الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التعددية الحزبية في الفكر الاسلامي

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً



عبد الله العقاد

 من المخاطر التي تعاني منها ساحة العمل السياسي على صعيد الفلسطيني خاصة والعربي والإسلامي على وجه العموم.. السعي لتحويل السياسة إلى دين (تسيس الدين)، والأصل إن جاز لنا التعبير أن نعمل على (تديين السياسة وأسلمتها)؛ من خلال ما وضعه الإسلام من مبادئ عامة وقيم ثابته تحدد طبيعة نظام الحكم.

وأن تلك المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، هي: الشورى، والمساواة، والعدل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعصمة اجتماع الأمة، ووحدتها موقفها من القضايا الثابتة، واحترام رأيها في المواقف المصيرية، ومسئولية الحاكم أمام الأمه (الشعب)، وواجبات أهل الحل والعقد وغير ذلك. ولم يحدد الإسلام كدين سماوي صالح لكل زمان مكان وفي كل الأحوال.. الأشكال التنظيمية للحكم، بل تركها لما يناسب المسلمين وأحوالهم..

وهنا يأتي دور (السياسي) فيجتهد في تنزيل تلك المبادئ للواقع، بحيث يتم ترجمتها بما يتناسب مع أحوال الناس، ويتجاوب مع متغيرات العصر، ومستجدات الحياة المستمرة؛ فتكون – تلك المبادئ - ضامنة من الزيغ والانحراف أو السير نحو المجهول، وضابطة للعمل السياسي بكل أشكاله، ومعيارية وموجهة في التخيط والمتابعة والتقييم للعملية السياسية في كل مراحلها وأحوالها.

وأن كل هذا لا يخرج عن كونه جهدًا بشريًا صرفًا قابلاً للخطأ والصواب، والأخذ والرد، والقبول والرفض، من غير حرج أو تكلف في ذلك وبعيدًا عن حساسية الأسماء التي يمكن تُطلق على شكل الحكم رشيد أو سعيد..، وأن منه ما قد يصلح لزمان دون آخر، ولمكان دون غيره.

ولكن مما يُشْكِل على جماهير من الناس - ولا سيما- المنضوين منهم تحت عناوين سياسية.. سواء أكانت تلك العناوين جماعات أو أحزاب أو توجهات؟! أنهم لا يفرقون بين الفكر السياسي الإسلامي وما ينتج عنه من ممارسات ومواقف في ساحات العمل السياسي الواسعة والتي يحكم عليها بالصواب والخطأ وبالأولى وخلاف الأولى، وبين الإسلام كدين سماوي ثابت في جوهره ومحكمه، حقاً وصدقًا وعدلاً (لا يأتيه الباطل).

ولذلك عند الحديث عن التعددية (التنوعية) السياسية نجد أن المبادئ العامة والقيم الثابتة التي وضعها الإسلام لممارسة الحكم، لا يمكن لها أن تتحقق - فعلاً وواقعاً ممارساً، وليس مادة نظرية تنظيرية - إلا بالتعددية بل إن التعددية حتمية لحمايتها كماهي حتمية لممارستها. وهذا أمر ميسور الفهم والتفهم عند أهل السنة الذين استقر عندهم أن الإمامة (السلطة) من فروع الدين لا من أصوله، بخلاف الخوارج.. الذين كفروا مخالفيهم، والشيعة الذين اعتبروا الإمامة من أصول الدين، فجعلوا للأئمة عندهم مكانة مقدسة قد لا تبلغها درجة النبوة ولا الملَك مقرب..!

وإن المدرك لمعطيات الواقع السياسي، ومنطلقات السلطة السياسية في الفكر الإسلامي، يزول الالتباس في المواقف وحالة من التخبط والخلط بين مصدر السلطة في العمل السياسي وهو (الواقع والرأي)، ومصدر التشريع في الثوابت والعبادات وهو (الوحي) كما أشرنا إليه سابقاً.

ومما هو مؤكد عليه أن طبيعة العلاقة بين الأحزاب السياسية المتنوعة الطرح هي علاقة صراع وتنافس في إطار تحقيق المصالح المعتبرة والمرسلة ودفع المفاسد في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، وذلك بالاجتهاد لطرح الحلول للمشاكل التي يفرضها الواقع، ومن خلال آليات سلمية، حيث يتم حسمها - غالبًا - بالرجوع إلى رأي الناس لا إلى القوة العُنْفيَّة؛ لأنه صراع برامج ورؤى وليس صراعاً على الهوية التي يتم حسمها وتأكيدها عبر أدوات قانونية مجتمعية فتقر عبر طرق محددة، لتتثبت في الدستور الرسمي للبلاد أو في قانونها الأساسي كما هو حاصل عندنا.

ولذلك ما يجب دينياً ووطنياً هو أن يبقى خيار التفاهم، والتحاور، والمجادلة بالتي هي أحسن، اللغة السائدة بين الشركاء السياسيين في ساحة العمل الوطني الفلسطيني على اختلاف توجهاتهم وألوانهم تحت شعار (شركاء في الدم شركاء في القرار شركاء في المصير).

فتحقيق حالة من التناغم والانسجام والالتقاء بين كل الفصائل الوطنية والمكونات السياسية المشكلة للمشهد الوطني العام ونظامه الرسمي، وتحريم سياسة محو الآخر (الالغاء والشطب) أو عدم الاعتراف به لتقزيمه وتسفيهه..

فالتعددية ( التنوعية) في جوهرها السليم تنوع وتكامل واختلاف في إطار الوحدة الوطنية المستندة إلى عدالة قضيتنا وقدسيتها، لأنها تنوع مؤسس على (تميز وخصوصية) تتحقق من خلال إطار الوحدة الجامع، فبدون الوحدة الجامعة لا يتصور تنوع وخصوصية وتميز.

ولذلك أقرَّ القرآن الكريم التنوع في المجتمع البشري (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين..)الآية، وقد أثبت - أيضا- الإيمان لكلا الطائفتين المتصارعتين (وإن طائفتين من المؤمنين اقتتلوا..) الآية، وكذلك أقر دستور المدينة الحريات السياسية بل والدينية لغير المسلمين (يهود)، لأن التنوع منتج وفاعل إن بُنِيَ على التآلف والتعارف والتناغم الحضاري والانسجام بين مكونات كل أمة ومراعاة خصوصيات كل عرق ولون..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش