الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عولمة المأزق الإسلامي

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 02:00 مـساءً

 محمود قرني
يبدو أن مستقبل الصراع الذى يجب على الدولة العربية أن تخوضه ضد «أسواق العُصَاب الديني» لن يحتاج فحسب إلى تشكيل جديد للأبنية العقلية التى باتت تنطوى على استغلاقات مستعصية. فالقضية أصبحت شديدة التركيب لاسيما بعد أن تبدّت بجلاء الصورة البشعة لتعدد وتنافر أطرافها، هذا إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن الأسباب التقليدية لتمدد وتعاظم ذلك السوق أضيفت إليه روافد شديدة التأثير يأتى على رأسها رافد المركزية الأوروأمريكية الذى كان يؤسس لتلك الصورة عبر عشرات المنابر والأجهزة السرية والعلنية منذ أكثر من عشرين سنة ، وهو مُعَامل جديد وخطير يجب أن يضاف إلى روزنانمة تلك الحرب. وقد استغل صناع السياسة فى الغرب مذاهب متقدمة وطليعية لنقاد الاستشراق كانت تستهدف بالأساس نوعا من الإنصاف ورد الاعتبار لثقافة المستعمرات التقليدية القديمة، فتم الترويج لتلك الأدبيات باعتبارها أرقى الدفاعات العقلانية الممكنة عن صورة تم تغييبها للإسلام الوسطي، ما اضطر منتجو تلك الأدبيات للعودة مجددا إلى التأكيد على أنهم لم يقصدوا أبدا إلى الذود عن حياض الإسلام فهم علمانيون يصدرون عن موقف عقلانى محض يرفضه الإسلام فى صورته الشائعة، وإنما كانوا يدافعون عن ثقافات شديدة التنوع كان الدين أحد مكوناتها، لاسيما فى بلدان مثل مصر والهند. وقد تلقى المركز الأوروأمريكى أبلغ الإجابات عبر مختبر الثورات العربية بعد انكشاف مدى فداحة الثمن الذى يمكن للعالم أن يدفعه بعد هذا الحراك التبشيرى الذى أسفر فى النهاية عن ولادة تنظيمات تعد بين أعلى تمثيلات اللاعقلانية عبر التاريخ مثل داعش وأخواتها. وعندما تحدثت هنا وفى الزاوية نفسها قبل أسبوعين عن غياب عنصر الموضوعية فيما يتعلق بمخاوف المحافظين من تمدد ظاهرة الإلحاد كرد قاس على ما يرونه تهجمات على الإسلام لم أكن أتصور ذلك الكم من اللغط الذى سيثيره حديث شديد الوضوح حول مسألة غاية فى الالتباس هى قضية الاعتقاد. أما الوضوح فقد أشرت إليه بصدد الحديث عما انتهت إليه أوروبا من حسم موقفها حول ما بدا أنه تناقض بين إله العلم وإله الدين، ما يستوجب قطيعة حتمية يجب أن يتجه إليها الجيل الجديد من المفكرين والمبدعين العرب تدفع إلى الفصل بين المفهوم البالى الذى يعيد فيه الوسطيون ويزيدون حول العودة إلى ما يسمونه صحيح الدين وبين مقومات الدولة الحديثة التى تأتى العلمانية على رأس فرائضها ، مع الوضع فى الاعتبار أننا عندما نتكلم عن العلمانية فنحن نتحدث عن علمنة الدولة وليس علمنة المجتمع. فعلى الدولة، لكى تظل قادرة على أداء وظائفها بكفاءة وعدالة، أن تحيط نفسها بالمزيد من ضمانات النزاهة والموضوعية، ولكى يحدث ذلك يجب ألا يكون الدين جزءا من موقفها نحو مواطنيها. أعلم طبعا أن نداء الدولة العلمانية سيقض مضاجع المزيد من المحافظين، لكننى أتصور أيضا أن ذلك امتداد للاتهامات التى تبادلها سدنة اللغة اللدنِّية التى لا تقبل النقد ولا النقض، وهو اتهام لم يواجهه صناع النهضة فى مصر وحدها، ففى أوروبا نصب القساوسة المشانق لمؤسسى أفكار عصر النهضة تحت دعاوى إلحادية رفضها المجتمع الأوروبى الذى كان قد اتخذ قراره بانتزاع السياسة من يد الكنيسة.
وقد أشار كثير من المفكرين إلى أن إحدى المعضلات الحقيقية للإسلام تكمن فى عدم قدرة أتباعه على الإجابة عن السؤال المركزي: من منا يملك حق التحدث باسم الدين؟ وبما أن الجميع يملك الحديث بنفس اليقين فالجميع ينفون بعضهم البعض بنفس اليقين أيضا، وحيث لا قانون فالكل سيد، وحيث الكل سيد فالكل مسود كما يقول «شيشرون» وفى النهاية لن يكون هناك سيد كما لن يكون هناك مسود، بل ستكون هناك قعقعة السلاح باعتبار أن القوة ستخلق الحق وتحميه، ومن ثم فالصراع الذى نراه يتأجج تحت رايات الدين عادة ما يذهب فى النهاية لمآلات أخرى، وعلى ذلك فالأمر ليس أكثر من صراع يُستخدم فيه الدين كواحد من أرقى القيم فى المدونة الأخلاقية لتحقيق أحط الأهداف وأكثرها خسة.
وأتصور أن سقوط أفغانستان فى قبضة الإرهاب الدينى كان يمثل البداية الخطرة لعولمة المعنى الدينى وتحويله لسلعة صالحة للتصدير إلى شتى البقاع ، ثم يستحيل إلى مادة للردع والتفكيك فيما بعد، وهو ما يتحقق الآن على الأرض . فقد كان أخطر ما أقدمت عليه الولايات المتحدة يتمثل فى إطلاقها عشرات الصفات التطهرية على حربها ضد الاتحاد السوفيتى باعتبارها حربا على الإلحاد. وقد كانت فكرة عبور القيم الدينية للزمان والمكان واحدة من الصور الخلّابة التى تحصّنت بها هذه الحرب لكن الأمر كان يحتاج إلى دفع النموذج الدينى العابر للأمكنة والأزمنة إلى التخلى عن بعض شروطه الثقافية ذات الصبغة المحلية، فتم التركيز على صناعة عدو مناسب بأكثر من التركيز على مستقبل ما تريده تلك الجغرافيا، من ثم أصبح العدو يوحد الجميع. ومن حيث أن العولمة لم تستثن شيئا من قانون العرض والطلب فقد بات الأمر يحتاج إلى المزيد من المستهلكين، وأظن أن الولايات المتحدة لا تزال تعتقد أنها ملتزمة أمام حلفائها حول العالم بتخليق الآلاف من هؤلاء.
ولعل ما قدمْتُه هنا يمثل إجابة عن تلك الرسالة الغاضبة التى وصلتنى من سعادة سفير أفغانستان بالقاهرة السيد فضل الرحمن فاضل ردا على ذلك المقال الإشكالى الذى أشرت إليه فى مطلع هذه الكتابة عندما تحدثت، وبشكل عرضي، عن سيرة أفغانستان بعد تحررها من الاحتلال السوفيتي، وكان ذلك بصدد الحديث عما أشرت إليه حول عولمة المأزق الإسلامى فى العالم، لكننى لم أتعرض البتة لنضالات الشعب الأفغانى ضد الاستعمار سوفييتيا كان أو أمريكيا, فنضالات الشعوب ضد المحتل، بما فى ذلك الشعب الافغانى بطبيعة الحال، ستظل محل تقدير واحترام بل هى واجب كل الوطنيين نحو شعوبهم وهو ما يؤكده السفير بقوله: «إن ماحدث قبل ثلاثة عقود فى افغانستان، فوق الهضاب وعلى سلاسل جبال الهندوكوش العالية، حدث بأيدى شعب مسالم عاشق للحرية، شعب اشتهر بشجاعته وبسالته، بأيدى شعب عندما يضطر للدفاع عن حقوقه وعن حياته وعن تقاليده يهب كرجل واحد لتحقيق هذه الغاية بجسارة وقوة، دون أن يخضع لأى معتد»، غير أن المدهش فى الرسالة أن السيد السفير يؤكد بكل قوة أن أفغانستان لم تكن من رافعى الرايات السود «يقصد رايات الإرهاب» ولا من حامليها، وهنا أحيل الرسالة إلى القارئ الكريم، فإن كان ثمة مشكلة فهى بالتأكيد، لا تخص مقالة نشرتها جريدة الأهرام.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش