف النقالة أو الخليوية والتي باتت محور إستخدام لنشر هذه الثقافة لغايات إستخدامات إيجابية وسلبية في ذات الوقت، هذا العالم الإفتراضي أصبح كهايد بارك وفضاء حر ومفتوح يوازي العالم الواقعي الذي نعيش لدرجة أن الأميّة التكنولوجية أصبحت مقياس ومؤشر أساس لنوعية ومقدار وعي الشعوب، وباتت مسألة امتلاك الديوانيات الإلكترونية موضة العصر.
فأصبحت مواقع التواصل الإجتماعي تحوي متناقضات الأبيض والأسود بالإيجابيات والسلبيات، فأبيضها أنها تشكّل وتصوغ الرأي العام الإجتماعي والسياسي وتستخدم لتبادل المعلومة وطرح الرأي والفكر والإتجاه لأن فيها مساحة حرية دون ضوابط، وتشكّل أداة حوار مثالية من حيث حرية المساحة الفكرية والبيئة وتنوع الشخوص والآراء والتدريب لممارسة ثقافة الديمقراطية والحوار وإحترام الإختلاف والرأي الآخر وغيرها، وأسودها بالمقابل نفث السموم ودعوات الفوضى والتهديد والوعيد والمهاترات والإتهامات الجزاف وطرح الأفكار الهدامة والسلبية وتهديد الأمن والإستقرار، وفيها إنتشار الإشاعة والأخبار الكاذبة والمغالطات الدينية والفكرية والعبث بالوحدة الوطنية وزعزعت مفاهيمها وفزعت الإنترنت. وكأن مواقع التواصل الإجتماعي باتت عالم قائم بذاته مبني على عالم إفتراضي لفضاء حر مؤثر يحمل لواء التغيير والحوار على كافة الأصعدة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والدينية والتربوية وغيرها في المجتمعات كافة.
وبالطبع هنالك العديد من الآثار الجانبية لإستخدامات شبكات التواصل الإجتماعي أبرزها وقف التلاقي بين أفراد الأسرة الواحدة وخصوصاً في حال إدمان إستخدامها، وأثرها على التواصل الجسدي والنفسي، وأثرها الإيجابي على مهزوزي الشخصية والمترددين والخائفين للتعبير عن آرائهم وجاهة، وكسرت الحاجز التقليدي بين الثقافة والمثقّف والناس، وأستوعبت الطاقات الهامشية، لكنها أيضاً خلطت بين الصراحة والوقاحة إذ يفصلهما خيط رفيع، ومنعت إنتشار العديد من قضايا الفساد، وضمنت خوف المسؤول من عدم إطاء المعلومة غير الدقيقة وغيرها من الآثار الإيجابية والسلبية على السواء.
والفضاء الإفتراضي الإلكتروني الرحب هذا يحتاج لتأطير وتنظيم ولا يمكن أن يكون مفتوحاً على الغارب، وأجزم بأن الحكماء والنخب هم الضابط والمانع والمُفلتر لإنتشار فساده وفتنه وطائفيته وفئويته وغيرها، والتشريعات الناظمة من قوانين مطبوعات ونشر وإعلام وعقوبات وغيرها هي الرادع لكل مَنْ تسوّل له نفسه للعبث بأمن هذا الفضاء المفتوح،  بالرغم من أن عملية الضبط والفلترة والقوننة صعبة بكل المعايير لكنني أعتبر أن الضابط الأساس هو الوازع الديني والأخلاقي والقيمي والضمير الحي للناس.
ونحتاج لتطوير آليات الحوار وأساليبه مع الآخر عبر الفضاء الإلكتروني لما لها من فوائد جم في تأليف القلوب وتقريب المسافات وإحترام الآخر وغيرها، فحوارات الأديان والشعوب ومحاربة الغلو والتطرّف وغيرها تقتضي الإلتزام بآداب وضوابط الحوار والتي أساسياتها الإخلاص والبيئة المناسبة والعدل والإنصاف للطرف الآخر وإظهار الحق وكشف الباطل والحكمة والصبر وحُسن الإستماع وإحترام الطرف الآخر لأن الإختلاف في الرأي لا يُفسد في الود قضيّة وغيرها، فالحوار قيمة دينية وإجتماعية وثقافية وإنسانية، وحتى من منطلق ديني تتباين حكمة مشروعية الحوار بين الواجب الحلال والباطل المذموم والمكروه المُضيع للوقت والمحرّم المبني على الذب والسخرية والإتهام وهكذا.
ولعل هذه الحوارات المباشرة تؤطر تبادل الأفكار بين الناس وتتفاعل فيها الخبرات وتساعد على تنمية التفكير وصقل شخصية الفرد وتولّد أفكاراً جديدة وتنشّط الذهن وتعزّز العصف الذهني وحريّة التعبير عن الرأي وتؤطر الحرية المسؤولة وتساعد على التخلص من الأفكار الخاطئة لغايات الوصول للحقيقة، وبهذا تُبعد الصورة النمطيّة المأخوذة والمتعارفة عن أدوات التواصل الاجتماعي بأنها “للصبيانية” أو “الحوارات غير الواعية”، بل وتستبدلها بلغة الحوار الجاد المؤدي لنتيجة منطقية ومدعّم بأدوات الحجج الدامغة والاقناع الواقعي بعد اشباع الموضوع المطروح آراءً.
ولي تجربة شخصية متواضعة في هذه المواقع من خلال التواصل مع أكثر من ثلاثين ألفاً من الأصدقاء والنخب والعامة المساهمين والمشاركين بالحوارات التي أطرحها يومياً لقضايا وطنيّة أو اجتماعية أو قوميّة أو علمية أو انسانية أو علميّة أو غيرها والتي يُطرح فيها يومياً موضوع الساعة للنقاش الجاد، وكذلك محطّة أبيض وأسود والتي تؤشر الى موضوع ايجابي وآخر سلبي على سبيل التصويب لا النقد غير البنّاء، وكذلك زاوية البوستات الحوارية الأخرى لتساهم في رفع سويّة الثقافة العامة لدى الناس. ولعلّي هنا أؤشّر الى روح الحس الوطني الكبير والمسؤول الذي لمسته من معظم الأصدقاء وحتى من الذين يعارضوننا الرأي أحيانا، وكذلك المرونة والاعتدال وصوت الحق والالتزام بأدبيات الحوار ابّان الحوار بالرغم من وجود بعض الأسماء الرمزية أو المستعارة والتي تستطيع أن تتحدث بحرية وتختبئ خلف القناع، وكأني بالجميع يقول قلوبنا كلّها على الأردن الوطن ومع الوطن الأشم ومع رؤية جلالة الملك المعظّم لمستقبل الأردن العصري والاصلاحي والحديث والمتجدّد، بالرغم من أن كلّ واحد فينا له وجهة نظره ويتطلّع من زاوية مختلفة للأمور وبسمفونيّة وفسيفساء رائعة من الرأي والرأي الآخر ولكن هاجس الجميع حبّ الوطن وقيادته والمحافظة على ارث الانجازات الوطنية.
قليلة جداً هي الآراء التي فيها شطط أو عدم وعي فكري حتى بين الشباب –وجلّ أصدقاء الفيس بوك من الشباب الجامعي-، وحتى هؤلاء القلّة تتشذّب سلوكياتهم الحوارية مع الزمن والممارسة والتطبيق، وكأني بهم يقولون بأن الحوار يؤطّر ويُنضِج مستوى تفكيرهم واحترامهم لآراء الآخرين ليلتقوا بالمنتصف وقواسمهم المشتركة دوماً وطنيتهم الصادقة وغيرتهم على وطنهم للقضاء على الفساد ومحاربته والمطالبة بالاصلاح كحالة وطنية متجدّده ومرنه لا جامدة.
الحوارات تكون أحياناً نخبوية ذات مستوى عالٍ ومتخصّصة وعميقة ومرّات شاملة للفئات العمرية كافة شباباً وكباراً ومسؤولين وموظفين ومواطنين من الجنسين لتشمل كل الفئات الوظيفية أيضا،ً لأنها بالمجمل تقرّب وجهات النظر ولهذا يتفهّم المشاركون بعضهم بعضاً، فيكون فيها الصفح والتسامح والعذر والتفهّم والمعرفة والامبالاة والنكران أحياناً، ولهذا فهي متنوّعة وكل شيء فيها ممكن، وتساهم التكنولوجيا واستخداماتها في تقريب الزمان والمكان بين المتداخلين والمتحاورين والتي ربما تكون من حاسوب المنزل أو الحاسوب المحمول أو جهاز الخليوي أو الآي باد أو غيرها من أي مكان وفي أي زمان.
ولكن ما أحوجنا هذه الأيام للحوار المباشر بين المسؤول والمواطن لنعرف ماذا يريد المواطن وماذا يفكّر المسؤول ليتواءم تفكيريهما لصالح الوطن درءاً للإحتقانات والتوتر وضغوط الحياة وضبطاً لقضايا العنف المجتمعي وايقاع حياتنا الاجتماعية الرائعة. ولماذا يغيب الحوار وتغيب الزيارات الميدانية هذه الأيام بالرغم من التوجيهات الملكية السامية في هذا الصدد؟ لغايات أن يُجيب المسؤول المواطن مباشرة على طلبه. نتطلّع بأن يبادر كل المسؤولين وخصوصاً الحكومة لإطلاق حوارياتهم مع المواطنين بالطريقة التي يرونها مناسبة لغايات تقريب المسافات أكثر بينهم وبين المواطنين لصالح الوطن الأشم، كخطوة أولى لتجسير الهوّة وبناء جسور الثقة المتبادلة بين الحكومة والمواطنين.
    
*  وزير الأشغال العامة والاسكان الأسبق

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش