الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السعودي يغيب مكللاً بتفاصيل بطولة باب الواد

د. مهند مبيضين

الخميس 6 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
عدد المقالات: 1174

غالباً ما نفتح الذاكرة بعد مضي الوقت، ولا سبيل للاسترجاع إلا إذا كانت الذاكرة حية، فنحن لم نوثق بجهد مؤسسي، وقد افلح غيرنا، ونحن لم نكتب قصتنا في التضحيات والبطولات بشكل لائق، ولم نعِ المسار المهم الذي تشكله السير الكبيرة في مسيرة وحياة الشعوب وتكوينها الثقافي.

لا تسير الذاكرة عادة بانتظام، لكنها إذا كانت متقدة قد تفلح في استرجاع التاريخ، وهذا ما فعلته قبل نحو سبع سنوات مع الحاج البطل إسماعيل السعودي»أبو محمود» احد افراد الكتيبة الرابعة في معارك باب الواد واللطرون واللدّ وفي حصار اللد يروي قصصاً محزنة، كما أنه كان أول من وصل لجثمان الشهيد محمد الحنيطي.

الحاج الحبور الصادق والطيب، لم يكن يحدث عن نفسه، وقد تعمقت العلاقات معه والجلسات، لمدد وساعات، كان يشتهي دوما فتح ذاكرة الحياة العسكرية ويتذكر حابس المجالي بحسرة، لكنه لم يكن ليجعل من تجربته الغاءً لسير أخرى كانت معه، فيحدثك عنها بكل شغف وحب وامنيات مفتوحة وحزن عميق.

لم يرَ بالموت مشكلة، وكان دائماً يقول :»لنا عمر بنخوذه وبكفي ما عشناه»، يعشق الأقدار، ويظن أنه كان من الممكن أن يكون مجرد رقم عسكري استشهد في عام 1948، لكنه مع ذلك بقي يعمل حتى أيام قريبة ويتعامل مع الحياة بشغف وحب كبيرين.

بطلنا الذي مات، ليس له كتب، لكن له سيرة عطرة بين الخلق وذرية صالحة، وحضور محبب للكل، وهو مثل كل أبطالنا يغادرون على خفر وهدوء دون جلبة الأضواء، وهم اصحاب خلق ووفاء.

رفّعه حابس باشا المجالي هو وزميله الجندي سعود عبد القادر الى رتبة جندي أول؛ بسبب بلائهما وشجاعتهما في معركة باب الواد، ولكن شيخنا لا ينسى في ظل معركة تطهير القدس أن يأخذ بثأر رفيقه علي الصرايرة الذي استشهد آنذاك فيروي:» كان قائد السرية المُطهرة محمد اسحق هاكوز وقال لنا: «لكم وجبة سخنة في جبل اللطرون، ومن هناك تتقدمون للقدس، وجاءت السيارات وتحركنا»، وتفقد الجنود السلاح الأبيض والقنابل اليدوية، و»أكلنا لحم عجل، وشربنا شاي بحليب..».

على باب القلعة التقوا بمحمود موسى العبيدات و»كان عليه تاج برتبة قائد، وقال: يا اخوانا بدي أدلكم لا تفوتوا حارة الأرمن ممكن فيها ألغام، ووزعوا البرنات -وهو سلاح إنجليزي أشبه بالرشاش الكبير- على الخنادق الثلاثة».

كان سلاح اسماعيل السعودي «برن» ومعه علي بشير الصرايرة وانطلقا زحفا، وكانت المسافة طويلة «لكن علي بشير رفع رأسه، وسمعته يتألم، وإذا بالطلقة بين عيونه مصدرها قناص وعدت إليه ووجدته استشهد».

وضع الراحل السعودي «البرن»، وعاد زحفا ليحضر المخازن التي كان يحملها رفيقه علي فوق ظهره، وركّب مخزناً للرصاص، ونظر فوجد طاقة يخرج منها دخان بسيط وسلط الرشاش عليها.. ومن ثم جاءه الغداء على ظهر واحد سوداني، كان يزحف، وكان الطعام مكونا من «حبة بطاطا مسلوقة وزر بندوره وخبز».

الساعة الرابعة استعدوا للهجوم بالسلاح الأبيض وشعر اليهود بذلك، وخرج رجل دين يهودي ومعه علم أبيض، ومعه بنت عليها ثلاث نجوم اسمها «ماشا» فرفعوا العلم وأوقفنا إطلاق النار.

دلّته المجندة على قنّاص إنجليزي كان قد ضرب علي الصرايرة، ولجأ إلى المستشفى.. فيقول:»ودخلت مستشفى القدس لآخر سرير، وناديت على واحد اسمه سلامة علي من مادبا، وقلت له من قتل علي بشير موجود، ودخلنا عليه، ووضعناه بنقالة، وأخرجناه ولما صرنا بآخر الغرفة نهض وبدأ يقاوم وناديت على سلامة علي، وأمسك الانجليزي بيدي وشدني، وصحت بعلى سلامه فصوّب المسدس إليه وقتله».

بوفاة الراحل الحاج «أبو محمود»، نفقد بطلاً وسيرة طيبة، وفصلاً من فصول حكاياتنا التي تموت غالباً مع أصحابها، فنتذكر لحظة الوداع أجمل ما بقي منها، فرحمك الله أيها الشيخ الطيب.

[email protected]



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش